عن مدافع السياسة! / عبد الله السناوي

قد يمضي الصيف كله، والخريف الذي يليه، قبل أن ينجلي غبار ميادين القتال، بعد أن توقفت العمليات العسكرية، عن قواعد اللعبة السياسية الجديدة في المنطقة.

الحروب تقاس بنتائجها السياسية، أو ما يترتب عليها من أوضاع استراتيجية جديدة. وباليقين فانه قد لحقت بأهداف العدوان الإسرائيلي على لبنان هزيمة مدوية فاقت كل توقع أو خيال، فلم تتمكن إسرائيل من تفكيك سلاح المقاومة، أو كسر إرادتها السياسية، أو السيطرة العسكرية المباشرة على الجنوب اللبنانى الى حدود نهر الليطاني، أو استعادة الجنديين الأسيرين لدى حزب الله.. بلا شروط!، بل لحقت بجيش دفاعها هزائم عسكرية موجعة ومذلة في مواجهات برية شرسة اضطرتها فى كثير من الأحيان الى التراجع والانسحاب، وهو ما أدى الى سقوط هيبة الجيش الإسرائيلي، وهيبة إسرائيل ذاتها في عين الشارع العربي، وهذه من النتائج الجوهرية للحرب، فمما يوضع فى حسابات جرد نتائج الحرب: الحالة المعنوية العربية المصاحبة لوقائع القتال والمترتبة عليها.

بالنسبة لأمة نكل بقضاياها وبوجودها الانساني فإن عدم الهزيمة هو انتصار في حد ذاته، والحاق العار العسكري بإسرائيل، الى حد الأخذ في تشكيل لجان فحص وتحقيق في التقصير الظاهر بالعمليات العسكرية ونقصان المعلومات الاستخباراتية بصورة فاضحة، هو انتصار آخر على المستويين المادى والمعنوي، خاصة أن -ثقافة الهزيمة-، أريد لها على مدى عقود طويلة، وبالخصوص بعد توقيع اتفاقيتي كامب ديفيد عام 1978، أن تترسخ وأن يتولد عنها سياسات انصياع لما تريده الولايات المتحدة وتطلبه إسرائيل بظن، أو بادعاء ظن، أن ذلك من دواعي الحكمة والرشد في اتخاذ القرار.

واللافت أن إسرائيل بصحافتها وقواها السياسية تعترف -الآن- بأنه قد لحقت بها هزيمة غير متوقعة، وأخذت تنتقد أسبابها وتدعو الى تشكيل لجان تحقيق وفحص لما جرى، وهذه آليات تصحيح، علينا أن ندرك خطورتها، قد يرضينا الى حد كبير الاعتراف الإسرائيلي بالهزيمة، ولكنه يمهد -عملياً- لمواجهات اخرى وحروب اخري، وفي ذات الوقت اعقب الانتصار اللبناني آليات من نوع آخر أقرب الى -التخريب-، ويؤشر الى محاولات محمومة لحرمان حزب الله من انتصاره، والعودة الى المربع رقم واحد، أو البحث فى مستقبل سلاح حزب الله، والضغط عليه، قبل البحث في الاستثمار السياسي لهذا الانتصار.
بدأت التجاذبات السياسية فى لبنان تضغط على حزب الله بسؤال: -لمن تهدى المقاومة انتصارها؟-.

والسؤال -في حد ذاته- يصادر على الدورين الإيراني والسوري، ويحاول أن يدفع الأحداث والتداعيات الى طريق نزع سلاح حزب الله باعتبار ان ذلك مما يقوي الدولة اللبنانية ويفرض سيادتها.
وقد بدا أن هناك إدارات متعددة للأزمة ومتصارعة على صياغة نتائجها السياسية. وبدا حزب الله وزعيمه حسن نصر الله مدركا لهذه الحقيقة بصورة عملية، وعاملا على ضبط إيقاعها بما لا يخل بتوجهاته الرئيسية.

إدارة نصر الله للأزمة تعمل على عدم تقديم أية تنازلات ميدانية في الجنوب اللبناني لإسرائيل، ومعارضة تمكينها من أن تحرز بالسياسة ما عجزت أن تحصده بالسلاح، مع الحفاظ -في ذات الوقت- على نوع من التماسك الداخلي، او عدم الانجراف في أية مساجلات سياسية مع جماعة 14 آذار في هذا التوقيت بالذات.

وقد أخذ حزب الله -بمهارة فائقة لزعيمه حسن نصر الله - يتصرف سياسيا بنوع من التواضع، فالنصر للبنان كله، وللأمة كلها، محاولاً أن يفسر القرار الدولي الجديد 1701 وفق اتفاقية الطائف، وعلى هذا الأساس، وبعد الفشل لمرتين في عقد اجتماع حكومي بعد توقف العمليات العسكرية، توصلت حكومة السنيورة لصيغة بيان يستند عملياً -الى تفسير القرار 1701 وفق اتفاقية الطائف.

والمؤكد ان حزب الله وافق على صيغة البيان بعد مفاوضات كواليس أشرف عليها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بهدف صيانة التوافق الوطني في حده الادنى والحيلولة دون تفجر التجاذبات السياسية خارج نطاق السيطرة. وقد أصدرت قيادة حزب الله في صباح توقف العمليات العسكرية تعليماتها لنحو مليون نازح بالتوجه الى ديارهم في الجنوب، وبالتالي اغراق جيوب جيش الدفاع الإسرائيلى بكتل سكانية تضفي حماية على مقاتلي المقاومة، ولعل ذلك مما ساعد على اسراع الجيش الإسرائيلي في سحب قواته الاحتياطية من الجنوب اللبناني، وإعادة نشر قواته الأخرى، دون انتظار لانسحاب متزامن مع انتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، وكان ذلك تفسيرا للقرار الدولي بحقائق الأرض وإرادة المنتصرين في الحرب.

ثم أن حزب الله، وفق اتفاقية الطائف، أعلن انه لن ينسحب من الجنوب، أو يسلم سلاحه، مرحبا في ذات الوقت بانتشار الجيش اللبناني الذي استقبله انصار الحزب في الجنوب بباقات ورد، وقادة الجيش بدورهم أعلنوا عن ترحيبهم بالتعاون مع المقاومة، وانه ليست هناك أدنى نية للصدام معها، أو الاتجاه لنزع سلاحها بالقوة. وكانت تلك نقطة جديدة يفرض فيها المنتصر تفسيره للقرار الدولى 1701.

ولم تمانع إسرائيل كثيرا فيما يتخذه حزب الله من سياسات على الأرض، فالهزيمة أخذت تربكها في الداخل، ورغم أن رئيس وزرائها ايهود اولمرت وصف قرار مجلس الأمن بانه إنجاز دبلوماسي، إلا أن حزب الله فرض ارادته وفرغ -حتى الآن- هذا القرار الدولى المنحاز للرواية الإسرائيلية للحرب من جوانبه الخطيرة.

غير أن تلك الإدارة السياسية لحزب الله تعترضها حقائق أقرب الى حقول ألغام تهدد ما تحقق على الأرض من انجازات حتى الآن.

أخطر هذه الحقائق أن النصر أكبر من لبنان. وهذا التعبير للكاتب اللبنانى المعروف طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة -السفير-. وفى تقديره أن النصر يضفي على المقاومة اللبنانية وزعامتها قيمة دون أن يترتب عليها قيادة للمنطقة وتفاعلاتها الصاخبة، وهذا تقدير سياسي له وجاهته، ولا يصح أن يحمل أحد - بالأماني والافراط فيها- حزب الله وزعيمه حسن نصر الله بأكثر مما تطيقه حقائق القوة والجغرافيا. فحزب الله طرف فاعل واصيل في معادلة بلد صغير يفتقد الى التماسك والعمق الجغرافي والسكاني وأقصى ما يستطيعه أن يحبط العدوان عليه، وأن يعطى النموذج والقدوة للعرب الاخرين، وأن يثبت أن هزيمة إسرائيل ممكنة. والارجح إذا لم تنجح قوى دولية وإقليمية في حصار حزب الله وجره الى الصراعات والتجاذبات الداخلية، وحرمانه بالتالي من استحقاقات النصر، أن يتمكن هذا الحزب من بناء نموذج مختلف عن النموذج المصري الذى شيد بعد حرب 1973، ففي النموذج المصرى خذلت السياسة السلاح، وجرى توقيع اتفاقيات سلام لا تتناسب نصوصها مع فواتير الدم التى بذلت فى ميادين القتال أو النتائج العسكرية للمواجهة مع إسرائيل، بل أن هذه الاتفاقيات بدت تعبيرا عن هزيمة لم تحدث، وفرغ النصر من محتواه، وتحولت الأحلام الى كوابيس، وجرى عزل مصر -الدولة العربية الأكبر والأهم -عن الصراع العربي الإسرائيلي. والأرجح -مع بعض التجاذبات السياسية - أن يتمكن اللبنانيون من استعادة مزارع شبعا، وإسرائيل نفسها سوف تفكر جديا في هذ الخيار حتى تسهل من عملية نزع سلاح حزب الله أو دمجه فى الجيش اللبناني، وأن تضمن اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية الحدود، أي استعادة الأرض اللبنانية كاملة وتقوية الجيش اللبناني بضم المقاومة اليه دون اتفاقيات سلام او تطبيع مع إسرائيل أو رضوخ لمقتضيات الاستراتيجية الأمريكية، وذلك يتوافق مع ما صرح به السيد حسن نصر الله من أن لبنان لن يكون امريكيا أو إسرائيليا.

وهذا السيناريو الارجح قد تعترضه محاولات تخريب متعمدة في الداخل اللبناني، باعتقاد ان الوقت قد حان لاعتماد النموذج المصري، وأقصى ما نتوقعه من قيادة حزب الله أن تحبط هذا النموذج وان تناهضه، فمعنى الاستيلاء الأمريكي الكامل على لبنان وقوع منطقة الشرق العربي كاملة تحت سيطرة إسرائيل.

وهذا مما يسهل الانقضاض الأخير على ما تبقى من فلسطين واراضيها وقضيتها. وشهور الخريف المقبل سوف تشهد صراعا جوهريا على مصير لبنان، أو أي نموذج يتبع: اتفاقيات سلام على الطريقة المصرية أم تجديد اتفاقية الهدنة في أوضاع جديدة مترتبة على نصر معنوي وعسكري جرت وقائعه في ميادين القتال. وذلك يستدعى تأهبا من الرأي العام العربي لمساندة حزب الله، او منع كوارث الحكومات العربية لحرمانه من النصر والحيلولة دون تداعيات رفع منسوب الثقة فى الشارع العربي.

وقد بدأت فعلا اللعبة بتصريحات وليد جنبلاط وسعد الحريرى التى لم تخل من تحرش بحزب الله والإيحاء بأنه يلعب لصالح إيران، وقد يقال إن هذه التصريحات الاستفزازية رد فعل على تصريحات للرئيس السوري بشار الأسد، غير أن الحقيقة أن التجاذبات السياسية كانت سوف تحدث سواء تكلم الأسد أو صمت. فالأطراف الدولية والإقليمية لن تنتظر طويلا على معادلات القوة الجديدة، ولها تصوراتها لخرائط السياسة والعمل فوقها لحرمان حزب الله من نصره بما يعيد المشاهد السياسية الى ما قبل 12 يوليو، كأن حربا طاحنة لم تحدث، وكأن لبنان لم تتوحد قطاعات غالبة فيه سياسيا، وكما لم يحدث من قبل أثناء هذه الحرب، وكأن إسرائيل لم تلحق بها هزيمة وحزب الله لم يحرز انتصاراً.

والمعنى في ذلك كله أن مدافع السياسة أخذت تطلق نيرانها، وتمشط المنطقة كلها، بحثاً عن حقائق جديدة للقوة. ايران بدأت في التحرك، وزار وزير خارحيتها مصر والسعودية على التوالي، باحثا عن حدود دور إقليمي جديد، أو عارضا حضوره على المشهد السياسي في المنطقة كلاعب رئيسي يستحيل التهوين من دوره، والسعودية اعطت الضوء الأخضر لتيار الحريري، وهو الطرف الأقوى فيما يسمى الأغلبية البرلمانية في لبنان، للدخول فى صراع مفتوح مع سوريا، والضغط الداخلي على حزب الله، وللسعودية -باليقين - دور سياسي مباشر على المسرح اللبناني، ونجحت الى حد كبير -بالمال السياسي- في استقطاب القطاع الأغلب من السنة، وورثت -عمليا- الدور المصرى التاريخي في لبنان أيام جمال عبدالناصر. شاركت سوريا فيه -مرحليا- قبل أن تعمل على ازاحتها فى أعقاب اغتيال رفيق الحريري، ومن هذه الزاوية يبدو أن طرفين دوليين متداخلان في الملف اللبناني هما: الولايات المتحدة وفرنسا، وأن طرفين إقليميين متداخلان في ذات الملف هما: -ايران والسعودية-.

وسوريا تبدو طرفا رئيسيا في ذات الجبهة التي تقف فيها ايران، وفضت عمليا -بخطاب الرئيس بشار الأسد الأخير- المحور الذي كان يربطها لعقدين -على الاقل- مع مصر والسعودية، فالرؤى تناقضت والخيارات تحددت.
وتركيا -بحسب بعض الإشارات- تتابع وتنظر في دورها الذي قد يستجد..

كل الأطراف تدرك ما تفعل، غير ان مصر تبدو كمن صعقتها الأحداث، وبدت ملحقة بالكامل باستراتيجيات الولايات المتحدة، وملحقة -فوق هذا الإلحاق- بالحسابات السعودية فى لبنان!

والمؤكد ان لعبة المفاوضات سوف تتصدر المشهد السياسي في الخريف المقبل في مجلس الأمن، وفي اروقة الأمم المتحدة، وفي مباحثات الكواليس تحت رعاية أمريكية، والهدف احباط انتصار حزب الله، واحالته الى هزيمة سياسية إن امكن!.

و.. هكذا تبدو المواجهة العربية الإسرائيلية السادسة مقدمة للسياسة ومدافعها، وقد يترتب عليها ما يصعب احتواؤه الا بمواجهة سابعة، الأغلب أن تكون سوريا ساحتها الرئيسية، فحسبما أشارالكاتب الأمريكي سيمور هيرش في مجلة -النيويوركر- أن العملية ضد حزب الله كانت بروفة لعملية أكبر ضد ايران، وبشكل أو بآخر اثبت السلاح الايراني قدرته على مواجهة السلاح الأمريكي، وهذا قد يعرقل -مؤقتا- سيناريو العدوان على إيران، مع تصعيد المواجهات معها في مجلس الأمن بخصوص ملف تخصيب اليورانيوم، والمعنى ان اتجاه الضربة المتوقعة يتجه سورياً، بالتفاوض واملاء الشروط، او بالعمليات العسكرية المباشرة.

ومصر في كل هذه الأجواء الحارقة شبه عاجزة كأطلال تاريخ، لا نقدر على حذفها بالكامل من خرائط المنطقة، فهي مفتاحها التاريخي، ولا نقدر -وهذه كارثة كبرى- على الرهان عليها في أوضاع تقرير مصائر.


"العربي"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018