قانا تذبح.. لبنان الصغير الشجاع ينهض../ رشاد أبو شاور

خرجت قليلاً لجلب بعض الحاجيّات، ثمّ عدت على عجل، فأنا كملايين العرب أتسمّر ليل نهار أمام شاشة التلفزيون، أتنقّل بين ( المنار) و( الجزيرة)، وقلّما أمّر على فضائيات عربيّة أخرى، مع استثناءات في متابعة بعض البرامج كبرنامج ( قلم رصاص)...

كنت أتوقّع شيئاً ما، حدثاً جللاً مروّعاً ( ما)، بعد خطاب السيّد حسن نصر الله يوم السبت 29 تموّز الجاري، والذي تميّز برحابة الرؤية، ودقّة المتابعة، والروح الوطنيّة اللبنانيّة المتسامحة، والرّد المقنع الواقعي المحاجج بعقلانيّة على كّل الأسئلة والتخوفات و..حتّى الأراجيف، والتأشير على انتصارات المقاومة دون تهويل، والتواضع المحبب من قائد لمقاتلين رفعوا الرأس في ( مارون الراس) و( بنت جبيل)...

توقعت فعلاً عسكريّاً لئيما، وإن كنت أستبعد أن يفلح العدو المتغطرس في التمكّن من إنجاز فعل كبير عسكريّاً، لأن مقاتلي حزب الله ليسوا في مكان، وهم في كل مكان، إنهم الهواء، والضوء، ولذا لا يمكن رصدهم، وتحديد حركتهم، وقصف مواقعهم...

وإذ أضاءت الشاشة، انبثق المشهد المذهل، وقد ظننته قديماً، ظننته قانا ( عناقيد الغضب) وأن ( المنار) تذكّر به!
نقّالات عليها أشلاء، أجساد متحاضنة ومتوارية تحت الدمار، أطفال وأمهات ينمنهم على أذرع باتت بلا حياة...
لا، ليست قانا عناقيد الغضب ما أرى، إنها قانا جديدة على الهواء مباشرةً، هذا بناء، وليس ذلك الموقع في معسكر القوّات الدوليّة!
هذا هو إذن ما يمكن أن يتفتّق عنه عقل هذا العدو!

مذبحة جديدة في ( قانا)، يبررها رئيس وزراء العدو أولمرت بأن أهالي قانا طلب منهم الرحيل من بلدتهم، ولكنهم لم يفعلوا!
هل نسينا مذبحة قانا عام 96، التي حملت اسم ( عناقيد الغضب)؟! تلك المذبحة التي وقعت في موقع لمراقبي الأمم المتحدّة، دون إدانة من الأمم المتحدة، ومن مجلس الأمن حيث أمريكا بالمرصاد لكّل من يفكّر في إدانة أداتها وربيبتها...

شمعون بيرس، حامل نوبل للسلام، كان رئيساً لوزراء العدو آنذاك، وأراد من ( المذبحة) أن تمنحه شعبيّة تعيده رئيساً منتخباً للوزراء!
عمالي يقترف مذبحة ( قانا) الأولى عام 1996
ليكودي مزمن، في قيادة حزب ( كاديما) _ إلى الأمام، تقدّموا _ يقترف مذبحة 2006، وبعد ( خطأ) مقصود بحّق قوّات الأمم المتحدة، وسلسلة مذابح متفرّقة يوميّة في الحرب الأمريكية ( الإسرائيليّة) التي تمارس فيها دولة العدو دورها تماماً: دولة وظيفة ودور، ومخلب قّط، وقاعدة عدوان متقدمّة على العرب، وحارسة لمصالح الولايات المتحدة و( شريك صغير) دوره تأديبي، بلطجي...

مذبحة لأطفال ونساء وعجّز، هوت عليهم القنابل الأمريكيّة الذكيّة التي للتو وصلت بالتوقيت مع وصول وزيرة خارجيّة أمريكا رايس...
هل أصف ما شاهدته وأشاهده على مدار الساعة؟!

لقد بّت أعرف الطفلات واحدةً واحدة، جثّة جثّة، تلك التي تشبه اللعبة، التي يتعفّر وجهها بالإسمنت، وتلك التي مدّدت على التراب، وأمام الكاميرات رفع أحد ذويها _ لعلّه أبوها، عمّها، جارهم الذي كان يمازحها ويريدها عروساً لابنه علي _ رأسها أمام الكاميرات في لقطة تذكارية لها قبل الدفن في القبر الجماعي ( دفن الوديعة)...

إذاً هذا هو رّد جيش ( الدفاع) على هزيمته في مارون الراس، وبنت جبيل، وعيترون!
هجوم معاكس بالقنابل الذكيّة على ملجأ متواضع في قرية بسيطة، تهمتها أنها لبنانيّة، تماماً كالمقاومة!
هذه هي ( طهارة السلاح) التي ياما تباهى بها جيش العدو، وقادته! طهارة السلاح التي خبرناها في فلسطين في سلسلة مذابح: دير ياسين، الدوايمة، خان يونس، الطنطورة، في صبرا وشاتيلا، في بحر البقر، في قانا الأولى، في...

عدو وضع في رأس مهماته أن ينشر الخوف في نفوس المواطنين العرب، باستهتار، وبلا حساب من أحد، فهو محمي عسكريّاً، وسياسيّاً، وديبلوماسيّاً من دول تناوبت على رعايته، ومدّه بكل ما يحتاج من سلاح، ومال، وتغطية ( بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكيّة بكل إداراتها، الحليف والراعي الاستراتيجي)...

مرّة أخرى يعود عدونا المتوحّش إلى قانا، ليذبح أطفالنا، ونساءنا، وشيوخنا، تمدّه إدارة بوش الصغير باشّد القنابل فتكاً، وبالفيتو في وجه كل من يطالب بوقف إطلاق النار، أو إدانة للعدوان، أو مجرّد لوم لهذه الدولة المارقة، قاعدة الشّر في بلاد العرب...

لم تخرج في لبنان أصوات تطالب بوقف المقاومة، ورفع راية الاستسلام...
والناس يرون مشاهد المذبحة، اندفعوا إلى قلب بيروت، العاصمة الجميلة، الشجاعة، التي كنست الاحتلال بقوّة المقاومة لا باتفاقيات سلام مذلّة...
اللبنانيون البواسل اندفعوا إلى قلب بيروت، وارتفعت هتافاتهم: الموت الموت لأمريكا، الموت الموت (لإسرائيل).

وعلى فضائيتي المنار والجزيرة، تناوب زعماء لبنان من كل الطوائف، والاتجاهات السياسيّة: لا لاستقبال رايس، يجب إيقاف إطلاق النار فوراً وبدون شروط...
لبنان يتّحد تحت النار، يجوهر، ينهض من أجل قانا التي شهدت أولى معجزات السيّد المسيح...

دم قانا لن يذهب هدراً هذه المرّة، فحزب الله وعد بالعقاب، والمقاومة ستفي بالوعد، لأنها صادقة، والعدو سينوح هذه المرّة، فهذه حرب ليست كالحروب السابقة، هذه حرب لا جيوش عربيّة فيها لتهزم في ساعات، أو أيّام...
هذه حرب تقاتل فيها الجبال، والوديان، والغابات، والقرى، والمدن، حرب الإنسان الغني بثقافته، وانتمائه،وحضارته، ومدنيته، وجذوره...

يا أشلاء أطفالنا في قانا الجليل
بقدسيّة الدم، والأشلاء، والتراب المحترق، والبيوت المهدمّة نهتف مع أهلنا في بيروت:
الموت الموت لأمريكا
الموت الموت...
العار كل العار للحكام الخونة
العار للكتّاب المنافقين فاسدي الضمائر، الذين نظّروا للعدوان بحجج تنسجم مع فتاوى شيوخ النفط، وسادتهم الحكّام المستبدين الخانعين العجزة...
المجد للمقاومة العربيّة في فلسطين، والعراق، ولبنان...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018