فلسطينيو 48 وعودة اللاجئين.. بعض المسكوت عنه / محمد خالد الأزعر

من وجهة نظر البعض، لا تعتبر نتائج حرب يونيو 1967 كارثة بالمطلق بالنسبة للجانب الفلسطيني بالتحديد. ويعلل هؤلاء تقديرهم المثير هذا بأنه في ظل الاحتلال الإسرائيلي لبقية فلسطين التاريخية، استعادت الحقيقة الفلسطينية الوطنية شيئاً كثيراً مما افتقدته بفعل نكبة 1948 .. ومن ذلك بصفة أساسية، تواصلها الجغرافي بالدرجة الأولى والاجتماعي السكاني بشكل نسبي على ضفتي ما يعرف إسرائيليا بالخط الأخضر.

عند إخضاع هذا الرأي للنقاش، نلاحظ انه ينطوي نظريا على قدر كبير من الصواب. لكن صدقيته في التطبيق تبقى معلقة بشرط شارط هو أن تكون حركة التحرير الفلسطينية قد نشطت على أرضية الواقع الذي استجد، فأدرجت شريحة فلسطينيي أو عرب 48 في حوزتها وفي برامجها الكفاحية.

وكان ميثاق منظمة التحرير يسمح بذلك من الناحية النظرية والفقهية. غير أن هذا الشرط (الفرض) لم يتحقق ولا بدت له تجليات قوية ظاهرة. فبخلاف القليل من المؤشرات الرمزية العابرة، ليس ثمة ما يشي أو يؤكد بأن المنظمة - ولا السلطة الوطنية بعد 1994 - مضت بجدية ملموسة نحو انتهاز مظاهر التواصل المستعاد على الصعيدين الفكري والحركي.

كل ما حدث بهذا الخصوص هو استغراق الدوائر السياسية الفلسطينية في الجدل والتباحث بشأن منافع ومضار توسيع الأهداف التحريرية لتشمل فلسطينيي 48 .. هذا الجدل الذي لم يفض إلى نتيجة حاسمة بعد زهاء أربعة عقود من بدايته.

أما عن الجانب الإسرائيلي فقد وعت القوى السياسية عاجلا للتداعيات المحتملة لهذا التواصل الفلسطيني من ناحية، وتوافقت على ضرورة الاكتراث بتوظيفه في خدمة الأهداف الإسرائيلية من ناحية أخرى.

في هذا الإطار، اهتدى العقل الاستراتيجي الإسرائيلي إلى سياسة تجزئة المصير الفلسطيني إلى مصائر شتى. هذه السياسة التي بفعلها، أو بالأحرى بفعل التساوق الملحوظ معها، بات الحديث يتردد عن دوائر أربعة، ينبغي الاجتهاد في التمييز بين آفاقها المستقبلية؛ عرب 48، فلسطينيي الشتات (وصحتها اللاجئون منذ 1948 و1967)، عرب القدس، فلسطينيي الضفة وغزة!

ومع أن الأصل هو معالجة مستقبل هذه الدوائر كأبعاد متفرعة عن "القضية الفلسطينية" إلا أن الذي طُرح إسرائيليا وجرى الترويج له عن قصد أو بلا قصد من الآخرين، اننا بصدد "قضايا" بعينها، يمكن بل وينبغي البت فيها بمعزل عن بعضها البعض.

وبمرور الوقت وتكرارية مفهوم التجزئة المسموم أضحى أصحاب البصيرة والرؤية الشاملة، الداعية إلى تقعيد وحدانية المصير الفلسطيني، بمثابة تيار مطارد يجب تغييب صوته القادم من جوف "تاريخ قديم".

والشاهد أن بعثرة القضية الفلسطينية أفرزت مساوئ كثيرة، أبرزها في زمن التسوية عموما وفي المرحلة الحالية بالذات، تطور المفهوم الإسرائيلي للقضية نحو ضرب دوائرها وأبعادها الفرعية بعضها بالبعض.

ومن آيات ذلك، إزاحة مصير الأراضي المحتلة منذ 1948 لصالح التركيز على الأراضي المحتلة عام 1967، ثم المساومة على مصير القدس مقابل مصير اللاجئين أو مستقبل الضفة مقابل مستقبل غزة، وصولا إلى استخدام أوضاع فلسطيني 48 كأداة للضغط عند بحث مصير اللاجئين .. ومن شأن منهجية كهذه، ذهاب بُعد أو آخر من أبعاد القضية ضحية أو فداء لبعد آخر منها.

طبقا للمناظرة الإسرائيلية الجارية بين هذه الأبعاد، يقول الإسرائيليون بإيجاز، إن دولتهم حتى من دون عودة اللاجئين قلقة من خطر انسلاخ الأقلية العربية الموجودة ضمن حدودها. فتعداد هذه الأقلية اليوم 18 في المئة تقريبا من مجموع السكان، في حين أن وزنهم النسبي في منطقتي الجليل والنقب المحاذيتين لأرض عربية فيما وراء الحدود مرتفع للغاية ..

ففي الجليل يدور الحديث عن نحو 50 في المئة أو أكثر، ومن شأن "عودة" اللاجئين أن تزيد من حدة خطر الانسلاخ وأن تهدد حدود 1967 الإسرائيلية .. وحتى في حال ضعف هذا الخطر، ثمة مجال للتحسب بقوة من تأثير مجموع اللاجئين زائد الأقلية العربية على الطبيعة اليهودية للدولة ..

ضمن ما يفهم من هذا العرض أن فلسطينيي 48 وخطرهم المتوقع في الحال أو الاستقبال يقعون في صلب حيثيات الرفض الإسرائيلي لتطبيق حق العودة الفلسطيني، وأن إسرائيل لا تنوي التخلي عن الهوية اليهودية بغض النظر عن نسبة العرب أو الفلسطينيين الذين "أسرتهم" فيها منذ ستة عقود وهكذا فإنها تبعث أكثر من رسالة في الوقت ذاته.

هي تقول انها سوف تظل دولة اليهود فقط، ومن ثم فلا مجال للتوسع في حقوق المواطنة المتساوية بين اليهود والعرب، ولا مجال للتعاطف مع عودة فلسطينية تعمق مأساة عدم التساوي الموجودة حاليا والمستمرة مستقبلا في رحاب هذه الدولة.

يقدم هذا التكييف الإسرائيلي مؤشرات على الأفق المظلم أمام عرب 48. بيد أن ما يعنينا من هذه المؤشرات عاجلا، هذا التحريض المضمر لأبناء هذه الشريحة ضد أبناء أرومتهم الوطنية التاريخية من اللاجئين فبمعنى لا يجمل استبعاده، تحث إسرائيل "عربها" على الامتعاض من عودة مكثفة للاجئين، بحسبها ستبرز أكثر الطابع الثنائي للدولة، وتضعهم تحت إجراءات ضاغطة إضافية تحبط لديهم أية تطلعات تتقوى بالتزايد العددي لتحقيق المساواة الكاملة أو الاستقلال والانسلاخ بشكل ما.

إذا مضينا مع هذا التكييف الخبيث إلى منتهاه، آخذين أو موقنين بوجود صلة بين السياسة الإسرائيلية تجاه كل من عرب 48 واللاجئين، ربما عثرنا على سبب معقول صهيونيا -وهو غير معقول بالمنطق الطبيعي- لجرعة الإرهاب القوية التي قوبل بها تضامن عرب 48 مع انتفاضة الأقصى في زمن الحل الفلسطيني النهائي.

فهذه الجرعة عينة لما ينتظر اللاجئين (العائدين) تحت حكم إسرائيل من جهة، ولما يمكن أن يحيق بعرب 48 إن هم آثروا الالتحام مع القضية الوطنية الأم من جهة أخرى.

لا توجد على حد العلم تقييمات لمواقف عرب 48 من حق العودة على نحو دقيق .. لكن مشاركتهم المغموسة أو المعمدة بالدم في مناسبات الانتفاضة المتوالية في فلسطين التاريخية، تغني عن هذه التقييمات. وظاهر الحال أن إسرائيل الصهيونية لم تع رسالة كهذه. و لعل الآخذين بمنهجية تجزئة القضية الفلسطينية لم يوفوا بدورهم هذه الرسالة حقها من التمحيص.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018