في ذكرى الخامس من حزيران../ راسم عبيدات

... لعل طبيعة الغزوة الاستعمارية لفلسطين تختلف عن كل أشكال وأنواع الغزوات الاستعمارية الأخرى. فهذه الغزوة لها أبعاد إقصائية إحلالية ونفي لوجود شعب كامل له جذوره وتاريخه الطويل في هذه البلاد، هذه الغزوة والتي بدأت على شكل وعد من بريطانيا إلى قادة الحركة الصهيونية عام 1917، رغم أن الاستعدادات والتحضيرات لها كانت قد أقرت في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا آب/ 1897، وتحت شعارات "أرض الآباء والأجداد" و"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وأساطير توراتية وميثولوجية، من طراز "لنسلك أعطي هذه الأرض"، وغيرها من الأساطير التوراتية والأفكار الأيديولوجية المشبعة بالعنصرية وكره الآخر ونفي وجوده.

ولعل أوروبا الغربية عندما زرعت هذا الكيان في خاصرة الوطن العربي، هدفت بذلك إلى إبقاء الوطن العربي تحت هيمنتها وسيطرتها ومنع توحده، وضرب أي حالة نهوض قومي عربي. وقد قاوم الشعب الفلسطيني هذه الغزوة بكل إمكانياته المتواضعة والمحدودة، ودفع ثمناً باهظاً من شهداء وجرحى، رغم أن القيادة الإقطاعية والعشائرية خانت مصالح شعبها. وكذلك كان حال الجيوش العربية والتي كانت أغلبها تحت الاحتلال والاستعمار المباشر سواء البريطاني أو الفرنسي.

وهذه الجيوش رغم أنها قدمت تضحيات وبطولات فردية، لكنها لم تكن على المستوى التسليحي أو الإستعداد والإعداد قادرة على مواجهة عصابات صهيونية مدربة ومسلحة بأحدث الأسلحة في تلك الفترة، ناهيك عن الدعم والتسهيلات التي قدمت لها من قبل بريطانيا وفرنسا وغيرها. والنتيجة أن الشعب الفلسطيني خسر 78% من فلسطين التاريخية.

والخسارة لم تكن على مستوى الأرض ووسائل الإنتاج ورأس المال فقط، بل إن غالبية الشعب الفلسطيني، وبسبب ما ارتكبته العصابات الصهيونية من مذابح، دفعت بهم قسراً للهجرة وترك الوطن والتشرد. وتشتت جزء كبير من شعبنا في مخيمات اللجوء في دول الطوق العربي الأردن وسوريا ولبنان ومصر والعراق، وفي المنافي وما تبقى من أرض فلسطين. والنكبة بكل تداعياتها وما أحدثته من حالة قطع جغرافي وديمغرافي واجتماعي واقتصادي وسياسي ومعيشي مع من تبقى من فلسطين ودول الطوق ألقت الكثير من المهام والمسؤوليات الجسام على من بقي من أبناء شعبنا، والذين بقوا متشبثين ومدافعين عن أرضهم والذين خضعوا لفترات طويلة من الحكم العسكري الإسرائيلي وأنظمة الطوارئ.

ورغم كل ذلك استمات أبناء شعبنا هناك في الدفاع عن أرضهم ووجودهم وتشكلت حركات وأحزاب قومية ووطنية تحث شعبنا على الثبات والصمود والدفاع عن أرضه، وكانت هبة يوم الأرض الخالد، عام 1976، تعبيرا حياً عن تشبث شعبنا بوجوده ودفاعه المستميت عن أرضه وانتمائه. ومنذ ذلك التاريخ وشعبنا في مناطق 48 يقاوم الغزوة الاستعمارية، ويعلن أنه لن يهجر أو يترك أرضه ثانية في نكبة أخرى.

وكرد على نكبة فلسطين حصلت حالة من المد الوطني والقومي في كل أرجاء الوطن العربي، ووصلت البرجوازية الوطنية إلى الحكم في أكثر من قطر عربي، وأصبح الزعيم الخالد الراحل عبد الناصر عنوان ورمز تلك المرحلة. وعلقت عليه الآمال باسترداد فلسطين وإعادة الكرامة والعزة لهذه الأمة، ولكن جاءت نكسة حزيران عام/ 1967، لكي تكشف عن أن هذه البرجوازية الوطنية لم تكن مستعدة لتحرير فلسطين سوى على المستوى الشعاري والإعلامي، ولتضيع بقية فلسطين وتحتل أراض عربية أخرى مصرية وسورية وأردنية، وهذه النكسة كما يسمونها، جاءت كاشفة لعورات البرجوازية الوطنية والسقوط المدوي لبرامجها.

وكرد على هذه النكسة بدأ الشعب الفلسطيني يتولى زمام أموره بنفسه، فكانت انطلاقة العمل الفدائي وسيطرته على منظمة التحرير الفلسطينية، والتي أضحت عنوان الشعب الفلسطيني والممثل الشرعي له والمعبر عن هويته وكيانه، وتعرضت الثورة الفلسطينية للذبح أكثر من مرة، ونقلت أو رحلت قواتها وقيادتها من قطر عربي إلى آخر، وجاءت اتفاقيات"كامب ديفيد" وما عنته من خروج مصر كدولة عربية لها ثقلها ووجودها وحضورها العسكري والسياسي والبشري في المعركة مع إسرائيل. كما أن تلك الاتفاقيات أشارت بشكل واضح إلى التغيرات البنيوية والطبقية في بنية النظام الرسمي العربي، تغيرات نحو مزيد من التراجع والانهيار والتفكك في النظام الرسمي العربي، وسيطرة قوى طبقية من البرجوازية الكبرى والطفيلية على قيادة النظام العربي في أكثر من بلد، وما أفرزه ذلك من تصفية للقطاع العام وخصخصته، وزيادة النهب والفقر والبطالة في العديد من البلدان العربية، وظهور فئة طفيلية من القطط السمان، تتغنى بالقطرية والتحلل من كل الالتزامات القومية، وأنها لن تخوض أية حروب أخرى من أجل فلسطين، وترافق ذلك مع طرح بأن النفط العربي للتنمية وليس سلاحا للمقاطعة.

وفي ظل حالة الانهيار والتراجع التي كان يشهدها النظام الرسمي العربي، بدأ يتراجع اهتمامه بالقضية الفلسطينية كقضية العرب الأولى، ولتأتي الانتفاضة الفلسطينية الأولى- انتفاضة الحجر- كانون أول/ 1987، لكي تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية،على أنها قضية العرب الأولى وجوهر الصراع العربي- الاسرائيلي، ولكن تسرع البعض فلسطينياً وسعيه إلى قطف ثمار سياسية بشكل سريع أجهض الانتفاضة، وأعاق قدرتها على تحقيق الشعار الناظم لها بالحرية والاستقلال، ونقل الدولة الفلسطينية من الإمكانية التاريخية إلى الإمكانية الواقعية.

وجاء العدوان الأطلسي على العراق، لكي يحدث نقلة نوعية في دور ووظيفة النظام الرسمي العربي، نحو بداية الانتقال إلى الاصطفاف مع القوى المعادية ضد أهداف ومصالح الأمة العربية، حيث شهدنا مشاركة ومساهمة عربية علنية في اغتصاب بغداد، وما أعقب ذلكم من خصي للخيار العسكري والمقاومة، وفقدان الإرادة ورهن القرار السياسي للخارج.

وبالهزيمة العربية في العراق، جاء على أنقاضها مؤتمر مدريد "للسلام" ومن ثم جاءت اتفاقيات أوسلو في آيار 1993. هذه الاتفاقيات كانت بمثابة ذبح للمشروع الوطني الفلسطيني. وبالقدر الذي قسمت فيه هذه الاتفاقيات الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى (A وB وC )، دون القدس والتي رحلت إلى ما يسمى بالمرحلة النهائية، هي وغيرها من مرتكزات البرنامج الوطني الفلسطيني كقضية اللاجئين والحدود والمستوطنات، أحدثت أيضاً ولأول مرة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني انقساماً سياسياً ومجتمعياً طال كل مكونات الشعب الفلسطيني.

وأوسلو والذي كان ثمرة الهزيمة العربية في العراق، قفز عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولم يلامس الحد الأدنى من تلك الحقوق، بل أحدث حالة انهيار شامل لمنظومة من القيم والأفكار والمفاهيم الايجابية في المجتمع الفلسطيني، ولم تقف الأمور عند حد هتك النسيج المجتمعي الفلسطيني، بل كانت هناك حالة من الدمار الشامل، وأسلو الذي لم يحقق أي شيء على صعيد استعادة الحقوق، بل عنى سلطة محدودة على أرض لا تزيد على 18% من الأراضي المحتلة عام 67، وفي تلك الفترة تصاعدت وتكثفت عمليات الاستيطان في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق..الخ.

وكرد على ذلك اندلعت الانتفاضة الثانية – انتفاضة أيلول/2000 ، وفيها داست دبابات شارون اتفاقية أوسلو وأعادت سيطرتها الكاملة على الضفة، وأبقت للسلطة مسؤولية الشأن الحياتي والشرطي في مناطق (ألف )، أما المسؤولية الأمنية فأصبحت كاملة بيد اسرائيل، ويحق لها مطاردة وملاحقة واعتقال أو اغتيال أي فلسطيني حتى في مقرات السلطة نفسها.

وشنت إسرائيل وأمريكا وأوروبا حملة شرسة على الرئيس الراحل أبو عمار والذي حوصر في المقاطعة في رام الله حتى اغتياله مسموماً فيها، ووصف بأنه "رجل إرهابي، وأنه عقبة على طريق السلام ولا يدرك مصالح شعبه"، وطبعاً كل ذلك عقاباً له لرفضه التنازل على الحقوق الوطنية الفلسطينية في "كامب ديفيد".

وصورت الأمر للفلسطينيين والعرب أنه برحيل أبو عمار فإن الدولة الفلسطينية ستقام، وسيأكل الشعب الفلسطيني اللبن والعسل.

وجرت انتخابات رئاسية فاز فيها الرئيس محمود عباس، وأعقبها إجراء انتخابات تشريعية فازت فيها حماس، وهنا ثارت ثائرة إسرائيل وأمريكا وأوروبا، لأن الديمقراطية التي طالما تغنوا بها وطالبوا بها الشعب الفلسطيني، أفرزت قوى وحركات، ليست على المقاسات التي يريدونها، ورداً على ذلك رفضوا الاعتراف بنتائج الديمقراطية الفلسطينية، وفرضوا منذ ذلك التاريخ حصاراً ظالماً على الشعب الفلسطيني، وبالإضافة إلى الحصار تعمق الخلاف الداخلي الفلسطيني، وخرج وتجاوز كل الخطوط الحمر، واندلع اقتتال فلسطيني داخلي بين فتح وحماس على وهم سلطة تحت الاحتلال، وخلاف على الرؤى والبرنامج السياسي، ولم تفلح كل الجهود والوساطات المحلية والعربية من اتفاق مكة وغيره، في وقف حالة التدهور الفلسطينية تلك، ولجأت حماس في حزيران /2007، إلى الحسم العسكري في قطاع غزة، وأعقب ذلك الكثير من التداعيات الخطيرة جداً على القضية والمشروع الوطني الفلسطيني وثوابته ومرتكزاته، وقامت سلطتان واحدة في غزة وأخرى في رام الله، وهي سلطات أقرب إلى الشأن البلدي منه إلى الدولة والسلطة، حيث كلاهما تعملان تحت سقف الاحتلال وشروطه وسيطرته وتحكمه في كل المعابر والمداخل.

وهذا الانقسام والانفصال الذي يزداد تعمقاً وشمولية، يبدو أنه مرشح إلى المزيد من التفاقم، وما يجري من حديث عن جولات حوار ماراثونية في القاهرة برعاية مصرية لن يكتب لها النجاح، فما يجري على الأرض وتحديداً ما جرى مؤخراً في قلقيلية من أحداث مؤسفة، حيث قامت أجهزة الأمن الفلسطينية بملاحقة ومطاردة المقاومين، يجعلنا نقول أن الأمور تسير نحو المزيد من التدهور والتعقد.

واستمرار الحالة الفلسطينية على هذا النهج والمنوال من التصدع وصراع ملوك الطوائف وسيادة العقليات المليشياتية وتقديم الأجندات والمصالح الفئوية والخاصة على المصلحة الوطنية، سيقود الساحة الفلسطينية إلى شيء ربما أبعد وأخطر من الانقسام والانفصال ما بعد النكبة والنكسة، هو الضياع والاندثار والتصفية للقضية والمشروع الوطني الفلسطيني.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية