في ذكرى الخامس من حزيران../ راسم عبيدات

منذ بداية الغزوة الصهيونية الأولى لفلسطين والتي قامت على أساس النفي الكلي للوجود الفلسطيني، وحلم قادتها من المؤسسين الأوائل وحتى اللحظة الراهنة، في إقامة الدولة اليهودية الخالصة، والحلم الصهيوني هذا لم يتحقق وان نجح في احتلال الأرض وممارسة عمليات التطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يستكن، بل ناضل وقاوم ومازال يناضل ويقاوم هذه الغزوة ومخططاتها الاستعمارية الاحتلالية الاقتلاعية.

ويثبت كل يوم أنه طائر الفينيق الذي ينبعث من تحت الرماد، والذي يقض مضاجع كل قادة وحكام دولة إسرائيل، والذين تبددت آمالهم وأحلامهم بزوال هذا الشعب واختفائه، رغم أن ما تعرض له من ويلات ومصائب ونكبات. فالنكبة وما عنته للشعب الفلسطيني من قطع جغرافي وديمغرافي واحتلال أرض وارتكاب مجازر وخلخلة بل وتدمير للبنيتين الاقتصادية والاجتماعية، وتشريد في الأجزاء المتبقية من الوطن بدون احتلال، ولجوء في الدول العربية المجاورة ودول الشتات، هذا كله كان كافياً لكي يبدد وجود الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية، ولكن من صمد وتشبث من شعبنا على أرضه حافظ ودافع عن وجوده وهويته الوطنية، ودفع في سبيل ذلك ضريبة دم، والجميع منا يستذكر هبة يوم الأرض الخالدة عام 1976 وشهداءها، والتي كانت أحد المحطات الهامة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، ورغم كل المحاولات الجارية حالياً لتصفية حق العودة هذا وتجاوز قرارات الشرعية الدولية بشأنه وتحديدا قرار 194، إلا أن مصير ذلك الفشل، وأي حل يتجاوز هذا الحق، لن يصمد ولن يكتب له النجاح، فحق العودة هو جوهر البرنامج والوجود الوطني الفلسطيني، ومهما حاول البعض الفلسطيني والعربي والدولي، البحث عن ما يسمى بالحلول الخلاقة والمبدعة لهذا الحق، بعيداُ عن قرارات الشرعية الدولية، فلن يكتب لها النجاح، والمسيرات والحشود الجماهيرية الواسعة التي شاركت في فعاليات يوم النكبة داخل الوطن وخارجه، تثبت أن شعبنا الفلسطيني، متشبث بهذا الحق الفردي والجمعي والشرعي، ولن تجبره أي قوة على التخلي عن هذا الحق .

وفي الوقت الذي سلم فيه شعبنا الفلسطيني قدرة للدول العربي، حتى تستعيد له حقوقه ووطنه، جاءت هزيمة عام 1967، والتي لا أعرف لماذا نسميها نكسة، مع أنها هزيمة كبرى بامتياز، والجسم العربي أو الفلسطيني، لم يكن معافياً وقوياً، ومن ثم أصابته النكسة، وهذه الهزيمة جاءت، لكي تثبت فشل البرجوازية والوطنية وبرامجها في حمل أعباء المشروع القومي العربي الوطنية التحررية والديمقراطية الاجتماعية، ومن هنا كان لا بد من بلورة رد على المستوى الفلسطيني، يشكل حاضنة لكفاحه ونضاله وتجسيداً لهويته وكيانيته، ومن هنا كانت م- ت- ف، والتي سبق تأسيها بقرار عربي هزيمة حزيران، ولكن الهزيمة أعطت دفعة للنضال الوطني الفلسطيني، وكانت بداية لتولي الشعب الفلسطيني زمام أموره بنفسه.

وقامت العديد من فصائل العمل الوطني الفلسطيني بالتوحد ضمن إطار م- ت –ف، ومارست دورها الكفاحي والوطني، للحفاظ على الوجود الفلسطيني، وكيانيته وهويته، ورداً على هذه الهزيمة، تطور وتنامى الحس والوعي الوطني عند شعبنا الفلسطيني، وأتاح التواصل بين أبناءه في 1948 +1967، في بلورة اطر ومؤسسات وطنية، ودفعت الثورة الفلسطينية بمختلف فصائلها وألوان طيفها السياسي، الكثير من الدماء والشهداء والأسرى، في سبيل حماية المشروع الوطني والدفاع عنه، وراكمت العديد من المنجزات والمكتسبات، ولكنها لم تستطع أن تحقق أهدافها في الحرية والاستقلال، بفعل أن المشروع الصهيوني قوة الدفع التي تقف خلفه عالمياً، كانت وما زالت فوق طاقة وقدرات الشعب الفلسطيني، بل والأمة العربية ناهيك عن أن القيادة الفلسطينية وقعت في العديد من الأخطاء، بحيث نسجت تحالفاتها مع الأنظمة الرسمية العربية، على حساب تحالفها مع الجماهير وأحزابها الوطنية والثورية، ومن بعد ذلك انهيار النظام الرسمي العربي وسقوطه وارتداده، بحيث لم يستقل من السياسة فقط، ويتخلى عن المقاومة والنضال، بل أنه في بعض الأحيان شكل حاضنة وغطاء للأعداء في حربها وعدوانها على قوى المقاومة، ورغم ذلك وما تبعه من عدوان أطلسي على العراق واحتلاله، وتوقيع اتفاقيات أوسلو، وما جلبته على الشعب الفلسطيني والمشروع الوطني الفلسطيني، من تأثيرات سلبية كبيرة، وهتكت نسيجه الوطني والمجتمعي بشكل كبير، وحاولت القوى المعادية من خلال هذا المشروع، تقزيم المشروع الوطني الفلسطيني، كمقدمة لشطبه وإنهائه، ولكن شعبنا الفلسطيني، أدرك مرامي ومخاطر ما يحاك ضد شعبنا الفلسطيني ومشروعه الوطني، وكانت الانتفاضة الثانية 2000، هي الرد على تلك المحاولات والمشاريع والحلول التصفوية.

والعدو الإسرائيلي الذي يبني خططه وإستراتيجيته على أساس التنكر لوجود شعبنا ونفي وجوده، وقتل أي فرصة ممكنة لحلول سياسية، تستجيب للحد الأدنى من حقوق شعبنا في العودة والحرية والاستقلال، تفتقت ذهنية قادته وحكومته عن إقامة جدار فصل عنصري، بطول 760كيلومترا على امتداد أراضي الضفة الغربية، ويبتلع أجزاء ومساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، ويضع شعبنا الفلسطيني في معازل "وغيتوهات" فصل عنصري لم يشهد لها التاريخ البشري الحديث مثيلاً، بالإضافة لقضائه بشكل كلي على أية إمكانية حقيقية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

والعدو الإسرائيلي المحمي سياسيا من قبل أمريكا وأوروبا الغربية، بحيث توفر له هذه الحماية في الهيئات والمؤسسات الدولية، وتمكنه من التصرف كدولة فوق القانون، فرغم صدور قرار دولي عن محكمة العدل الدولية بعدم شرعية الجدار، ودعوة إسرائيل لتفكيكه، وتعويض السكان الفلسطينيين عن الأضرار الناجمة عنه، لم تفعل أمريكا وأوروبا شيئا من أجل تطبيق هذا القرار، والذي توازي الأضرار والمخاطر الناتجة عنه نكبة عام 1948، بل وفي إطار الديمقراطية الأمريكية المزعومة، ومطالبة القيادة الفلسطينية بممارستها.

وعندما استجابت لذلك وأنتجت تلك الديمقراطية قوى لا تتفق والرؤيا الأمريكية، لم تكتف برفض احترام خيار الشعب الفلسطيني، بل وقادت حصاراً ظالماً عليه، يموت الكثير من أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة نتيجته. وكل ذلك بغرض دفع شعبنا الفلسطيني، للاستجابة للشروط والإملاءات الإسرائيلية- الأمريكية لما يسمى بالسلام، وهذا الحصار الظالم والعنجهية والغطرسة الإسرائيلية، بدلاً من أن تكون حافزاً لكل قوى شعبنا من أجل التوحد في الدفاع عن حقوق ومكتسبات شعبنا وهويتنا ووجودنا الوطني، تجاوزنا كل الخطوط الحمراء واقتتل أخوة السلاح والكفاح من قطبي السياسة الفلسطينية (حماس وفتح)، على وهم سلطة غير موجودة، وفي سبيل مصالح ومراكز وامتيازات شخصية وفئوية، في تغليب واضح للهموم والمصالح الخاصة والفئوية على المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

وهذا ما يشكل مقتلاً للمشروع الوطني،أكثر وأشد خطورة من أية مخاطر أخرى تتهدد المشروع والهوية والوجود الوطني.
فلا النكبة ولا النكسة ولا الجدار ولا الحصار بقادرة على طمس هوية ووجود شعبنا الفلسطيني، وتدمير مشروعه الوطني وتبديد منجزاته ومكتسباته، بل ما يدمره ويبدده هو ما نفعله نحن يبعضنا، من اقتتال داخلي وانقسام، فالاقتتال الداخلي والانقسام، هما الكفيلان بضياع وتبديد مشروعنا وهويتنا ووجودنا الوطني.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية