عن شهداء الأرقام وسرقة أموال الأسرى../ عطا مناع*

هناك في فلسطين التاريخية التي احتلت عام 1948 المئات من جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب المحتجزة من دولة الاحتلال، ليس لهذا الاحتجاز المريب والمهين لثقافتنا ومقاومتنا أي بعد سوى التأكيد غير القابل للشك على العقيدة العنصرية لدى الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يترك مناسبة إلا ويستغلها للمس بالفلسطينيين والعرب.

الملفت أن ملف شهداء الأرقام مغيب لدى القيادة الفلسطينية التي تتلذذ بافراجات النية الحسنة من رئيس وزراء حكومة الاحتلال المنصرف يهود اولمرت، مع العلم أن الحقائق تؤكد عدم التناسب بين هذه الافراجات وعمليات الاعتقال التي ارتفعت وتيرتها لتشمل شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني وخاصة الأطفال الذين يتعرضون لانتهاك بشع لحقوقهم.

واضح أن غياب لبعض الملفات الهامة عن أجندة القيادة الفلسطينية من رأس الهرم حتى قاعه. قبل أيام انطلقت حملة لاسترداد جثامين الاستشهاد يين الفلسطينيين لإعادة دفنهم من قبل عائلاتهم، الاعتصام نظم من قبل نادي الأسير الفلسطيني أمام مقر الصليب الأحمر الدولي في بيت لحم، الملفت أن الحضور كان فقيرا مقتصرا على أهالي الشهداء وفعاليات محدودة لا تصل إلى العشرات.

هذا المشهد يعبر بشكل صارخ عن الحالة الفلسطينية إذا أخذنا بعين الاعتبار المعلومة التي قالها لي النائب في التشريعي عيسى قراقع عن تغيب الجهات الرسمية لهذا الملف وعدم طرحه أمام الجهات الدولية، وكان هذا جليا في اللقاء الذي جمع شخصيات فلسطينية في بيت لحم قبل حوالي الشهرين مع كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية التي تفاجأت بهذا الملف.

الحقيقة الصارخة أن العفوية السياسية في التعاطي مع القضايا الإنسانية التي تحولت لشعارات مجردة دفعت بدولة الاحتلال الإسرائيلي إلى غض النظر عن أمور يفترض أن تكون من المسلمات، فالذي لا يستطيع أن يستعيد جثامين الشهداء لا يستطيع أن ينتزع حقوق الشعب التاريخية.

هذا النهج فتح المجال أمام الفاسدين من المتسلقين على آلام الشعب الفلسطيني لتجاوز الخطوط الأكثر حساسية، وكان الإعلان عن تحقيق يتعلق بسرقة مستحقات الأسرى من قبل متنفذين من الضفة الغربية وغزة بتحويل مئات الآلاف من الشواقل إلى غزة عبارة عن تفجير ومعيار حقيقي عما آلت إلية أوضاعنا القيمية في فلسطين المحتلة التي حولها البعض لمشروع استثماري يسرح ويمرح كما شاء، يتاجر بحقوق الناس وبلقمة عيشهم وبدمهم.

الجرائم ترتكب في عز الظهر، والفاسدون يتحركون بحرية ويتكاثرون ويشرعون نهجهم لقناعتهم بعدم المساءلة، فالفوضى منحتهم الأمان والحسابات المنتفخة في البنوك. أنا لا أتحدث عن أفراد، نحن بصدد ظاهرة لها هيكليتها، أنهم قوة مؤثرة مدعومة تتسلح بثقافة معادية لمصالح الشعب، أهدافهم باتت واضحة، المزيد من الانقسام والإحباط والانفلات والتحريض على الآخر الفلسطيني بزرع الكراهية التي تمخضت عن حملات أمنية في شقي الوطن، حملات تستهدف القضاء على الخصم السياسي، وهذا في المحصلة مكسب لقطب الفساد.

نحن بحاجة للشفافية وسيادة القانون ووضع الأمور في نصابها، فالدستور الفلسطيني، الذي يفترض أن يشكل قبلة القضاء المغيب، واضح، الدستور يحفظ حقوق الشعب الذي ينتظر الحملة الكبرى للقضاء على أسباب الفساد في وطننا المحتل، هؤلاء هم الخطر، هم الذين يسمموننا بالسلع الفاسدة، وهم الذين يسطون على حقوقنا الدستورية، هم الذين يسرقون مخصصات أسرانا وينشرون الرذيلة والمخدرات في تجمعاتنا الفقيرة التي لن تسلم طالما يتربعون على صدورنا.