في بوغروم عكا من يعتذر لمن؟/ وهبة بدارنة

الهجوم الذي تعرض له ابن مدينة عكا توفيق الجمل وابنه من قبل اوباش المستوطنين في عكا ليلة عيد الغفران هو الحدث الذي اعتبرته وسائل الإعلام الشرارة التي اشعلت هذا الحريق الكبير الذي نسف نظرية التعايش بين العرب واليهود والتي نسجت من خلال حفلات ومهرجانات الافلام والمسرح في عكا ووجبات الحمص ومهرجانات زيت الزيتون.

لكن الامر تماما ليس كذلك. وان بناء خيمات وعرش السلام والتعايش التي يريدها البعض من العرب واليهود من اجل اعادة المياه الى مجاريها ما هي الا طمس وتشويه لحقيقة وخلفية الواقع الكارثي الذي يعيشه عرب عكا الذين بقوا منزرعين في ارضهم بعد نكبة عام 1948. ان حقيقة ما حدث في مدينة عكا والرواية الحقيقية للاحداث هي تلك القصة الانسانية التي تقشعر لها الابدان والتي جاءت على لسان توفيق الجمل من خلال حديثه المؤثر والصادق لعدد من وسائل الاعلام ومن ضمنها اذاعة الشمس وذلك حين سرد تفاصيل الهجوم العنصري البربري عليه وعلى ابنه وزميل ابنه من قبل غلاة المستوطنين عندما اراد التوجه لاحضار ابنته من بيت خطيبها من حي اخر في المدينة، ويتضح من كلام توفيق الجمل انه انسان على قدير كبير من المسؤولية والفهم، وحتي انه يتفهم مدى قدسية الغفران لدى اليهود وبذلك فهو يفند ويدحض كل الادعاءات التحريضية والمسمومة والتي اتهمته بانه قاد سيارته بسرعة جنونية والموسيقى الصاخبة تصدح من سماعات سيارته مما اثار مشاعر الغضب لدى المستوطنين اليهود .لقد وجهت الاسئلة الى توفيق الجمل حول اسباب هذا الانفجار في عكا بين العرب واليهود، ولقد اجاب هذا الانسان العكاوي البسيط باجابة واضحة وقاطعة لم نسمعها ابدا من القادة المحليين في مدينة عكا، او حتى على مستوى قيادة الجماهير العربية . لقد قال ان السكان العرب في مدينة عكا يعيشون على حافة انفجار من برميل بارود وان سياسة الاجحاف والتمييز العنصري التي ينتهجها رئيس البلدية الليكودي وحكومته هي التي ادت الى ردود الفعل الغاضبة من قبل السكان العرب بعد البوغروم الذي تعرض له هو وافراد عائلته.

اما الاعتداءات التي توالت واستمرت ليل نهار على العرب من ابناء عكا فانها تؤكد ان هناك تحضيرات معلنة ومن وراء الكواليس تتم في مكاتب واروقة الاحزاب الصهيونية واذرعة المؤسسة الاسرائيلية الرسمية لتفريغ عكا من سكانها العرب ومحو كل ما هو عربي في هذه المدينة العربية التاريخية العريقة وهذه هي المقدمة لما سيحصل في يافة والرملة واللد وحتى مدينتي كرميئيل ونتسيريت عليت المزروعة على الارض العربية بعد مصادرتها من سكانها العرب الاصليين في الجليل والشاغور في اوائل الستينيات.

تسارعت الاحداث لتثبت ان التحضيرات للهجوم والبوغروم على السكان العرب في عكا كان مسالة وقت، وان التصريحات العنصرية الصادرة عن القادة في الاحزاب الصهيونية والحكومة الاسرائيلية وجدت لها ارضا خصبة وترجمة على الارض، فما الذي يفسر وجود 850 مستوطنا من صفد وطبربة في مدينة عكا يشاركون بشكل منظم في الاعتداءات الهمجية على العرب وممتلكاتهم وبيوتهم ، وما الذي يفسر وجود اكثر من 200 طالب من طلاب المدارس التوراتية يشاركون في هذا البوغروم كما يؤكد على ذلك شهادات العشرات من المواطنين العرب العكيين الذين كانوا ضحايا البوغروم.

وفي البوغروم على عكا تطرح مرة اخرى مسالة التعايش الزائف بين اليهود والعرب، واي تعايش يمكن ان يطبع على ارض الواقع ولو لفترة زمنية وجيزة حتى ياتي الانفجار القادم؟ ان التعايش القائم على سلب الارض والعمل من الانسان العربي هو التعايش الذي يشكل الغطاء الكامل للسلطة لمواصلة مسلسلها العنصري ضد العرب الابناء الاصليين لهذه البلاد، التعايش الذي يحول حياة العرب في المدن المختلطة مثل عكا ويافة الى غيتوات بانتطار الطرد والتهجير ليحل مكانهم مستوطنين لا تربطهم صلة بهذه الارض.

هذا هو منطق ومفهوم التعايش لدى دعاة النعايش، مصادرة الارض واقتلاعنا منها والدوس على كرامتنا .... ثم مهرجانات الفن والمسرح وتغميس الحمص وزيت الزيتون وكله باسم التعايش.

وفي خضم اللهاث من اجل المحافظة على هذا التعايش الزائف تجد من العرب من يستجدي من اجل اعادة الامور الى نصابها، ومن اجل هذا سيكون على المواطن العربي توفيق الجمل ان يعتذر عما بدر منه من" اساءة" للمستوطنين!! بعد ان هدرت كرامته وكاد ان يفقد حياته هو وابنه جراء الاعتداء البربري للمستوطنين، على القيادات العربية المحلية في عكا وغير عكا ان تعتذر رسميا امام الملأ بان ما حدث في عكا يعود الى " العمل الطائش" الذي قام به توفيق الجمل وعند ذلك سيرضى عنا رئيس بلدية عكا والمستوطنين والاذرعة الحكومية واجهزتها الامنية وستعود الحياة الى مجاريها كما كانت بل افضل مما كانت عليه.

ان الاعتذار والذل للمعتدين ليس من شيم اهل عكا الاشاوس. اهل عكا لن يقدموا اعتذارا لمن داس على حرمة بلدهم وبيوتهم وكرامتهم وعروبتهم، ولقد دفعوا ثمنا مقابل دفاعا عن حقهم وثباتهم في ارضهم على مدى عقد من الزمن وسيظلون كذلك مثل صمود عكا امام جيوش نابليون.