قمة استمرار العجز العربي../ هاني المصري

جاءت نتائج قمة سرت متواضعة وبدون مفاجآت ووفقاً للتوقعات. فالقمة العربية أصبحت في عصر الهوان والتبعية والتفرقة العربية عملاً روتينياً يعكس في أحسن الأحوال استمرار الوضع العربي العاجز على حاله.

فالمكتوب يقرأ من عنوانه . فغياب الكثير من القادة العرب من البلدان الأكبر و الأكثر تأثيراً أعطى رسالة واضحة أن العرب لا يعيرون قمتهم الاهتمام الكبير . فكيف ستحظى بالاهتمام من غيرهم؟

جراء ذلك لا تجد القمم العربية الاهتمام الجدي من أحد، لا من إسرائيل التي لم تعر القمة اهتماماً يذكر، لا على المستوى الرسمي أو الشعبي أو حتى الإعلامي، ولا من الشارع العربي الذي أعلن يأسه من الحكام والقادة العرب منذ زمن بعيد.

لا يغير من حقيقة واقع النظام الرسمي العربي التهليل الرسمي الفلسطيني للقمة، واعتبار نتائجها جيدة، لأن النظام السياسي الفلسطيني أصبح جزءاً من النظام العربي وليس متقدماً عليه على أساس أن السياسة الرسمية الفلسطينية أصبحت تعتمد سياسة "ليس بالإمكان أبدع مما كان" وحط راسك بين الروس وقل يا قطاع الروس".

لسان حال القيادة الفلسطينية الآن نجده في العبارات التي تكررها كثيراً في الآونة الأخيرة مثل "نقبل بما يختاره العرب"، "فإذا اختاروا السلام نسير معهم في طريق السلام، وإذا اختاروا الحرب نكون معهم في المقدمة".

وبما أن القيادة الفلسطينية، تعرف جيدا، مثلما يعرف الجميع أن القادة العرب يريدون السلام ويؤكدون دائما على أنه خيارهم الوحيد رغم تعنت إسرائيل وتصاعد عدوانيتها ، وبالتالي هي في مأمن.

كلما شدد العرب على السلام وقدموا مبادرات وتنازلات من أجله ابتعدت إسرائيل عنه. فالاستجداء العربي للسلام بدون فتح الخيارات والبدائل الأخرى، وبدون الاستعداد الجدي لها يشجع إسرائيل أكثر، ويفتح شهيتها للمزيد من التنازلات العربية.

إذا عدنا بالذاكرة الى زمن النهوض الفلسطيني والعربي، نرى كيف كان الفلسطينيون يتصرفون بأنهم أصحاب القضية، ويذهبون الى القمة وهم مصممون على فرض ما يريدونه عليها، لدرجة أن قرارات القمم العربية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية كانت تصاغ من قبل الوفد الفلسطيني.

حينها كان العرب يختارون ما يختاره الفلسطينيون. الآن عاد الفلسطينيون بسبب ضعفهم وانقسامهم وجري قيادتهم وراء أوهام السلام وغياب إرادتهم الفاعلة المبادرة الى قبول ما يختاره العرب، أي عادوا الى ما كانوا عليه قبل انطلاق ثورتهم المعاصرة وقيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتحويلها الى كيان وطني مستقل، يجسد الحقوق والهوية الوطنية الفلسطينية ضمن قيادة واحدة وبرنامج واحد وقرار وطني مستقل واحد.

لقد كان القرار الوطني المستقل يمثل خطوة الى الأمام قبل أن يصبح جسرا للتنازل ويوظف للانفراد الفلسطيني بحل القضية الفلسطينية وفقا لاتفاق أوسلو والمفاوضات الثنائية بلا مرجعية.

أدرك جيداً أن العرب ضعفاء، ولكن ليس الى درجة عدم فعل أي شيء أو الاكتفاء بما قرروه في قمة سرت التي أكدت بقاء الوضع العربي على حاله، وهو ينطبق عليه عبارة واحدة : اعتماد الانتظار والرهان على إدارة اوباما والمجتمع الدولي ليحل القضية الفلسطينية والقضايا العربية بدون فعل عربي ولا استخدام عربي لأوراق القوة والضغط التي يملكها العرب، ويجب أن يسعوا لامتلاكها وتوظيفها في معركة التحرر والاستقلال والتنمية والديمقراطية والوحدة.

إذا حصرنا "الايجابيات" التي خرجت بها القمة العربية نجد أنها متواضعة جداً وتتمثل أساساً بأنها عقدت، فقد كان هناك خشية من أن لا تعقد، أو أن تكون آخر القمم.

فالقمة عقدت وقررت عقد القمة التالية في موعدها ودعت الى عقد قمة استثنائية قبل نهاية هذا العام، وهذ اضعف الإيمان!

كما أن القمة قررت دعم صمود القدس بـ500مليون دولار، نأمل أن ينفذ القرار بشأنها ويصل هذا المبلغ الى القدس و لا يبقى حبراً على ورق. فرغم أنه مبلغ صغير لأن القدس تحتاج أكثر منه بكثير، وهي في الحد الأدنى تحتاج لهذا المبلغ كل عام، وهو مبلغ لا يقارن بما تقدمه إسرائيل وأنصارها لتهويد وأسرلة القدس، إلا انه يبقى رغم ذلك قراراً ايجابياً يسجل للقمة.

هذا مع العلم أن القدس يتم استكمال تهويدها وأسرلتها وإسرائيل تسعى لحسم هذا الأمر بسرعة، وليس فقط الى محاولات لتهويدها، كما جاء في بيان القمة.

من فضائل القمة في سرت أن القادة العرب سواء في جلستها الافتتاحية أو طوال انعقادها لم يلقوا خطابات، مثلما كانوا يفعلون بالقمم السابقة فأراحوا بذلك و استراحوا.

ويبدو أن هذا الصمت يعود الى فقدان الإرادة العربية الرسمية على العمل والى أن ليس لدى القادة العرب ما يتحدثون به، كما أن الخطابات التي ألقيت اعترفت بمجملها أن الوضع العربي لا يسر صديقا، وهذه فضيلة وقد تكون بداية اعتراف بالعجز العربي وقد تفتح الطريق لتجاوزه.

وطرحت أفكار عديدة في القمة عن إحياء العلاقات مع دول الجوار العربي، وعن مأسسه وإصلاح الجامعة العربية ودور رئاسة القمة بين قمتين، وتدوير منصب الأمين العام للجامعة، وعن التحسب لاحتمال فشل عملية السلام (وكأنها لم تفشل حتى الآن) وطرح القضية الفلسطينية على مجلس الأمن، ولكنها جميعها رحلت للقمم القادمة، لان عيون القادة العرب شاخصة نحو واشنطن بانتظار ما ستنتهي إليه الخلافات القائمة بين إدارة اوباما وحكومة نتنياهو.

وإذا انتقلنا الى ما لم تفعله القمة، وهو كثير جداً. نجد أنها لم تغير الإستراتيجية العربية، استراتيجية السلام كخيار وحيد، ولم تهدد بسحب المبادرة العربية ولم تضع سقفاً زمنياً لها، ولم تفتح الخيارات والبدائل الأخرى ولو على سبيل الجمع ما بينها ولخدمة خيار السلام.

فعدوك سيأخذك بالاعتبار على طاولة المفاوضات إذا وجد لديك خيارات أخرى، أما إذا جئته عاريا بدون أوراق قوة فهو سيكون مطمئنا الى انك ستوافق في النهاية على ما سيعرضه عليك لأنك إذا لم تقبل ستخسر كل شيء.
لم تحقق قمة سرت المصالحة العربية - العربية وخصوصا المصالحة المصرية - السورية التي بدونها لا يمكن الحديث عن تضامن عربي أو موقف عربي موحد فاعل.

ولم تحقق المصالحة الفلسطينية، وجددت التفويض لمصر لرعاية هذا الملف. وما دامت القمة العربية لم تنجح بإنهاء الانقسام الفلسطيني فهذا يعني أنه مرشح للاستمرار حتى إشعار آخر.

ولم تفعل القمة العربية شيئاً يذكر لإنهاء الحصار عن قطاع غزة، بل اكتفت بدعوة المجتمع الدولي لكي يقوم بهذه المهمة، وكأن العرب لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا لإنهاء الحصار الذي حول قطاع غزة الى أطول وأكبر سجن في التاريخ.

تأسيساً على ما سبق، يمكن أن نطلق على قمة سرت بدون تردد، أنها قمة استمرار العجز العربي . قمة انتظار ما ستفعله إدارة اوباما والدول الكبرى والمجتمع الدولي فيما يخص قضايا مفترض أنها تخص العرب قبل غيرهم، وعليهم واجب التصدي لها.
فالعالم لا يمكن أن يكون عربياً أكثر من العرب!!