غربان "المجتمع الدولي" تحلِّق فوق دارفور../ فيصل جلول

تتجمع في “دارفور” عناصر مأساة جديدة من شأنها إذا ما انفجرت أن تضيف قضية أخرى إلى الفضاء العربي المشرع هذه الأيام لسياسات عدوانية سافرة في فلسطين والعراق ولبنان والصومال من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ضمن ما يسمى “المجتمع الدولي”. الفصل الأخير في هذه القضية يتمثل في محاولة بريطانية أمريكية لاستصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بإرسال قوات دولية إلى دارفور يرفض السودان استقبالها ويرى محقا أنها ترمي إلى تفكيك وحدة أراضيه وتقسيمها إلى دويلات خاضعة لمشيئة “العم سام” وأطماعه الاقتصادية والاستراتيجية.

لقد اختبر السودانيون خلال ربع القرن الماضي دوافع الولايات المتحدة الأمريكية “الإنسانية” المزعومة عبر دعم الانفصاليين بزعامة جون قرنق، بالتزامن مع اكتشاف النفط بكميات تجارية على تخوم المناطق الجنوبية، وكان أن اضطرت حكومة الخرطوم المركزية لتوقيع اتفاق مع الجنوبيين يمنحهم مواقع مهمة في الدولة ويتيح لهم فرصة للانفصال بعد ست سنوات عبر استفتاء عام إذا ما رغبوا بذلك. سوى أن الاتفاق يحرر الحكومة من أعباء الحرب الجنوبية المنهكة ويمكنها من الإفادة من الدخل النفطي لتحسين موقعها وحضورها في محافظات البلاد الأخرى.

ما كاد حبر الاتفاق مع الجنوبيين يجف حتى اندلعت أزمة “دارفور” غرب البلاد وحازت منذ لحظتها الأولى على تغطية إعلامية أمريكية وغربية غير مسبوقة أدت إلى توسيع إطار نزاعات محلية معتادة بين قبائل الرعاة والمزارعين في سنوات الجفاف وكانت تحل بوسائل تقليدية. لقد تبين لاحقاً أن الحرص الأمريكي والغربي “الإنساني” المزعوم ينطوي على رهانات اقتصادية ضخمة ذلك أن أرض الإقليم تضم مخزونا نفطياً يقدر له أن ينافس المخزون السعودي وتضم ثالث أكبر حقول اليورانيوم النقي في العالم، فضلاً عن المخزون الدولي الرابع من النحاس ما يشكل ثروة خرافية ما انفكت تثير لعاب الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية في الغرب.

مرة أخرى، كان على الحكومة المركزية في الخرطوم أن تفاوض على سيادتها على أراضيها، وأن توقع اتفاقاً مع حركات متمردة ظهرت فجأة ونفخت إعلاميا وبالتالي القبول بتدخل الاتحاد الإفريقي لمراقبة وقف النار ووضع حد لحرب ما كان لها أن تتوسع لولا التدخل الأجنبي، وأن تؤدي إلى تهجير مئات الآلاف من السودانيين داخل وخارج بلادهم.

بموازاة التمرد في الغرب امتد التدخل الدولي إلى محافظات الشرق لإضعاف الحكومة المركزية والتسبب في سقوطها، بيد أن الخرطوم قطعت الطريق على المحاولة في مهدها ما أدى إلى ارتداد “الدوليين” نحو دارفور، وبالتالي العمل مجدداً على حرمان نظام البشير من فرصة التقاط الأنفاس والتفرغ لتدعيم الحكم وحل المشكلات الداخلية عبر مصادر الثروة الوطنية الواعدة.

لا يمكن النظر إلى إصرار لندن وواشنطن على استصدار قرار من مجلس الأمن بإرسال قوات دولية إلى دارفور خارج السيناريو المذكور، خصوصاً بعد أن تبين للطرفين أن قوات السلام الإفريقية المتمركزة في الإقليم لا تتمتع بمهارة كافية في إدارة الصراع وتوسيع إطار الخلافات المحلية بين الفئات المتنازعة في الإقليم على المراعي وآبار المياه، ناهيك عن أن آليات العمل في الاتحاد الإفريقي تتأثر بالحضور العربي وبالتالي يمكن الحد من ضررها، في حين لا يملك العرب تأثيرًا يُذكر في آليات اتخاذ القرار في مجلس الأمن الخاضع لمشيئة الولايات المتحدة الأمريكية.

في ضوء ذلك يواجه السودان مجموعة خيارات يتميز أفضلها بطعم العلقم. فإما أن يقبل عمر البشير بقرار لمجلس الأمن ينص على قوات دولية تشرف على كل نواحي الحياة في دارفور وتتحكم بالتالي في مصيره وإما أن يرفض القرار فيعود الثنائي الأمريكي البريطاني إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار آخر تحت البند السابع يتيح للقوات الدولية اجتياح دارفور لدرء خطر “الإبادة الجماعية” المزعوم عن قبائل الزغاوة، وإما أن يقاوم الغزاة “الدوليين” فيتعرض لحظر جوي على الطريقة العراقية ولعقوبات دولية تحرمه من موارده النفطية المحدودة، وتتسبب بالتالي في إسقاط الحكم والسيطرة على البلاد وإدارتها بواسطة عملاء محليين، ومن ثم طرح النظام الفيدرالي على أساس طائفي وقبلي وإثني ضمن سيرورة توأم للسيرورة العراقية الدموية.

في هذه اللحظات يصفي الثنائي بوش بلير بحجة “المحرقة الإفريقية” المضحكة حسابات متراكمة مع نظام الرئيس عمر البشير من بينها تجاسره على الاستعانة بدورة تكنولوجية صينية كاملة في اكتشاف وإنتاج وتصدير النفط السوداني بعيداً عن الشركات الغربية العملاقة، وتصميمه على السيطرة على ثروات بلاد شاسعة تعادل مساحتها مساحة أوروبا الغربية والنأي بها عن مراكز القرار الغربية. وفي السياق يدفع نظام الخرطوم ثمناً باهظاً لصراعه القاتل مع شريكه السابق في الحكم الدكتور حسن الترابي الذي يتمتع بنفوذ لا يستهان به في إقليم دارفور وينسب إلى مساعده الدكتور علي الحاج ابن الإقليم المبادرة بإشعال الفتيل الأول في نزاع محلي أصبح اليوم كارثة وطنية.

في هذه اللحظات تتجمع عناصر مأساة عربية جديدة يستدرجها جورج بوش على جناح السرعة قبل انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبلة لشحذ همم مؤيديه في المنظمات اليهودية والكنائس الإنجيلية الذين ما برحوا يعبئون الرأي العام الأمريكي منذ شهور حول “المحرقة” التي ينفذها العرب في دارفور “ضد السود”، في ظل تواطؤ إعلامي مخجل وصل إلى حد إغفال حقائق أولية من بينها أن عرب الإقليم سود البشرة وأنهم ينتمون مع غيرهم من الأهالي إلى المذهب الإسلامي السني، وأن الاندماج الراسخ بين السكان يعود إلى مئات السنين وأن أحداً من الأهالي لا يدين بالمسيحية أو اليهودية.

حتى لا تقع الكارثة السودانية يجدر بالعرب أن يجتمعوا مجدداً في الخرطوم كما اجتمعوا في بيروت مؤخراً وأن ينتشلوا السودان من بين أنياب “المجتمع الدولي” الذي يبدو أنه يتمتع هذه الأيام بشهية مفتوحة على افتراس بقاع العرب الواحدة تلو الأخرى.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018