فضيحة "النفاق والعنصرية" على حَلَبَة "صراع الدِيَكة"/ محمد ميعاري

القرار المعيب على حد تعبير إفتتاحية صحيفة «هآرتس» الذي اصدرته المحكمة العليا الاسرائيلية، في الاسبوع الماضي، بتركيبتها الموسعة والتي ضمت احد عشر قاضيًا برئاسة رئيسها اهرون براك، (حامي حمى سلطة القانون وحقوق الانسان) وصاحب النظرية المتناقضة والمقلوبة التي دأب على ترويجها خلال العقد الاخير والقائلة ان اسرائيل هي دولة «يهودية وديمقراطية» وان محكمته هي «الضامنة» لتنفيذ هذه المعادلة، المتناقضة والمنافقة ان كان من خلال بعض الجمل البراقة التي طالما نصّع بها بعض قراراته او من خلال التصريحات والمقالات التي دبلجها ولا يزال في مجلاّت قانونية واكاديمية على مستوى الجامعات الامريكية والغربية، والتي كان آخرها «رسالة أل - اي ميل - لجامعة بيل» اقول : ان هذا القرار المعيب، انما جاء لكشف الحقيقة المدوية حول الدوافع العنصرية المسيطرة على المحكمة العليا وقراراتها واكثرية قضاتها.

وان محاولة براك التهرب من مسؤوليته القضائية كرئيس للمحكمة وكرئيس لهيئة القضاة والتي اصدرت هذا القرار المعيب، القرار الفضيحة، وتقمص شخصية المعلق والشارح له، بارساله رسالة ال - اي ميل الى جامعة ييل لاستدرار العطف والشفقة عليه وعلى المحكمة من مغالطات وفذلكات من ان رأي الاكثرية الملزم، بتأييد القانون العنصري الذي يمنع الزواج بين الفلسطينيين المواطنين في اسرائيل وبين اخوتهم الفلسطينيين على الجانب الاخر، من الخط الاخضر - الاسود، الى حد الفصل بين الزوج وزوجته وبين الام واطفالها، والاب وعائلته، انما يحمل في طياته في نفس الوقت تأييدًا لرأيه، رأي الاقلية المهزومة!!

ومن الواضح ان محاولته التحليلية والغريبة هذه التي تستهتر بعقول الناس وفهمهم الصحيح بالزامية القرار، انما يجيء للتخفيف من وقعه المدوي والفاضح، من ناحية، واستمرارًا في النفاق والتستر على الدوافع العنصرية التي تقف وراء اصدار مثل هذا القرار والذي يتعارض اساسًا مع كل مباديء حقوق الانسان والمواطن التي تكلفها القوانين المحلية في جميع الدول المتنورة وغير المتنورة في جميع انحاء العالم.كما يتناقض مع جميع الشرائع والمعاهدات الدولية، وميثاق حقوق الانسان الصادر عن هيئة الامم المتحدة والقانون الدولي الانساني، من ناحية اخرى، ولعل هذه المحاولة الفاشلة هي خط الدفاع الاخير عن نظريته المتناقضة والساقطة اصلاً، حول يهودية الدولة وديمقراطيتها والتي سقطت الان بعد هذا القرار - الفضيحة سقطتها المدوية والى غير رجـعة.

والحقيقة اننا نحن الفلسطينيين الذين بقينا على ارض وطننا نتيجة ظروف استثنائية ، «وخبطة حظ» غير عاثر، جنبتنا مصير اهلنا وابناء شعبنا الذي شُرد وطُرد، الى مواقع اللجوء المختلفة، إثر جريمة النكبة الاولى حيث اصبحنا مواطنين درجة ثانية في دولة اليهود، لم نكن بحاجة لهذا القرار الفضيحة الجديدة، ومعنا العديد من المراقبين الموضوعيين حتى داخل اسرائيل للتأكيد على عنصرية اسرائيل ومؤسساتها الرسمية الحكومية منها والقضائية وحتى الاكثرية في ثقافة الرأي العام اليهودي، حيث عانينا مثل هذه الممارسات على جلودنا في مجالات الحياة المختلفة، كما كنا نعرف ومن زمن طويل ان المحكمة العليا هذه بقراراتها المتعاقبة حين يتعلق الامر بقضايا هامة ومفصلية بخصوص حقوق العرب، مثل قضية الارض العربية ومصادرتها، وقضايا حقوق الانسان العربي، الفردية او الجماعية، والتخطيط لخنق البلدات العربية، واقامة المستوطنات حولها كذلك في مجال السلطات المحلية والميزانيات والخدمات، طالما خذلت اي مغامر بالتوجه اليها من الافراد والجمعيات المدافعة عن حقوق الانسان، وان كانت تحاول التستر على موقفها العنصري هذا بتخريجات قانونية هشة او بدعاوى امنية، ولم تتورع عن الادعاء بان مثل هذه القرارات انما تستند الى مباديء المساواة والديمقراطية.

ان هذا الموقف المبدئي للمحكمة العليا ورئيسها الحالي، براك، ومن سبقه ولن يختلف لدى من سيلحقه، قد انسحب وبفظاظة وصلت الى حد الوقاحة القانونية على كل القضايا المقدمة لها بالنسبة لما يرتكبه الاحتلال من جرائم في المناطق المحتلة، حيث امتنعت دائمًا من اتخاذ اي موقف، ضد المستوطنات وعمليات القتل المبرمج وهدم البيوت واعمال التعذيب داخل السجون والمعتقلات بل ان قراراتها جاءت دائمًا للدفاع عن الاحتلال وممارساته الاجرامية تحت غطاء من دواعي الامن تارة والديمغرافيا تارة اخرى، وهذا هو بالاصل التاريخ الفعلي والارث الثقافي - القانوني لهذه المحكمة ولرئيسها براك نفسه.

ولا بد لي ان اشير هنا الى لعبة لا تخفى على عين المراقب الواعي وهي ان هناك قرارات تصدر وفيها اكثرية واقلية، كما حصل في القرار المعيب الاخير، بحيث يكون قرار الاكثرية هو الذي يتوصل الى النتيجة المرجوة الملزمة.بينما يكون قرار الاقلية من باب الايهام بالمصداقية وانقاذ ماء الوجه فيما يشبه عملية «توزيع الادوار» فما دامت النتيجة العنصرية قد تحققت على يد الاكثرية، فلا مانع ان تقوم الاقلية برش بعض المواد المطهرة للجو الذي فاحت به حتى الزكام رائحة العنصرية المتفجرة.

وقد لاحظنا ذلك قبل نصف قرن حين قررت هذه المحكمة منع «جماعة الارض» التنظيم السياسي العربي الاول من المشاركة بقائمة انتخابية سنة 1965 استنادًا الى نفس الدعاوى والمبررات العنصرية، وقد صدر القرار بين اكثرية مانعة واقلية تدعي في قرارها عدم المنع الذي لا طائل تحته.

اما اليوم فقد تم اكتشاف لعبة جديدة على طريقة شدّ الحبل بين قضاة المحكمة، بدوافع شخصية واتخاذ مواقف متمايزة وكيدية بين بعضهم البعض، الامر الذي يحول المحكمة العليا الى شبه حلبة «لصراع الديكة». فهذا القاضي ميشال حيشن الذي قاد الاكثرية في القرار الاخير المعيب يتباهى في مقابلة اجراها معه مراسل صحيفة هآرتس انه كان طوال المدة في منافسة مع رئيس المحكمة براك، وانه بنى شخصيته على طريقته الخاصة، وانه لم يستظل تحت عباءة اي شخص آخر، وها هو تغمره السعادة العارمة لانه حظي بتأييد الاكثرية في هذا القرار المعيب.

فيا لهم من عصبة تتنافس على من يكون اكثر عنصرية بدل التنافس على البر والتقوى وليس على الاثم والعدوان، وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018