عن الاختلاف والتعدد وحزب الدولة الواحدة../ خالد خليل

التعدد والاختلاف على الساحة الفلسطينية يقودان في كثير من الحالات إلى نفي وجود الثوابت المتفق عليها بين التيارات الرئيسية الفاعلة، وهذا النفي للثوابت يشكل شرطا ضروريا في تفريغ محاولات الوحدة الفلسطينية من مضمونها، وبالتالي يعرقل تحقيق الأهداف السياسية لنا، كشعب يعاني من الاحتلال والاضطهاد العنصري، على قاعدة التعرض لمشروع كولونيالي تفكيكي شامل بكل ما يحتويه من تناقضات فرضها الصراع التاريخي بيننا وبين الدولة العبرية.

فالمسألة المطروحة اليوم لم تعد حول التصور الذي يحمله كل تيار من التسوية، وإنما حول مدى بعد أو قرب هذا التصور من الثوابت الوطنية من حيث التصريح والسلوك السياسي معا، وكيفية التوفيق بين التصورات المتعدده في خضم التصدي للمشروع الصهيوني في كافة ساحات الصراع؟!

ومما لا شك فيه أن ساحاتنا السياسية حتى الآن تنازعتها نظرة الاستعباد والاقصاء من قبل التيارات المختلفة بعضها لبعض، وتحديدا من قبل التيارات اليمينية التي تنزع إلى القبول بأي حل يحفظ مصالحها. لكن المسؤولية عن هذا الوضع حتى وإن كانت متفاوتة، يتقاسمها الجميع بهذا القدر أو ذاك.

إن غلبة عقلية الاستبعاد والاقصاء وتذويتها داخل البنى الحزبية، ساهمت في تحويلها إلى نهج يصعب التخلص منه، مما أدى بالتالي إلى مزيد من التناقض بين الشعار والسلوك: فالذين رفعوا شعار الوحدة وقعوا في فخ الشرذمة والتفرق لأنهم لم يحسنوا التعامل معه كفكرة جوهرية يستدعيها بإلحاح وجودنا المادي والسياسي. بل تعاملوا معه بطريقة أحادية الجانب تعلو من خلالها المصالح الضيقة والقوقعة الأنانية على الهدف الوطني، بدلالة فشل تلك القوى بتغيير علاقتها بالآخر وتطوير سلوكها نحو الأفضل. ومن نافل القول إن ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بغياب أو بعدم وجود أسس متفق عليها لممارسة حق الاختلاق والتعدد، علاوة على استبدال المصالح الوطنية بمصالح ضيقة عند البعض، الأمر الذي يؤدي في حالات معينة حتى للتحالف مع العدو من أجل تحقيقها وإشباع "شهية" تدمير المختلف وهذا هو بالتحديد ما يحصل اليوم داخل السلطة الفلسطينية.

أما في الحالات الاخرى التي هي بمنأى عن التحالف مع الأعداء، أو لنقل إنها في المرمى المباشر للاستهداف الصهيوني، فإن رغبة الإقصاء والتدمير تجد حيزا في داخلها، تدرجه في معظم الاحيان في إطار "رد الفعل" وليس رغبة في السلطة والنفوذ كما تدعي حماس على سبيل المثال.

في أوج حالة التنابذ والتقاطب هذه تعمقت حالة التهميش لما يسمى التيار الديمقراطي وقوى اليسار داخل المجتمع الفلسطيني في كافة ساحات العمل الوطني، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومما لاشك فيه أن الإنقسام الموصوف متشابه إلى حد كبير في ساحتي الشتات ومنطقة ال48.

إننا بالطبع لا نرمي من وراء هذا التوصيف السريع إلى الاستنتاج بضرورة الوحدة فورا ونبذ الفرقة والتنابذ، فهذه بحاجه إلى فتح حوار حقيقي وجاد مبني على أساس الاحترام المتبادل والنقد الحر والموضوعي للبنى والأحزاب والآليات السائدة في مجتمعنا المتمسكة بالحد الأدنى من الثوابت الوطنية، وهذا بالطبع لا يشمل من فرط بهذه الثوابت ولعب وما زال في ملعب إسرائيل وأمريكا.

إن الحوار والنقد ينبغي أن ينتجا عن إرادة واعية ومسؤولية وطنية، تستند فيما تستند إلى رؤية سياسة واضحة للأدوار المتوخاة لنا ولقوانا الفاعلة في دائرة الصراع المفروض قسرا علينا، والذي من ضمنه العمل الممنهج على تفريقنا ومسخ وجودنا الوطني والقومي. وفي هذا السياق لا أحد يبحث عن الإجماع أو إلغاء التعدد والاختلاف من حيث المشارب والمنطلقات الفكرية والثقافية، كما أنه لا أحد يتحدث عن الدمج التنظيمي لهذه التيارات في إطار واحد، فهذا بحد ذاته أمر يكاد يكون مستحيلا وبعيدا كل البعد عن الواقع.

ولعل النضال المشترك والبرامج والاستراتجيات الوحدوية لنشاطنا السياسي والثقافي، بمثابة مستلزمات لا غنى عنها في عملية خلق حالة من التنسيج والتشابك بين القوى الناشطة. ليتسنى بالتالي إنجاز الوحدة حول مشروع سياسي وثقافي مشترك. ومن غير شك، فإن خصوصية ساحات العمل الوطني تفرض نضالا وبرامج واستراتيجيات مشتركة لكل ساحة على حدة، إلا أن ذلك لا يلغي موضوعيا وجود ثوابت وطنية مشتركة لكل الساحات، تندرج جميعها في إطار حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الذي يشمل بدوره جميع الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها.
لكن وعلى الرغم من الحضور الدائم لرؤية العمل المشترك على المستوى الفلسطيني العام، إلا أنها لم تترجم في يوم من الأيام إلى إستراتيجية عمل أو برنامج، وهذا لا يعود إلى طبيعة شعبنا التواق إلى وحدة الحال والعمل والمصير المشترك، وإنما يعود كما أسلفنا إلى طبيعة الأحزاب والقوى الفاعلة والتي ما زالت أسيرة لعقلية الاستبعاد والإقصاء من جهة، ولم تذوت كما يبدو قضية وحدة المصير من جهة أخرى.

إن خطورة فكر الإلغاء ليس بما يتركه من آثار سلبية على الروح المعنوية لشعبنا فحسب، بل لأنه يلتقي مع سياسة الإلغاء والتدمير الكولونيالية ويقدم خدمات مجانية لها في هذه المرحلة والمراحل القادمة. لكن الأكثر خطورة هو غياب الأدوات والآليات السياسية القادرة على مواجهة شاملة مع المشروع الصهيوني الكولونيالي ليس فقط لوجود خلل في موازين القوى وعدم اكتمال عناصر الندية اللازمة لذلك، وإنما لكون القوى المتنفذة في الشعب الفلسطيني، ربما بسبب ذلك، لا تتصرف على أساس إمكانية تجاوز التسوية المطروحة في الضفة والقطاع. هذه الوضعية عمقت كثيرا أزمة العمل السياسي الفلسطيني وأدخلت الشارع الوطني إلى حالة مستعصية من البلبلة، أنتجت بالتالي أزمة ثقة بالقيادات على مختلف أطيافها، وباعتقادي فإن الشعب الفلسطيني ينتظر من نخبه إجابات شافية للخروج من وضعية الترهل وعدم الاستقرار.

قد يعتقد البعض أن رفع سقف المطالب الفلسطينية والحديث عن حلول شاملة مثل حل الدولة الواحدة، إنما يشوش إمكانية التسوية السياسية ويتناقض مع السعي من أجل تحقيقها، وأن هذا الطرح أصلا ضرب من الطوباوية الحالمة البعيدة عن الواقع. وفي القابل يرى الكثيرون أيضا في التسوية على أساس دولة ذات سيادة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس مع ضمان حق اللاجئين في العودة والتعويض، حلا غير ممكن التحقيق في ظل موازين القوى القائم.

وبما أن كل الحلول مرتبطة بموازين القوى، فلا داعي، بناء على المقاييس المشار إليها، طرح الحلول والتسويات، والقبول بالوضع القائم أو مقاومته بغض النظر عن النتائج.

إن تجارب التاريخ تنفي بالقطع عن التفوق الإسرائيلي صفة الأبدية، وتنبئ بإمكانية حدوث صدمات نوعية من شأنها هز موازين القوى وتغييرها جذريا، لتؤدي بالتالي إما إلى صدام تناحري تهديمي، وإما إلى تغيير جذري آخر في سياسات واستراتيجيات الجميع وتحديدا داخل إسرائيل. وعندها يصبح حل الدولة الواحدة الأكثر واقعية إن لم يكن الوحيد.

من هذه الزاوية فإن إعادة طرح إقامة حزب سياسي على أساس حل الدولة الواحدة علاوة على كونه ضرورة موضوعية، يكتسب أهمية خاصة على غير صعيد:

أولا- هذا الحزب هو المرشح للربط بين أجزاء الشعب الفلسطيني المقطعة أوصاله، ليس فقط من حيث الرؤية المشتركة، وإنما بالأساس من حيث برامج مشتركة آنية ومرحلية بما يشمل بناء المؤسسات والأطر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها، وبهذا تتحقق رؤية العمل المشترك والمصير المشترك المشار إليها سابقا، وتشكل حافزا للقوى والتيارات المختلفة لأن تنشط بنفس الاتجاه.

ثانيا- إن بناء حزب شامل من هذا النوع مع رؤية واضحة لمواجهة المشروع الصهيوني من شأنه إعادة الروح للعمل السياسي الفلسطيني وتجاوز أزمته، عبر إخراجه من ثنائية النقائض المهيمنة على ساحاتنا الوطنية والتي تشكل عائقا رئيسا أمام انطلاق حركة شعبية واسعة متحررة من عبثية هذه النقائض.

ثالثا- حزب الدولة الواحدة يشكل سندا للحفاظ على الثوابت الوطنية حتى في موضوع التسوية، بل إنه من الممكن أن يكون سدا منيعا أمام محاولات التفريط بهذه الثوابت.

رابعا وأخيرا فإن حزبا ديمقراطيا مقاوما للمشروع الاستعماري في فلسطين مرشح لأن يكون نموذجا نوعيا لنشر وترسيخ ثقافة المقاومة الشاملة في الوطن العربي لمشاريع التجزئة والتفكيك الثقافي والاجتماعي الاستعمارية.

في مقال سابق طرحنا هذه الفكرة على أساس أن هذا الحزب "يتبنى مشروع الدولة الواحدة ويضم في صفوفه كل فلسطيني يصنّف نفسه في محور المقاومة والممانعة المناهض للمشروع الاستعماري في فلسطين والمنطقة، ويتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية أي أنه يشمل كافة ساحات العمل الوطني الفلسطيني في الداخل والأراضي المحتلة منذ عام 1967 والشتات الفلسطيني، ولا يلغي التحزبات القائمة وخصوصية برامجها المحلية". وهذه التحديدات بحد ذاتها تعبر عن إشكاليات بالغة التعقيد لا يمكن القفز عنها، وهي بحاجة إلى كثير من إعمال الفكر والحوار المعمق الذي قد يؤيد أو يعارض أو ينتقد ويناقض الفكرة، إلا أنه بلا شك يثري الموضوع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018