عندما لا تعترف واشنطن../ د.محمد السعيد إدريس

في الوقت الذي ركز فيه كبار المسؤولين الأمريكيين في وزارتي الدفاع والخارجية على تحميل إيران مسؤولية تصاعد حدة العنف في العراق، وعلى الأخص بسبب إمداد إيران المقاتلين في العراق بقذائف إيرانية الصنع ومتفجرات أدت إلى مقتل المئات من الجنود الأمريكيين، واجه هؤلاء المسؤولون “فاجعة” أخرى تمثلت في تساقط المروحيات الأمريكية الواحدة تلو الأخرى في ظاهرة جديدة وضعت علامات استفهام قوية حول إمكانية نجاح الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأمريكي في العراق.

فمنذ الفترة من 20 يناير/كانون الثاني الماضي وحتى الرابع عشر من فبراير/شباط الجاري نجح المقاتلون العراقيون في إسقاط سبع مروحيات، مما اضطر القيادة العسكرية الأمريكية إلى الاعتراف بهذه الظاهرة، على عكس موقفهم السابق الذي كان يتعمد إنكار تقارير للمقاومة كانت تؤكد إسقاطها لطائرات أمريكية. فقد اضطر الجنرال ويليام كالدويل الناطق باسم ما يسمونه بـ“القوات متعددة الجنسيات”، إلى القول بأن نتائج التحقيقات أظهرت أن هذه المروحيات أسقطت نتيجة تعرضها لنيران أرضية. كما اعترف قائد هيئة الأركان المشتركة بالجيش الأمريكي الجنرال بيتربيس بأن “النيران الأرضية” (وليس سوء الأحوال الجوية كما كانوا يزعمون في الماضي) أصبحت أكثر تأثيراً في المروحيات الأمريكية، وقال “إننا نبحث كيفية التصدي لهذه الظاهرة”.

لكن الأهم هو ما لم يجرؤ العسكريون الأمريكيون على قوله وهو إن عملية إسقاط طائرات بنيران أرضية يحتاج إلى خبرات عسكرية متقدمة لا تتأتى لمقاتلين عاديين، لكن من يقومون بها حتماً يكونون من “المحترفين”، بما يعني أن هناك مقاومة وطنية عراقية مدربة تقوم بهذا العمل، وهذا لا يتوفر إلا من خلال عسكريين عراقيين محترفين، بما يؤكد أن الجيش العراقي السابق بضباطه وخبراته هو الذي يشكل العمود الفقري للمقاومة في العراق.

الأمريكيون لا يجرؤون على الاعتراف بذلك، لأن مثل هذا الاعتراف سوف يدحض كل الأكاذيب الأمريكية عن المقاومة العراقية، حيث لا يتحدثون إلا عن إرهابيين يقتلون المدنيين ويتجنبون دائماً الحديث عن وجود مقاومة وطنية للاحتلال، في محاولة لنفي وجود رفض وطني عراقي لبقاء الاحتلال.

إن توجيه واشنطن الاتهامات لإيران وتحميلها مسؤولية تصاعد العمليات ضد قواتها هو محاولة تهدف إلى هدفين؛ أولهما صرف الأنظار عن المقاومة الوطنية واستمرار التمادي في عدم الاعتراف بها، والثاني خلق أسباب إضافية للضغط على إيران في أزمة برنامجها النووي، وربما خلق مبررات لأي عدوان أمريكي قد يحدث لتدمير المنشآت النووية الإيرانية. لكن تسارع سقوط الطائرات الأمريكية يحاصر هذه المحاولات ويفضحها حتى على لسان كبار المسؤولين الأمريكيين على نحو ما وصف السيناتور هاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ خطة بوش الجديدة في العراق عقب نشر أحد التقارير الاستخبارية الأمريكية المتشائمة عن الوضع الأمريكي في العراق. فقد تعمد السيناتور ريد أن يقول في تعقيبه على هذا التقرير “لم أرَ في هذا التقرير أي مؤشر يلمح إلى أن خطة بوش ستكون استراتيجية ناجحة تحمي المصالح القومية الأمريكية”.

تعليق السيناتور ريد ليس الوحيد من نوعه، هناك العشرات من التعليقات التي تصف الحرب الأمريكية في العراق بأنها “فاجعة” على نحو ما تحدث زبيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في عهد الرئيس جيمي كارتر، فقد وصف بريجنسكي هذه الحرب أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بأنها “كارثة على كل المستويات التاريخية والاستراتيجية والأخلاقية” وأنها “ستغرق الولايات المتحدة في مستنقع متعاظم يمتد في النهاية ليغطي العراق وإيران وأفغانستان وباكستان”، وهي المنطقة التي سبق أن أطلق عليها بريجنسكي اسم “قوس الأزمات” والتي يبدو أنها ستكون مقبرة الحلم الامبراطوري الأمريكي.

"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018