عمير بيرتس "رجل القش"/ أحمد أبو حسين

هناك مصطلحات دارجة في لغة التداول السياسي عندما نتحدث عن هشاشة نظم سياسية معينة مثل دول القش الشرق متوسطية أو جمهوريات الموز اللاتينية، وهناك مصطلح شائع أيضا في لغة التداول بين المختصين في الإقتصاد الإسرائيلي، وتكاد "الماركر" وكل الملاحق الاقتصادية للصحف الإسرائيلية لا تخلو يوميا من خبر أو تعليق عن "شركات القش"، وهي الشركات الوهمية التي تدخل سوق التداول المالي فتستعمل التقارير الكاذبة والأرباح الوهمية وإخفاء قيمتها لإغراء المستثمرين "الصغار" السذج لشراء أسهمها التي لا تعبّر عن سعرها الحقيقي .. وكم من ساذج حرق أمواله طمعا بأرباح سريعة عن طريق شركات وهمية أدارها "زعران" المافيا الإسرائيلية ..

ومع تبكير الإنتخابات الإسرائيلية شرّعت "بورصة" المرشحين أبوابها وبدأ سوق التداول باشتراك وسائل الإعلام المرئية والمقروءة (أو على الاصح المكتوبة ) لأننا نتطرق أيضا في هذا المجال إلى "صحف القش" التي تحاول أن تلعب لعبة صياغة السياسة أو الرأي العام، فهذا عمير بيرتس "المحظوظ" يحتل حيزا لا بأس به من صفحات الصحف الصادرة أواخر الأسبوع، حتى أن الصحف العربية المحلية إجتهدت أكثر من الصحف العبرية نفسها في تغطية "الفوز الصدفة" لبيرتس، فذهب بعضها إلى تسويقه المستعجل وكأن حجرا قد سقط من السماء، وأن الرجل "الآتي من سديروت" هو حامل الهم العربي وصانع السلام العادل مع الفلسطينيين، بدل فضح عدد المشتركين العرب في الإنتخابات الداخلية لحزب العمل وخطر عودة الأحزاب الصهيونية إلى الشارع العربي .

لا حاجة هنا للغوص والبحث في أعماق الكذب والسياسة في إسرائيل، فالعلاقة بينهما تكاد تكون وطيدة لدرجة أن الناس يعرفون أن هناك كذبا، ويكذبون على أنفسهم بتصديق الكذب أو يرغمون أنفسهم على تصديق الكذب لأن الناس بطبيعتها تفضل التغيير حتى لو كان على حساب تصديق الكذب الذي يتحول الى سلعة يتناولها الصحفيون كتاب التقارير المطوّلة. ويجتهد المحللون في تحليل شخصية عمير بيرتس الحمائمي الهستدروتي وصاحب الهوية "الشرقية"، برغم تأكيد بعضهم على أنه "مع القدس موحدة تحت السيادة الاسرائيلية ويرفض عودة اللاجئين "، وأجمع الإعلام العربي على أن هناك مراهنة وتعليق آمال على إحداث التغيير المطلوب في إسرائيل وأن العرب واليهود الشرقيين هم كفة الميزان الراجحة لصالحه ..

لا أقلل في هذا السياق من أهمية فوز بيرتس وأثره على خريطة السياسة الإسرائيلية، ولكن لا يمكن المراهنة عليه في هذه المرحلة بالذات أنه صاحب الحظ الأوفر، وفي الوقت نفسه لا أعتبر إنتصاره زوبعة عابرة، وقد يحدث تغييرا في صالح اليسار الإسرائيلي ويزيد من قوته في حالة تنافسه مع شارون لكنه لن يصل إلى سدة الحكم في إسرائيل، لأن هويته الشرقية قد تساعده لكنها لن تنقذه من الخسارة لفقدانه "عقلية أمنية"، وهذا ما لا تقبله القبيلة الإسرائيلية ولا بأي حال من الأحوال، كما أن الشرقيين يعتبرون بطاقة الدخول للإسرائيلية من خلال اللحاق بركب مؤسسي الدولة العبرية والنخب البيضاء وتأييد حركات الإستيطان واليمين المعادية للعرب.

ونذكر هنا أن أحد الباحثين الإسرائيليين عن "اليهود الشرقيين" يقول " إن التنكر لهويتهم العربية أو الشرقية أصبح ظاهرة جماعية وتراكمية لدرجة أنها تنكرا وإنكارا للأصول"، هذا يعني أن اليهود الشرقيين الذين انتخبوا بيغن في إنقلاب 1977 وأعادوا رابين إلى سدة الحكم لن يشكلوا اصطفافا من "الحائط الى الحائط" لصالح عمير بيرتس برغم هويته الشرقية وكونه ممثلا لحزب لم يعد عماليا ورئيسا "لهستدروت" تخصخصت وفقدت قيمتها التنظيمية والشعبية.

برغم الكذب الشائع حول قوة عمير بيرتس الأولية، تسعيرته عند بدء التداول، من المهم هنا التأكيد أن قيمته الإنتخابية الأولية تذكرنا بشركات القش الوهمية، فقد جنّد قبل ستة أشهر حوالي 30 ألف منتسب لحزب العمل وفضحته "فصل المقال" في حينه على أن هناك عملية تزوير وتزييف في تجنيد الإنتسابات، وحصل في الإنتخابات الداخلية فقط على 27 الف عضو مقابل 25 الف لشمعون بيرس، فمجرد نجاح عمير بيرتس في هذه العملية الإنتخابية التي بدأت بالتزوير تعبر عن مأزق داخلي يعيشه هذا الحزب الذي طالما تربع على قيادتة النخبة العسكرية البيضاء. هذا ناهيك عن أن "الفوز الصدفة" جاء متأخرأ بعد أن انقسم الشارع الإسرائيلي بين مؤيد ومعارض لشارون، وأن حزب بيرتس كان بمثابة السند القوي لشارون خلال السنة الأخيرة.

المطلوب من العرب في الداخل الحذر من عودة الأحزاب الصهيونية وعدم تعليق آمال على "قوة وهمية" لن تسمح القبيلة ولا حتى رموزها أو على الأصح "زنابير" المؤسسين من تحويلها إلى قوة حقيقية ..