عملية مقاومة نوعية وجريئة ومشروعة [تعليقات من الصحافة العربية]

يمكن اعتماد <عملية الوهم المتبدد> فجر الأحد الواقع في 25 حزيران 2006 نقطة بداية لمرحلة جديدة في النضال الفلسطيني في مواجهة المشروع الإسرائيلي لتفتيت الأرض وتذويب الشعب وتحقير السلطة بما يذهب بالقضية جميعاً.
إن هذه العملية الاستثنائية في كفاءة التخطيط وشجاعة التنفيذ والوعي العميق بأهمية استثمار نتائجها الباهرة، مرشحة لأن تبدد بحراً من الأوهام ليس فقط داخل العقل الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، بل في قلب السلطة المنشطرة على ذاتها فلسطينياً، وفي المجتمع العربي الذي كان اليأس من حكامه قد تمكّن منه حتى كاد ينسيه <الأرض المقدسة> بأولى القبلتين وثالث الحرمين فيها وكنيسة المهد ودرب الآلام والجلجلة فيها.
بل إن هذه العملية الباهرة مرشحة لأن تشكّل منعطفاً في <سياسة> ما يسمى <المجتمع الدولي> مع الوحشية الإسرائيلية في التعامل مع <الفلسطينيين>: تشتيتهم في <معازل> وتجويعهم بالحصار وتقطيع أرضهم بجدار الفصل العنصري وبمستعمرات المتوحشين من الصهاينة المستقدمين من أربع رياح الأرض، وجعل أطفالهم ونسائهم وبيوتهم وشواطئهم ومدارسهم ودكاكينهم ومهاجع اللجوء الثاني أو الثالث حقول رماية بالذخيرة الحية لمدفعية الدبابات الإسرائيلية والبوارج وصواريخ طائراتها... الأميركية.
لسوف تبدّد هذه العملية التي ابتكرتها عقول المجاهدين وحمتها وطنية أهلهم، بحوراً من الأوهام الإسرائيلية، والفلسطينية، والعربية، والدولية في آن معاً.
بين الأوهام الفلسطينية التي لا بد قد بدّدتها العملية بمجرّد حدوثها تلك التي كان أشاعها تخاذل <السلطة>، ممثلة برئيسها ومَن معه من قدامى المحاربين الذين أفسدتهم السلطة برشاها وتغاضيها عن السرقات والارتكابات والتجاوزات والتعديات على مَن باتوا في منزلة <رعاياهم> وهم هم الذين منحوهم شرف أن يكونوا في مواقعهم القيادية.
وبالتأكيد، فإن حالة الاشتياق الممض التي دفعت <السيد الرئيس> محمود عباس إلى الاندفاع بالعناق نحو رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت قبل أيام، في قلعة <بترا> في الأردن، وبينما دماء الأطفال على شاطئ غزة وداخل بيوتها لمّا تجف، سوف تتوارى حتى تندثر، وستتحوّل إلى وثيقة إدانة يحاسَب بموجبها هذا المستهين بدماء شعبه بينما المحتل يهدده بهدر المزيد منها.
كذلك، فإن هذه العملية الباهرة بنجاحها، تخطيطاً وتنفيذاً، هجوماً وانسحاباً منظماً مع الصيد الثمين (الجندي الإسرائيلي الأسير)، لا بد ستبدد أوهاماً عربية رسمية تعاظمت وتكاتفت في ظل الأداء المتردي للسلطة الفلسطينية والصراعات المتفاقمة على هذه السلطة، حتى باتت في منزلة الحقائق المسلّم بها: قُضِيَ الأمر، وانتهت فلسطين كقضية، وبالتحديد كمشروع نضالي. لقد انشق الشعبان حول <سلطتيه> وضاعت الأرض... رحم الله الشهداء!
بل إن هذه العملية قد بدّدت أوهاماً دولية حول <النجاح> في تفتيت القضية الفلسطينية إلى مجموعة من التفاصيل وتفاصيل التفاصيل المنهكة. كانت <الرؤيا> الأميركية حول <الدولتين على أرض واحدة> قد تجسّدت في مشروع شاركت في إطلاقه مع الاتحاد الأوروبي وروسيا وبرعاية شكلية من الأمم المتحدة، حمل تسمية <خريطة الطريق>. لكن <الدول> سرعان ما أضاعت الطريق إلى الخريطة، ثم أضاعت الخريطة نفسها، تاركة لإسرائيل أن ترسم بقوتها وحدها مصير الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه.
ولقد بدّدت هذه العملية وهم جدار الفصل العنصري، فمن استطاع اختراق السياج الأمني الالكتروني حول قاعدة عسكرية إسرائيلية، ودخل فدمّر دبابة ميركافا وقتل وجرح وأسر واستطاع أن يخرج بقدر محدود من الخسائر (شهيدين)، فكأنه أسقط ذلك الجدار الذي أريد منه تشطير ما بقي من أرض فلسطين ليسهّل على إسرائيل التهامها جميعاً.
وبديهي أن ما هو ممكن في غزة، المكشوفة تماماً للعين المجردة والمدفعية والطائرات الموجهة وصواريخها، ممكن في أي مكان آخر، وأن السور، مهما كان مصفحاً فإنه لا يحمي أحداً.
كذلك فإن هذه العملية الشجاعة قد أسقطت أوهام فك الارتباط، على الجانبين: الإسرائيلي الذي لا يريد إلا ما يقرّره، والسلطة الفلسطينية التي تكاد لا تقرّر إلا ما يريده <شريكها> الذي يرفضها شريكاً مع أنها تبذل ماء وجهها من دون أمل..
يمكن، الآن، القول براحة ضمير إن هذه العملية مرشحة لأن تنهي تواطؤ رئاسة السلطة مع العدو الإسرائيلي على شعبها، وليس فقط على الحكومة التي رأتها منافساً خطيراً قد يخرّب عليها محاولتها للتفاهم مع إسرائيل بشروطها (اللاغية لفلسطين)...
لقد تواطأت رئاسة السلطة على الحكومة المنتخبة منذ لحظة قيامها، رغم أنفها... حاولت بداية أن تعرقل تشكيلها، فلمّا فشلت باشرت عبر اتصالاتها بالعواصم، القريبة منها والبعيدة منع الاعتراف بها، عربياً ودولياً... وقبلت سلاحاً مصدره العدو لمواجهة مقاتلي حماس، وهي تدرك أنها بهذا الأسلوب إنما تدفع أهل الأرض التي لا تزال محتلة إلى حرب أهلية..
وأخيراً، فإن هذه العملية الشجاعة قد نبّهت الرأي العام العربي من خدره، وخلخلت مكامن اليأس الذي كان قد تمكّن من العرب، في المشرق والمغرب، وأعادت إلى فلسطين بعض ملامحها الأصلية التي كاد يطمسها التفريط والتنازلات وفساد السلطة والمساومات على الدم التي كادت تصرف الناس عن هذه القضية المقدسة التي كان الخطر يتهددها بالتهافت بعدما غدا بعض المسؤولين من أهلها شركاء لعدوها في التآمر عليها.
إنها عملية أكبر من منفذيها، وأبعد تأثيراً مما قدّروا.
لعلها تكون نقطة بداية للعودة في اتجاه الصح: فلسطين.

العملية الفدائية التي شنتها المقاومة الفلسطينية التابعة لثلاثة أجنحة عسكرية على موقع كرم أبو سالم، أسفرت عن مقتل ضابط وجندي اسرائيليين وخطف ثالث، وجرح 4 جنود آخرين على الأقل. هي عملية بطولية ونوعية وجريئة ومشروعة، رغم أنها يمكن أن تكون لها تداعيات خطيرة، سواء على مستوى الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو على المستوى الداخلي الفلسطيني، وعلينا أن نحاصر تداعياتها فلسطينياً، لأن توقيتها السيء، على الأرجح غير مقصود، لأن هذه العملية بدأ الاستعداد لها منذ عدة أشهر، وليست بنت ساعتها، كما أنها لم تنفذ بعد التوقيع على الاتفاق الوطني، وانما عشية التوقيع، وهذا قد يطرح أكثر من علامة سؤال!.
في كل الأحوال، تتميز العملية بثلاث مزايا هي:
أولاً: ان كتائب القسام شاركت في تنفيذها، وهذا يطرح عدة أسئلة منها: هل تخلت حماس عن التهدئة؟ أم ان العملية مجرد ردة فعل طبيعية على الاعتداءات والمجازر الإسرائيلية الأخيرة، بما فيها اغتيال الشهيد جمال أبو سمهدانة؟ على الأرجح ان هذه العملية مجرد ردة فعل شبيهة بقيام كتائب القسام بإطلاق القذائف والصواريخ على جنوب اسرائيل بعد مجزرة الشاطئ، ثم الاعلان بسرعة من حماس بأنها لا تزال ملتزمة بالتهدئة!.
أم ان العملية تعكس اختلافاً بين القيادة السياسية لحماس والجناح العسكري أو بين عدة اتجاهات داخل حماس؟ اتجاه يريد انجاح الوفاق الوطني والاحتفاظ بالمشاركة بالسلطة، وآخر يريد العودة الى خيار المقاومة لاقتناعه باستحالة الجمع بين السلطة والمقاومة المسلحة. وما يدفع الى هذا التساؤل أن العملية نفذت عشية التوقيع على وثيقة الأسرى بعد تعديلها تعديلات طفيفة لا تمس بجوهرها، ووسط مشاورات أشارت الى تبلور شبه اجماع خصوصاً بين فتح وحماس على تأييد الالتزام بالتهدئة. فالجميع يدرك أن التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني يقيد أية أعمال مقاومة منفردة لأنها ستعتبر خروجاً على الإجماع الوطني. فالوثيقة التي سيوقع عليها ستشمل البنود الثلاثة الواردة في وثيقة الأسرى بشأن المقاومة. وهي تنص على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بمختلف الوسائل، وتركيز المقاومة في الأراضي المحتلة العام 1967، تنص على تشكيل جبهة مقاومة موحدة، وتشكيل مرجعية سياسية موحدة لها. وقد تنص الوثيقة على عدم استهداف المدنيين داخل اسرائيل، لأن هذا الاستهداف يساعد اسرائيل في المزج بين المقاومة الفلسطينية المشروعة للاحتلال وبين الارهاب.
بعد اقرار الوثيقة لا يمكن الاستمرار بالتعامل مع المقاومة كحق خاص يمارسه كل فرد أو مجموعة أو فصيل كما يحلو له، بينما يتحمل تبعاته وعواقبه الجميع دون استثناء. وانما المقاومة شأن وطني عام يقرر بشأنه الجميع وعبر المؤسسات الشرعية المتفق عليها. كما تنص الوثيقة على "أن المصلحة الوطنية تقتضي ضرورة البحث عن أفضل الأساليب والوسائل المناسبة لاستمرار مشاركة شعبنا وقواه السياسية في قطاع غزة في وضعه الجديد(..) وان المصلحة الوطنية تقضي بإعادة تقييم الوسائل والأساليب النضالية الأنجع في مقاومة الاحتلال"، لا يمكن الاستمرار في اطلاق الصواريخ والقذائف التي لا تسبب سوى الصدمة لبعض الإسرائيليين وتستخدمها اسرائيل كذريعة للاستمرار في سياسة القتل الجماعي والتجويع والحصار الخانق.
ثانياً: تميزت عملية "الوهم المتبدد" بقدرة كبيرة على التخطيط والتنفيذ، فالموقع محصن بشكل جيد جداً، بحيث يصعب الوصول اليه، والمقاومون هاجموه من الجانب المصري الذي من المفترض أن يكون آمناً من وجهة نظر جيش الاحتلال، وضحايا العملية من جنود الاحتلال وليسوا من المدنيين الإسرائيليين. ولقد اعترف قادة جيش الاحتلال، ان المقاتلين الفلسطينيين قاتلوا بحرفية ومهارة عالية، وكأنهم جنود بجيش محترف. كما قال أحد الجنود الإسرائيليين الجرحى انه تفاجأ بمهارة المقاتلين الذين نفذوا العملية. فالعملية استخدم فيها نفق طوله يمكن أن يصل الى أكثر من 400م، وعمقه 9 أمتار واستغرق بناؤه عدة أشهر، كما ان المقاتلين أثناء الانسحاب لم يستخدموا النفق وانما ذهب المهاجمون سيراً على الأقدام، مستخدمين قذيفة لإحداث ثغرة في الأسلاك الشائكة المكهربة التي تحيط بالموقع، كما أن الدوريات والكلاب والمصفحات والطائرات الإسرائيلية عجزت عن تتبع آثارهم، كما ان قوات الاحتلال فوجئت وهي تستخدم النفق لدراسته انه مزروع بالألغام، ما جعل الاستخلاصات الاسرائيلية حول مدة بنائه وخرائطه ليست دقيقة تماماً.
ثالثاً: تعتبر هذه العملية، أول عملية من نوعها بعد خطة فك الارتباط عن غزة، وتميزت بأنها تشمل اختطاف جندي اسرائيلي، وهذا حادث يعتبر الأول من نوعه منذ سنوات طويلة، خصوصاً منذ اختطاف الجندي نحشون فاكسمان والذي قتل بعد مداهمة قوات الاحتلال مقر اختطافه. وربما كان الهدف من اختطاف الجندي هذه المرة السعي لعملية تبادل للأسرى، بعد أن رفضت اسرائيل كافة المحاولات والمبادرات والجهود السلمية لإطلاق سراحهم، أو إطلاق سراح حتى ذوي الأحكام العالية الذين قضوا سنوات طويلة جداً وراء القضبان، وبعضهم أسير منذ ما قبل التوقيع على اتفاق أوسلو.
اسرائيل التي هالها ما حدث، وعانت من صدمة العملية، لجأت الى اطلاق التهديدات ضد السلطة برئيسها وحكومتها وكل من له صلة بـ "الارهاب"، وبدأت الاستعدادات لتنفيذ عملية بل عمليات كبيرة ضد قطاع غزة. واعتبرت ان حجم الرد سيتوقف على مصير الجندي المختطف، حيث سيتضاعف عدة مرات إذا أصابه مكروه، علماً بأنه مصاب حسبما أشارت مختلف التقارير ومن مصادر مختلفة.. وعلينا أن لا ننسى أن اسرائيل أعدت خطة "السهم الجنوبي" منذ أكثر من شهرين، وتحدثت الأوساط الصحافية الاسرائيلية قبل عملية كرم أبو سالم عن قرب تنفيذ هذه الخطة التي تتكون من عدة مراحل، مرحلتها الأخيرة تصل الى إعادة احتلال مساحات واسعة من غزة.
لقد ناشدت السلطة بمختلف مكوناتها، الرئاسة والحكومة، المختطفين بالحفاظ على سلامة الجندي المخطوف، ومعاملته معاملة حسنة، وإطلاق سراحه فوراً، حفاظاً على المصلحة الفلسطينية ولمنع تداعيات خطيرة جداً على قطاع غزة.
ودون شك ان العملية عقّدت جلسات الحوار الوطني، الذي كان على وشك التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني، بعد ادخال تعديلات طفيفة عليها. وانا اعتقد أن الرد الفوري السريع على التهديدات الاسرائيلية، يكون بالتوقيع على الوثيقة، والالتزام العميق بها من خلال الشروع فوراً بتنفيذها، من مختلف الجوانب، ما يتعلق منها باحياء وتفعيل م. ت. ف، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد وبما يضمن ضم كل الفصائل والأطراف التي لا تزال خارجها، وعقد المجلس الوطني الجديد في مدة أقصاها نهاية العام الحالي، وما يتعلق منها بالمقاومة، حسب البنود الواردة بالوثيقة، والمشار اليها اعلاه، وما يخص تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على العمل، وتحقيق درء الحرب الأهلية، وكسر الحصار الخانق، واسقاط خطة أولمرت عبر تقديم الشريك الفلسطيني قوياً وموحداً، وبيده خطة بديلة عن خطة الانطواء ومسلحة بالشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية.
تحولت قضية الجندي الاسرائيلي الذي اسره رجال المقاومة يوم امس الاول الى حدث عالمي، حيث تسابقت الحكومات العربية قبل الاجنبية، للمطالبة باطلاق سراحه فورا، وكأنه طفل بريء ضل طريقه الى الاراضي الفلسطينية.
المطالبون باطلاق سراح هذا الجندي ينسون انه كان داخل دبابة اسرائيلية، ويستعد لاقتحام مدينة رفح وقتل العشرات من ابنائها، اي انه لم يكن في مهمة انسانية يوزع الحلوى والهدايا على اطفالها.
القوات الاسرائيلية اقتحمت المدينة نفسها قبل يومين فقط، واختطفت عنصرين قالت انهما من حركة حماس ، ولم نسمع صرخة احتجاج واحدة من اي حكومة غربية على اعمال القرصنة الاسرائيلية الرسمية هذه التي تمت في وضح النهار.
الرئيس المصري حسني مبارك الذي يرسل وفوده الامنية الى قطاع غزة ممثلين للحكومة الاسرائيلية، وحاملين تهديداتها بالاجتياح في حال لم يتم الافراج الفوري عن الجندي، لم نسمع اي ادانة من جانبه للمجزرة الاسرائيلية التي ارتكبها صديقه ايهود اولمرت على شاطيء قطاع غزة، او الثانية التي وقعت بعدها بيومين في مدينة خان يونس وكان من بين شهدائها اربعة اطفال.
ماذا سيخسر ابناء القطاع اذا اعادت اسرائيل احتلاله، فهم يواجهون الجوع بسبب عدم دفع الرواتب، والبطالة بسبب اغلاق المعابر امام منتوجاتهم الزراعية واياديهم العاملة، والتوغلات وعمليات الاغتيال الاسرائيلية شبه اليومية لنشطائهم.
اعادة الاحتلال ستسمي الاشياء باسمائها، وتضع حدا لأكذوبة اسمها السلطة، خدعت العالم بأسره قبل ان تخدع الشعب الفلسطيني، واعطت انطباعا بقيام شبه دولة ووجود شبه رئيس وشبه حكومة واشباه وزراء، بينما الواقع هو احتلال بغيض، وسجن كبير لاكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يواجهون شتى انواع الاذلال على المعابر التي ما زالت الدولة العبرية واجهزتها الاستخباراتية تتحكم بها، وتملك الكلمة الاخيرة تجاه من يعبر او لا يعبر.
الحكومة المصرية توسطت قبل عامين لدى رجال المقاومة لتسليم رأس جندي اسرائيلي قتل في احدى العمليات، ووصل اللواء عمر سليمان الى غزة من اجل هذه المهمة السامية، ولكن ماذا حدث بعدها؟ حدث اغتيال جميع افراد المجموعة وتدمير اكثر من مئتي منزل في مدينة رفح نفسها من قبل البلدوزرات الاسرائيلية.
العملية الفدائية التي استهدفت القوات الاسرائيلية في معبر كرم ابو سالم جاءت نوعية بكل المقاييس وتكشف عن دقة كبيرة في الاعداد والتنفيذ، الامر الذي يؤكد عبقرية فصائل المقاومة وقدرتها في الوصول الى اهدافها بكل سهولة ويسر.
القوات الاسرائيلية تملك تفوقا عسكريا هائلا على الارض، من دبابات متقدمة وطائرات استطلاع ومروحيات، ولذلك خرجت لها هذه المجموعة الفدائية من تحت الارض مثل الجن، والحقت بها خسائر مادية ضخمة ومعنوية اضخم.
ليس صحيحا ان الذين نفذوها ارادوا نسف الحوار الوطني، والاتفاق الذي كان وشيكا بين رئيس السلطة محمود عباس ورئيس وزرائها اسماعيل هنية، فعملية الاعداد لها، وحفر النفق الذي استخدم في تنفيذها بدآ قبل نضوج فكرة الحوار، وتهديدات الرئيس عباس باللجوء الى الاستفتاء.
اشتراك كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس في هذه العملية الى جانب لجان المقاومة الشعبية والجيش الاسلامي، هو دليل واضح على انتصار الجناح المتطرف الرافض للانخراط في العملية السياسية القائمة على ارضية اتفاقات اوسلو، والمتمسك بثوابت الحركة في عدم الاعتراف بالدولة العبرية، واتفاقات السلام الموقعة معها.
ان اكبر خطأ ارتكبته الولايات المتحدة واوروبا هو قبولها بوجهة النظر الاسرائيلية المطالبة بقطع المساعدات عن حكومة حماس وعزلها عربيا ودوليا، فلم تظهر كما لو انها تعاقب الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي الحر والنزيه، وانما ايضا عملت على اضعاف الجناح المعتدل في الحركة الذي اصر على خوض الانتخابات التشريعية، والالتزام بالهدنة ووقف كل العمليات الفدائية والاستشهادية منها على وجه الخصوص.
الشعب الفلسطيني تكيف مع الجوع، وبدأ ينسى تدريجيا مسألة الرواتب، ويتعايش مع الحصار المفروض عليه، ولهذا بدأ هذا الحصار يعطي نتائج عكسية، فبدلا من اسقاط حكومة حماس وتعزيز سلطة الرئيس عباس وحزبه، التف الشعب الفلسطيني بصورة اكبر حول هذه الحكومة لانه دائما يقف الى جانب الضحية، والطرف الاضعف وهي سيكولوجية عربية واسلامية يصعب على الغرب فهمها.
اولمرت سيستمر في التهديدات وسيواصل حشد الدبابات والدروع على حدود قطاع غزة، وستستمر ايضا الوساطات العربية ولكن المؤمن الفلسطيني لا يلدغ من جحر السماسرة العرب مرتين. فادارة الأزمة الحالية تبدو مختلفة عن المرات السابقة، فقد تحرك اهالي الاسرى في مظاهرات تطالب بعدم الافراج عن الجندي الأسير قبل الافراج عن فلذات اكبادهم. كما ان المجموعة التي اسرته رفضت ان تدلي بأي معلومات عنه قبل الافراج عن كل النساء والاطفال في المعتقلات الاسرائيلية.
وربما لا نبالغ اذا قلنا ان اسر هذا الجندي هو الذي عطل الاجتياح، واعطى حركات المقاومة مساحة اكبر من الوقت للاستعداد لمواجهته وحشد الرأي العام العربي والعالمي ضده من خلال ابراز مسألة الأسرى الفلسطينيين الذين يفوق عددهم العشرة الاف وبينهم اطفال.
حزب الله افرج عن خمسمئة من المعتقلين اللبنانيين والعرب مقابل رفات جنود اسرائيليين قتلوا في لبنان، والشيء نفسه فعلته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة في مطلع الثمانينات في اطار ما سمي في حينه عملية النورس لتبادل الأسرى.
اجتياح القطاع قد لا ينجح في انقاذ حياة هذا الجندي الاسير، بل قد يحدث عكس ذلك تماما، اي ان يتعرض للقتل هو ومجموعة اخرى من الجنود الاسرائيليين. فالمقاومون في القطاع يملكون قذائف مضادة للدروع، ومن غير المستبعد ان يكونوا قد زرعوا الغاما ضخمة للدبابات المغيرة لاصطيادها او بعضها مثلما حدث في اجتياحات سابقة.
ندرك جيدا ان ارواحا بريئة ستسقط شهيدة اذا ما اقتحمت الدبابات قطاع غزة، ونشعر بالحزن وشديد الاسف على ذلك، ولكن لعل الخير يأتي من باطن الشر، ولعل الزعماء العرب وجيوشهم الذين لم يحركوا ساكنا لعويل طفلة شاطىء غزة، ولم تنظم شعوبهم مظاهرة واحدة احتجاجا، لعل بقايا نخوة تتحرك فيهم، ويتعاطفون مع اسرى قطاع غزة مثلما يتعاطف بعضهم مع الجندي الاسرائيلي الأسير.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018