في قضايا تصدير الأزمات../ زهير أندراوس

يعتبر دافيد بن غوريون، برأي الأغلبية الساحقة من الصهاينة في العالم وبطبيعة الحال في إسرائيل، مؤسس الدولة العبرية، التي أقيمت في العام 1948 على أنقاض النكبة التي حلت بأبناء الشعب العربي الفلسطيني. ومن هذا المنطلق فان بن غوريون، الذي رفض حمل الهوية الإسرائيلية حتى مماته، بسبب اللغة العربية التي أدخلت عليها، هو مرجعا ومرجعية لقادة إسرائيل حتى اليوم.

"مؤسس الدولة العبرية" حدد مباشرة مع الإعلان عن الدولة "دوكترينا" ما زال صناع القرار من المستويين الأمني والسياسي في تل أبيب يعتمدونها في كل عدوان يشنوه على الدول والشعوب العربية. بن غوريون حدد بشكل صارم وحازم انه يتحتم على إسرائيل تصدير الحرب إلى ارض العدو، بمعنى أن الحرب يجب أن تجري على ارض الدولة التي تتعرض للهجوم، بهدف حماية ما يسمى بالجبهة الداخلية الإسرائيلية من تلقي الضربات، وبطبيعة الحال من اجل تطبيق النظرية الصهيونية التوسعية على الأرض وفرض واقع جديد لإلزام الآخرين بالتعامل معه، وقبول الامتلاءات الإسرائيلية في المفاوضات على وقف إطلاق النار أو التوصل إلى معاهدات سلام مع الدول العربية.

بموازاة ذلك آمن بن غوريون أن الأمم المتحدة هي كيان مشوه، يفتقد للهيبة ولا يمكن الاعتماد عليه في حل المشاكل العالقة بين إسرائيل وجاراتها، وهذه النظرية هي التي دفعت حكام الدولة العبرية إلى تحويل دولتهم إلى دولة مارقة رفضت حتى الان تنفيذ أكثر من ستين قرارا صادرا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ابتداء من القرار 181، (قرار التقسيم) وقرار 194 القاضي بإعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين هجرتهم العصابات الصهيونية عن طريق المجازر إبان النكبة المشؤومة في العام 1948، وانتهاء بقرارات أخرى لا يتسع المجال في هذه العجالة لاستعراضها.

ولكن ما لم يعرفه بن غوريون و"أحفاده" من قادة هذه الدولة أن العالم بات ديناميكيا أكثر من ذي قبل، وان التحولات والتغييرات في المنطقة باتت سريعة وشملت أيضاً المقاوم العربي الجديد، الذي يعتبر نفسه مشروع شهادة من اجل الدفاع عن أرضه وعرضه في مواجهة الامبريالية الصهيونية ومقاوليها من زعماء الدول العربية المتواطئين مع المشروع الأمريكي لخلق شرق أوسط جديد، او بالأحرى شرق إسرائيلي جديد.

من نوافل القول التأكيد والتشديد على أن المقاومة اللبنانية لقنت "الجيش الذي لا يقهر" درساً لن ينساه خلال المواجهات التي وقعت خلال العدوان البربري والهمجي على لبنان قيادة وشعبا. فهذا الجيش الذي حاول استعادة قوة الردع الإسرائيلية من خلال قصف لبنان وتدميره، فشل فشلا ذريعاً وشهادات جنود الاحتلال التي تنشرها وسائل الإعلام العبرية على مختلف مشاربها تؤكد بشكل غير قابل للتأويل بان الجيش الإسرائيلي مني بهزيمة نكراء، على الرغم من تفوقه التكنولوجي وعدم التكافؤ في القوة بينه وبين عناصر المقاومة اللبنانية، هذه النكسة ستؤدي بطبيعة الحال إلى إعادة النظر في قوة إسرائيل العسكرية.

وعود على بدء: حاولت إسرائيل في العدوان الأخير التشبث بـ"دوكترينة" بن غوريون ونقل المعركة إلى ارض العدو. ولكن خلافا لحروبها السابقة فان تصدير المعركة إلى خارج حدودها غير المحددة اصطدمت بصلابة المقاوم العربي وقيادته السياسية والعسكرية. هذه المقاومة التي ذوتت ما تسعى إليه إسرائيل وردت الصاع صاعين. نعم، آلة الحرب الإسرائيلية دمرت البشر والشجر والحجر في بلاد الأرز، ولكن حتى في أحلامها الأكثر سوداوية لم تؤمن بان العدو رد مباشرة على العدوان ونقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي، الأمر الذي أرسل دوكترينة بن غوريون على الفور إلى مزبلة التاريخ.

قصف شمال إسرائيل بصواريخ الكاتيوشا البدائية مقارنة مع القنابل الأمريكية الذكية خلط الأوراق وغيّر المعادلات وأوقع إسرائيل قادة وشعبا في الفخ. فعلى سبيل الذكر لا الحصر قرار حكومة الثنائي غير المرح اولمرت وبيريتس بإخلاء مدينة كريات شمونه من سكانها هو اكبر دليل على حالة "البانيكا" و"الهيستيريا" التي عاشتها إسرائيل. فهذه هي المرة الأولى منذ قيام هذه الدولة تقرر الحكومة إخلاء مدينة بأكملها بسبب صلابة العدو، بمعنى أن لهذا القرار مدلولات إستراتيجية بعيدة المدى.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من المعادلة، أي موقف إسرائيل من هيئة الأمم المتحدة ومجلس "اللا أمن"، فان التحول كان دراماتيكيا، وان دل على شيء فانه دل على أن ساسة إسرائيل ذوتوا بسرعة كبيرة هزيمتهم وحاولوا الاحتماء بقرار صادر عن الأمم المتحدة. هذا التغيير لا يدور في فراغ ولم يأت من فراغ، انه الاعتراف الضمني بنكسة إسرائيل في العام 2006 بعد كنس جيش احتلالها من الجنوب اللبناني في أيار (مايو) من العام 2000. من آمن في السابق بان الولايات المتحدة الأمريكية وعصابة المنافقين الأوروبيين والربيبة الحبيبة إسرائيل سيستنجدون بمجلس الأمن الدولي لتخفيف وقع الهزيمة؟. من آمن بان هذه الدولة التي تتعامل مع الناطقين بالضاد بصلافة ووقاحة واستعلائية ستضطر إلى الاحتماء بالشرعية الدولية.

بناء على ما تقدم يمكننا الجزم بان المقاومة اللبنانية هزمت إسرائيل وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ولكن الأهم من هذا وذاك أنها أجبرت إسرائيل على التنازل عن نظريات بن غوريون العنجهية، وفرضت على ارض الواقع معادلات جديدة في آليات إدارة الصراع، قد تشكل رافعة جيدة لإلزام هذه الدولة بالتنازل عن منطق استعمال القوة لحل الصراعات، وتحديدا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

المؤسف والمخجل والمريب والمشين أن بعض القادة في لبنان يحاولون انقاد إسرائيل من ورطتها ويتطوعون للتخفيف من حدة هزيمتها على ارض المعركة. توجيه الاتهامات لسورية لأنها دعمت المقاومة اللبنانية هو تكتيك مفضوح للغاية، واتهام المقاومة بأنها تقيم دولة داخل دولة هو اتهام يصب في مصالح أعداء الأمة، وبالتالي نعتقد انه من الضرورة بمكان أن يتوقف هؤلاء الزعماء عن محاولة تصدير أزمات إسرائيل الداخلية إلى العمق اللبناني، لان هذا الأمر سيؤدي إلى إشعال نار الفتنة الداخلية في لبنان وتخليص إسرائيل وأمريكا من ورطتهما.

خلاصة القول: عندما يتحول دعم المقاومة إلى تهمة وعندما تتحول الخيانة إلى وجهة نظر، فان الدولة العبرية ستجد المبررات والتسويغات إلى النهوض من جديد للانقضاض على أخر معقل للقومية العربية في الوطن العربي: سورية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018