قوى الاعتدال.. والفراغ السياسي العربي/ أحمد الحيلة*

لكل منظومة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.. رؤية إستراتيجية، ودولة نواة أو دولة مركز تمثل قطب جذب تتمتع بكاريزما قيادية أو تفوق عسكري أو اقتصادي..، فروسيا مثّلت نواة الاتحاد السوفياتي الذي كان قطب أو مركز حلف وارسو، في مقابل الولايات المتحدة في الحلف الأطلسي. واليوم تمثل الولايات المتحدة القطب والمركز العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

وحتى لا تصبح الدول نهباً للقطب الأمريكي الأوحد بعد أن فقد العالم سمة التوازن الدولي، درجت الدول على تعزيز دور المنظومات الإقليمية السياسية أو الاقتصادية.. كالاتحاد الأوروبي ومجموعة الآسيان.. لتحميها من الهيمنة والتفرد والغطرسة الأمريكية.

لكن الدول العربية بقيت شاهداً متفرجاً على هذا التغير التاريخي في المشهد الدولي دون اكتراث ودون أي خطوة جدية باتجاه تعزيز جامعة الدول العربية، التي أضحت شكلاً واسماً مفرغاً من كل مضمون حقيقي، وأصبحت الدول العربية كحبات المسبحة التي انفرط عقدها.

هذا الواقع أفرز فراغاً سياسياً وقيادياً في المنطقة العربية، نتيجة التحول في المشهد الدولي، وفقدان العرب لأي مشروع سياسي إستراتيجي، ونتيجة فقدان العرب لدولة المركز كمصر عبد الناصر.

ومن هنا كان هذا الوقع عامل تحفيز لقوى المجتمع المدني، وخاصة الإسلامية منها، لملء هذا الفراغ ولو نسبياً، فكان لهذه القوى المدنية الإسلامية دوراً متميزاً ومتطوراً على مستوى العمل الأهلي ثقافياً، واجتماعياً، وسياسياً، وصولاً لدورها المدافع عسكرياً (المقاومة) في مواجهة العدوان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، بعدما عجزت الجيوش العربية في أخذ زمام المبادرة، نتيجة غياب الإرادة السياسية بالأساس.

في المقابل برز جلياً مدى اهتمام الولايات المتحدة، وسعيها الحثيث والمكشوف للسيطرة على منابع النفط والطاقة في المنطقة العربية، وحرصها على استمرار الشرق الأوسط سوقاً استهلاكية بالدرجة الأولى ـ دفعها وساعدها في ذلك ذات الفراغ السياسي والقيادي الذي تعاني منه المنطقة العربية، فكانت حروب الخليج التي انتهت باحتلال العراق وانتشار وتمركز القوات الأمريكية في الخليج، وعموم المنطقة مستغلة في ذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتحقيق أهدافها في الهيمنة والتفرد..

كاد أن يمثل احتلال واشنطن لأفغانستان، ومن ثم العراق نموذجاًَ أمريكياً وسيفاً مسلطاً على رقبة كل من يفكر بالاعتراض على السياسة الأمريكية المهيمنة، لولا أن الشعب العراقي بادر منذ الأيام الأولى بمقاومة الاحتلال الأمريكي بضراوة أذهلت وأربكت الأمريكان، مما اضطرهم إلى التوقف ملياً، وإعادة التفكير في أساليب أخرى للسيطرة والهيمنة، فكان مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي فشل نتيجة صعود القوى الإسلامية، وخاصة حركة حماس من خلال ممارسة الديمقراطية العمود الفقري لهذا المشروع والفزّاعة الأمريكية في وجه الأنظمة العربية. ومن بعد روجت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لم ير النور نتيجة فشل الاحتلال الإسرائيلي في حربه على لبنان.

الآن نحن نقف أمام حراك سياسي أمريكي جديد تحت عنوان قوى "الاعتدال" (دول مجلس التعاون الخليجي الست + مصر والأردن) ضد قوى "التطرف" (حماس، حزب الله، سوريا، إيران..) وذلك كما تريد واشنطن، وحسب معايير الفرز الصهيوأمريكية.
هذا الحلف الجديد دشنته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس باجتماعها مع وزراء خارجية قوى "الاعتدال" في القاهرة (3/10) حيث جرى مناقشة الأوضاع في لبنان، والعراق، وفلسطين، والملف النووي الإيراني، وقضية دارفور في السودان.

فما هي دوافع الولايات المتحدة والدول الأعضاء في محور قوى "الاعتدال" المنعقد في القاهرة؟

بالنظر إلى نوعية الملفات التي طرحت للنقاش في هذا اللقاء نجد أنها الملفات الساخنة والشائكة التي تعاني منها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية الشرق أوسطية، والتي تمثل ملفات الفشل لإدارة الرئيس الأمريكي بوش.
وبالتالي الولايات المتحدة معنية من هذا الحراك الجديد إشراك دول عربية حليفة أو صديقة لمواجهة ما سمي بقوى "التطرف" وهي التي تمثل مانعاً وعائقاً أمام تمرير السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. فالرئيس الأمريكي أضحى بأمس الحاجة لرافعة تنقذه وتبيض ملف سياسته الخارجية الأسود أمام خصومه الديمقراطيين والشعب الأمريكي المتذمر من سياسة رئيسه الذي يتهيأ وحزبه لخوض الانتخابات البرلمانية النصفية. ولذلك الإدارة الأمريكية بحاجة لأي إنجاز ولو شكلاً، ومن هنا يأتي اجتماع قوى "الاعتدال" بقيادة رايس في القاهرة.

من جانب أخر، تدرك الولايات المتحدة أن الحكومة الإسرائيلية التي خاضت بجيشها الحرب السادسة بالوكالة عن واشنطن تعيش مأزقاً وأزمة داخلية حادة إثر الفشل في الحرب، ولذلك يُراد أن يقدم هذا المحور الجديد خدمات إنقاذ بالضغط على حركتي حماس، وحزب الله اللتان تمثلان شوكة في حلق الاحتلال الإسرائيلي، ولذلك حرصت رايس بشدة على تأكيد دعمها الشخصي والرسمي لمساعدة الرئيس محمود عباس على تشكيل حكومة فلسطينية تلتزم تماماً بشروط الرباعية الداعية إلى الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي..
كما حرصت رايس على دعم الحكومة اللبنانية وقوى الرابع عشر من آذار في مواجهة حزب الله. بمعنى آخر محاصرة المقاومة في لبنان وفلسطين بأيد عربية حتى وإن أدى ذلك إلى فتنة داخلية كما هو حاصل في فلسطين التي تشهد إرهاصات اقتتال وعراك داخلي.

أما قوى "الاعتدال" العربية، فيدفعها للمشاركة في هذا المحور، تخوف السعودية ودول الخليج مما يسمونه "الخطر الشيعي" في المنطقة من خلال تمسك إيران بحقها في امتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية، وعلاقتها بالملف العراقي، إضافة إلى أداء حزب الله المقاوم، الذي يلقى تأييداً واسعاً وسط الجمهور السني في المنطقة.

وبغض النظر عن مدى موضوعية وشرعية هذا التخوف ـ لأن محل نقاشه ليس هنا ـ فإن هذه الدول "المعتدلة" يدفعها أيضاً خشيتها من الضغط الأمريكي على نظمها السياسية تحت ذرائع متعددة منها ممارسة الديمقراطية، حقوق الإنسان، وحتى الهوية الإسلامية التي توفر ـ حسب الادعاء الأمريكي ـ بيئة خصبة "للإرهاب".

أما من ناحية مصر والأردن، فإضافة إلى المسألة الإيرانية، فإنهما يخشيان من نموذج الحكم الإسلامي الذي تمثله حركة حماس في فلسطين التي يربطها بهما أواصر ثقافية واجتماعية..
وبالتالي فالحكم في مصر والأردن يخشيان من تأثير هذه التجربة مباشرة على الشعبين المصري والأردني، وعلى عموم المنطقة العربية التي تبدي دعمها وتأييدها لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ولبرنامجها المقاوم.

إذن هناك تقاطع "مصالح" بين دول (6+2) وواشنطن، وليس مستبعداً أن تصبح لاحقاً (6+3) بانضمام الاحتلال الإسرائيلي لهذا المحور بعد أن أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت دعمه لاجتماع قوى "الاعتدال" العربية.

الخطورة في المسألة أن تذهب هذه الدول إلى حد الشراكة مع واشنطن وتل ابيب في مواجهة مع قوى الممانعة والمقاومة في المنطقة والتي أسمتها واشنطن بقوى "التطرف"، وهذا ما أشارت إليه بعض التقارير الصحفية المنشورة حول اجتماع العقبة في الأردن الشهر الماضي، والذي ضم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومدير المخابرات المصرية عمر سليمان، وشخصيتين رفيعتين من دولتين خليجيتين يعتقد أنهما السعودية والإمارات، إضافة إلى رئيس المخابرات الأردنية الذهبي، وذلك بحضور رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) يوفال ديسكن، حيث تركز النقاش حسب التقارير الصحفية على كيفية مواجهة حركة حماس، وإسقاط الحكومة الفلسطينية في حال رفضت الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي وشروط الرباعية.

هذه الأجواء لا تبشر بخير للمنطقة وللقضية الفلسطينية، ولكن الثابت أن من ينحاز لشعبه وقضاياه الوطنية لا بد أن ينتصر ويفوز بالنهاية. وأن من يراهن على واشنطن سيخسر، وذلك ببساطة شديدة يسوقها الواقع الذي يؤكد فشل تلك الإدارة في معظم ملفات السياسة الخارجية بدءً من أفغانستان ومروراً بالعراق، وفلسطين، ولبنان، وإيران، وكوريا الشمالية، ودول أمريكا اللاتينية.....

*كاتب فلسطيني

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018