عن الفاشيّة الصاعدة../ وليد شرارة*

منذ بداية ما يسمّى «الحرب على الإرهاب»، كان واضحاً أن إدارة بوش ستستغل هذه «الحرب» لمحاولة فرض حالة طوارئ عالمية تسهل عملية التوسع الإمبريالي التي شرعت بها.

وكان العديد من المحافظين الجدد يدعون، قبل عمليات الحادي عشر من أيلول 2001، الى تحرر الولايات المتحدة من «القيود» المتمثلة في نظرهم بالمواثيق والاتفاقات والمعاهدات والقوانين الدولية، بما فيها تلك الخاصة بحقوق الإنسان، لتستطيع أن تجعل من القرن الحادي والعشرين «قرناً أميركياً جديداً».

أمل هؤلاء بأن تكون حربا أفغانستان والعراق تدشيناً لمرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الدولية، تسود فيها الإدارة الأمنية والعسكرية لشؤون العالم وتتحول فيها الحرب من استمرار للسياسة بوسائل أخرى، الى بديل عن السياسة بمفهومها المعهود وعن آلياتها ووسائلها التقليدية، وخاصة بعدما أكد عدد من المسؤولين الأميركيين، ومنهم وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، أن الحرب على الإرهاب لا نهاية لها.

وقد أشار الكاتب الفرنسي آلان جوكس في كتابه الهام «أمبراطورية الفوضى» الى خطر أن تؤدي هذه التوجهات الأميركية، في ظل خلل كبير في موازين القوى العسكرية والسياسية الدولية، الى دخول العالم في حقبة «بربرية جديدة» شبيهة بتلك التي سادت أيام الفاشية والنازية.

فالتفوق العسكري الأميركي النوعي المستند الى ما سمي «ثورة الشؤون العسكرية» يتيح للإدارة الأميركية اللجوء إلى الحرب متى شاءت، والسعي الى سحق الخصوم لا الى مجرد هزيمتهم على أرض المعركة. صحيح أن التجربتين العراقية والأفغانية قد أظهرتا حدود هذه السياسة، لكنهما لم تدفعا هذه الإدارة حتى الآن للعدول عنها. هذا ما تظهره الاستعدادات الجارية للعدوان على إيران. هذه السياسة في الواقع هي نتاج لتحولات عميقة في طبيعة النظام الأميركي الذي بات يعتبره البعض في صدد التطور نحو نمط من الفاشية الجديدة.

تختلف هذه الفاشية عن تلك الأنظمة الشمولية التي حكمت في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وهي تتجلى أساساً وبشكل شبه حصري حتى الآن في السياسات المعتمدة تجاه دول الجنوب بشكل عام وتجاه الفضاء العربي ـــ الإسلامي بشكل خاص، وكذلك تجاه المهاجرين والقطاعات الاجتماعية المهمّشة داخل الولايات المتحدة.

ويرى الباحث مايكل كلير، وهو من أبرز الخبراء النقديين في الاستراتيجية الأميركية، أن أحد أسباب اعتماد سياسات ذات طبيعة فاشية تجاه دول وشعوب هذه المنطقة من قبل الولايات المتحدة هو سعيها المحموم للسيطرة المباشرة على مصادر الطاقة وإزالة جميع «العقبات» القانونية والسياسية التي تمنع ذلك، وأهمها الدولة الوطنية ومفهوم السيادة. وما يزيد من عنف الهجمة الأميركية على هذه المنطقة وعلى مناطق أخرى من العالم، غنية بالنفط والغاز، هو أن هاتين السلعتين الاستراتيجيتين والحيويتين بالنسبة للاقتصاد العالمي آخذتان بالنضوب.

لقد أظهرت مجموعة من الدراسات أن الدول المنتجة للنفط نجحت في تلبية الطلب المتعاظم عليه، الذي انتقل من 15 مليون برميل عام 1955 إلى 82 مليون برميل يومياً عام 2005. لكن هذه القدرة على تلبية طلب سيستمر بالتزايد في السنوات المقبلة ليست أبدية، حسب الدراسات المذكورة، وبين عامي 2010 و 2015 ستبدأ آبار النفط بالنضوب واحداً تلو الآخر.

ويعتقد كلير أن هذه الحقيقة تفسر مجموعة من التطورات أعادت تشكيل المشهد الدولي في العقد الأخير. أول هذه التطورات: هل تحوّل الجيش الأميركي الى قوى حماية لآبار النفط ولحرية تدفقه؟ ثانيها، هو أن روسيا أصبحت قوة عظمى نفطية وهي تستخدم وزنها المستجد هذا لتعزيز نفوذها السياسي. ثالث هذه التطورات هو احتدام الصراع بين القوى الدولية على الموارد، وبشكل خاص على النفط والغاز واليورانيوم. وقد أدى هذا الصراع الى المزيد من الحروب والتدخلات العسكرية والدعم للأنظمة الحليفة في الدول النفطية.

هذه التطورات ستؤدي، برأي كلير، الى المزيد من سيطرة الدول على مختلف مجالات الحياة العامة والخاصة وفرض درجة عالية من الضبط الاجتماعي وحالة تقترب من التعبئة العامة بحجة ضرورة ذلك لقيام الدولة بالدفاع عن «مصلحة وطنية حيوية» أي منابع النفط خارج الأراضي الأميركية.

الحرب الأميركية على العراق وكذلك العدوان المحتمل على إيران يندرجان في إطار الصراع المتصاعد على الموارد بين القوى الدولية حتى لو كان لهما أبعاد أخرى، وفي مواجهة الفاشية الصاعدة التي تريد تفتيت دول المنطقة والسطو على ثرواتها. الخيارات ليست كثيرة. وحدها المقاومة شرط البقاء كما كانت الحال في مواجهة الفاشية والنازية في زمن سابق.


"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018