غاز المتوسط: أطماع صهيونية متجددة../ نواف الزرو

مرة أخرى، تطل علينا "إسرائيل" بقرصنة جديدة بعد تلك القرصنة ضد "أسطول الحرية"التي هزت أركان العالم قانونيا وأخلاقيا وإنسانيا، وقرصنتهم هذه المرة تمتد إلى أعماق البحر المتوسط والى أعماق المجال البحري اللبناني والقبرصي معا، وتمتد إلى مخزون الغاز في تلك الأعماق.

وليس ذلك فحسب، بل يأتي وزيرهم للبنى التحتية عوزي لنداو (يسرائيل بيتنو) ليعلن بمنتهى العجرفة "إن إسرائيل على استعداد لاستعمال القوة للدفاع عن مخزون الغاز الطبيعي في البحر"، مضيفا في مقابلة مع وكالة الأنباء "بلومبرغ":"ليست للبنان أية حصة في حقول الغاز التي اكتشفت مؤخراً"، مؤكدا: "لن نتردد في استعمال قوتنا، ليس للحفاظ على قوانيننا فقط، بل للحفاظ على القانون البحري الدولي"، مردفا: "هم (اللبنانيون) لا يدعون أن اكتشافاتنا هي احتلال للبحر، بل أن مجرد وجودنا هو احتلال في نظرهم، أن حقول الغاز تقع داخل المياه الاقتصادية الإسرائيلية"، ويلحق به وزير ماليتهم يوفال شتاينتس ليعلن بدوره:"إنها –أي البحار والغاز- ملك لشعب إسرائيل".

فهل هناك وقاحة وبلطجة وقرصنة وأطماع أشد من ذلك...؟!
وفي قصة غاز المتوسط هنا، فإنها ليست عملية السطو الأولى على مخزون الغاز في المنطقة، إذ سبق لتلك الدولة ان استولت على غاز سيناء واستثمرته على مدى سنوات احتلالها للجزيرة، وتواصل ذلك عبر اتفاقية الغاز الموقعة مع مصر، وكذلك الحال في مياه وغاز غزة، إذ تهيمن تلك الدولة هيمنة مطلقة عليهما وتمنع أصحاب الأرض والبحر والحق من التحرك والعمل والاستثمار هناك.

الحقيقة السافرة هنا في هذا الصدد، أن هذه اللغة الفوقية والنزعة التوسعية ليست جديدة، بل هي قائمة حاضرة متجددة منذ نشأة المشروع الصهيوني، مرورا بنشأة تلك الدولة، وصولا إلى الراهن السياسي ما بعد اثنين وستين عاما على اغتصاب فلسطين عبر السطو المسلح.

فالخريطة السياسية الإيديولوجية الصهيونية بإجماعها تتحدث عن خطط ومشاريع وأهداف وأطماع تمتد إلى أكثر من عشرين ضعفا من مساحة فلسطين برا وجوا وبحرا، فقد اعتبر أقطاب الصهيونية أن "أرض إسرائيل المعلنة " هي تلك الممتدة من مصادر الليطاني وحتى سيناء، ومن الجولان حتى البحر، وفي هذا النطاق أكد "يسرائيل كولت" وهو أستاذ محاضر في الجامعة العبرية: "أن أرض إسرائيل الصهيونية حسب النظرية الجغرافية والسياسية تلك الراسخة في الفكر أو الواقع هي أرض إسرائيل الممتدة من مصادر الليطاني وحتى سيناء، ومن الجولان حتى البحر، وهي الوطن التاريخي لليهود الذي لا تؤثر فيه الحدود السياسية القابلة للتغير".

والأهداف والأطماع الصهيونية لا تقف عند حدود فلسطين العربية، بل تتجاوزها، كما تؤكد كتابات كثيرة في الأدبيات الصهيونية إلى المحيط العربي، فقد توجهت أنظار زعماء الحركة الصهيونية وما تزال نحو المحيط العربي، نحو مياه النيل، ونفط العرب والأسواق العربية، وفي هذه الأبعاد كان ثلاثة باحثين إسرائيليين-كنا اشرنا إليهم في مقالة سابقة- وضعوا بتكليف رسمي من الحكومة الإسرائيلية خرائط ومخططات تعكس الأهداف والأطماع الصهيونية في العالم العربي، وتحدثت مخططات وتصورات هؤلاء الباحثين عن"السيطرة على مصادر المياه في المنطقة، وجر مياه النيل إلى النقب، ومياه الليطاني إلى طبرية، وعن نقل النفط والغاز المصري والسعودي عبر الأنابيب إلى الموانئ الحديدية الإسرائيلية، وعن شق وإنشاء الخطوط الحديدية والطرق المعبدة لربط إسرائيل بالدول العربية المجاورة.. إن الأهداف والدوافع وراء كل ذلك: اقتصادية.. سياسية.. واستراتيجية".

البروفيسور الإسرائيلي المناهض لسياساتهم التوسعية "إسرائيل شاحك"أستاذ الكيمياء في الجامعة العبرية سابقاً كان أكد على هذا المضمون قائلاً: " من الواضح أن السيطرة على الشرق الأوسط بأسره من قبل إسرائيل، هو الهدف الدائم للسياسات الإسرائيلية، وهذه السياسات يشترك فيها داخل المؤسسة الحمائم والصقور على حد سواء، إن الاختلاف يدور حول الوسائل: هل يتم تحقيق الأهداف بالحرب، وهل تقوم بها إسرائيل لوحدها أو بالتحالف مع ولحساب القوى الأكبر، أم بواسطة السيطرة الاقتصادية".

منحت القيادات الصهيونية/الإسرائيلية لنفسها حق التدخل في الشؤون الداخلية للعرب، وخاصة في المجال العلمي/ العسكري/ التكنولوجي، فالكيان الإسرائيلي يسمح لنفسه دائماً بانتهاك الحقوق العربية الفلسطينية، وبانتهاك حرمات أجواء وأراضي ومياه الدول العربية، وهو مستعد دائماً لشن عدوان ضد أي دولة عربية مجاورة أو بعيدة يشعر قادة ذلك الكيان أن لديها قوة عسكرية أو عنصر قوة قد ينمو ويشكل خطراً عليهم في مرحلة ما في المستقبل، أما الذريعة التي يطرحها أولئك القادة لتبرير هذه السياسة العدوانية المستمرة فهي: "الحفاظ على الأمن الإسرائيلي" و"حماية أمن ومستقبل إسرائيل".

ويؤكد البروفيسور شاحك أيضاً:" باختصار.. من المهم أن نتصور أن كل الرأي العام في إسرائيل موحد حول هذه النقطة: السيطرة".
والسيطرة حسب "أطلس الأحلام والأهداف الصهيونية" تحدد مساحة إسرائيل – مثلاً بعشرين ضعفاً، وتحدد مساحة المياه الإقليمية الإسرائيلية لتشمل – مثلاً – قبرص وكريت وصقلية وأجزاء من تونس ومعظم أسبانيا/عن الحاخام "يسرائيل هارئيل -هآرتس".

فلا يتوهمن احد من العرب إذن، أن تلك الدولة وقياداتها قد تتخلى عن نواياها ومخططاتها ومشاريعها وأطماعها بغير الردع والقوة، فهي ما تزال قائمة بقوة ومفتوحة على أوسع نطاق.

تحتاج القرصنة الصهيونية الجديدة ضد حقول الغاز في المتوسط وضد الحقوق اللبنانية فيها إلى أساطيل حرية عربية جديدة، والى إعلان الاستنفار القانوني والإجرائي على أوسع نطاق، والمناخ الدولي يغدو انضج ومتاحا أكثر من أي وقت مضى على هذا الصعيد...!

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة