كاوبوفوبيا!../ زهير اندراوس

ولاية تكساس الأمريكية مشهورة، أكثر من غيرها، بأعمال الإجرام والقتل والشذوذ على جميع أنواعها المحلية والمستوردة. وعليه، فإننا نعتقد أن إقامة الرئيس الأمريكي جورج بوش في هذه الولاية لها مدلولات كبيرة تعكس شخصية هذا الإنسان، الذي بات يعاني من مرض مزمن وهو "العرب-فوبيا" او "الإسلام-فوبيا".

فرغم مرور حوالي ست سنوات على هجمات 11 سبتمبر(أيلول) فإن نوبة الخوف من الإسلام تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة انتشار النار في الهشيم، وأصبح ذكر الإسلام والمسلمين مقترناً - إلى حد بعيد - بمصطلحات من قبيل الإرهاب والعنف وما شاكلهما. وأخطر الادعاءات وأكثرها انتشارا في أيامنا هذه داخل المجتمع الغربي هي أن الإسلام والديمقراطية لا يلتقيان، وهو ادعاء يتكرر باستمرار.

على أية حال، السيد بوش، الذي أصبح اكبر تهديد على الأمن العالمي بسبب رعونته وإيمانه العميق بان القوة المفرطة ستدحر الشعوب المستضعفة والتواقة للحرية والعدالة والسلام، اختار في نهاية الأسبوع الماضي أن يخرج إلى إجازته في مزرعة كورفورد في تكساس، الأمر الذي يقطع الشك باليقين بان الرجل لا يهتم بالقتل والدمار في لبنان وفلسطين وإسرائيل.

هكذا يتصرف الكاوبوي الأمريكي التقليدي، وبوش هو الكاوبوي (راعي البقر) النمطي. فالقتل بالنسبة له هو أمر اعتيادي، والدمار والتدمير لا يقلقانه بالمرة، لأنه تربى وترعرع في مزرعة بقر، مع الاحترام لجميع الحيوانات، ووصل إلى البيت الأبيض، وهو أمر عادي في "بلد الحريات"، فالرئيس الأسبق رونالد ريغان، تحول من ممثل سينمائي فاشل إلى رئيس أمريكي، وكانت مواقفه من الصراع العربي الإسرائيلي متطابقة تماما مع مواقف جورج بوش واليمين المسيحي المحافظ وعصابة المحافظين الجدد الذين ما زالوا يتمسكون بأكاذيبهم القديمة.

يوم الاثنين من هذا الأسبوع عقد الرئيس الأمريكي في مزرعته مؤتمرا صحافيا مع وزيرة الخارجية كوندوليسا رايس، وأطلق عبارات نابية ضد العرب والمسلمين، ونقلت أقواله ببث حي ومباشر مرة أخرى يوم الخميس العاشر من شهر آب (أغسطس) الجاري. اللافت انه وللمرة الأولى استعمل مصطلحا جديدا يدل على عمق الحقد والكراهية الدفينين للإسلام والمسلمين: "الإسلام الفاشي"، قال رئيس اكبر دولة في العالم!!

هذا التصريح يعكس تأصل عقدة الخوف من العرب والمسلمين، ولكنه بموازاة ذلك يعبر من حيث لا يدري السيد الرئيس من خلال استعماله لهذا المصطلح عن إخفاقات سياساته في العراق وفلسطين ولبنان. هذه الإخفاقات التي تحققت بفعل المقاومة الإسلامية والوطنية في العالم العربي، وليس بفضل بطولات الحكام العرب.

الأمر غير المثير للدهشة والاستغراب هو ردود الفعل العربية والإسلامية على قاذورات بوش التي تنضح بالعنصرية، بالإضافة إلى انه يتعامل مع هذه الأمة من منطلق فوقيته ودونية العرب والمسلمين. بطبيعة الحال، استنكف الرؤساء والملوك والسلاطين العرب عن الرد على هذا التفوه، والتزموا كعادتهم الصمت. هؤلاء الزعماء فقدوا الحد الأدنى من الكرامة والشهامة والعزة والكبرياء، ولا يمكن أن يعول عليهم، فهم رهائن البيت الأبيض ويعملون علانية على تنفيذ خطة "سايكس بيكو" الجديدة من تخطيط وإخراج الإدارة الأمريكية، أو ما تسميه السيدة رايس الشرق الأوسط الجديد. ولكن ماذا مع الشعوب العربية؟ ما هو السبب الذي يمنع الشعوب من المحيط إلى الخليج من التظاهر والتعبير عن استيائها وامتعاضها الشديدين من هذه الأقوال الهادفة إلى تحقير العرب والمسلمين.

الحالة العربية هي حالة استثنائية في التاريخ المعاصر، لا توجد أعذار لتبرير مسألة اللا مبالاة التي تسيطر على هذه الشعوب، فالمقاومة اللبنانية كشفت جميع الأوراق وعرًت الزعماء العرب والشعوب العربية على حد سواء. ولكننا نلاحظ أن العرب تغيروا أيضاً، لأن الأيام التي كان يلجأ فيها الجندي العربي إلى خلع حذائه، والتخلص من سلاحه، والفرار إلى أقرب بر للأمان، ورفع الراية البيضاء اختفت أيضاً، وأصبحت من التراث، تراث الأنظمة، الثورية سابقاً، والعقلانية حالياً.

والشيء بالشيء يذكر: فاروق القدومي، وزير خارجية فلسطين يؤمن بان حق العودة أهم بكثير من إقامة الدولة الفلسطينية، وهذا يقودنا إلى السؤال المفصلي: ماذا على الشعوب العربية أن تعمل أولاً: التخلص من الحكام الذين يقمعونهم بشدة أم محاربة إسرائيل؟

نعتقد انه من الضرورة بمكان أن نؤكد أننا ضد الطرح القائل بأنه يجب محو إسرائيل عن الخارطة، فمن حق هذه الدولة أن تعيش، وبالتالي نؤمن انه آن الأوان لكي تتحرك الشعوب العربية وتعلن الثورة على الحكام، والادعاء أن هذه الأنظمة الفاسدة هي ديكتاتورية وستقمع بالحديد وبالنار أية محاولة لقلب هذا النظام أو ذاك هي ليست صحيحة. فعلى سبيل الذكر لا الحصر قبل الثورة الإسلامية في إيران كان الشاه يحكم البلاد ويبطش بالمعارضين، مؤمناً أن الدعم الأمريكي سيحافظ على عرشه، ولكن عندما وصل السيل الزبى وطفح الكيل انتفض الشعب الإيراني وتمكن بعد نضال مرير من السيطرة على مقاليد الحكم، وطرد الطاغية من البلاد، هذا الانجاز تحقق بفعل عوامل عديدة لا مجال للخوض فيها الآن، ولكن أهمها كان إرادة الشعب في التغيير والتخلص من حكم الشاه المعادي لأمته والموالي لأمريكا وربيبتها إسرائيل.

إلى الزعماء العرب نقول: لا نريد منكم أن تتصرفوا كالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، الذي سحب سفير بلاده من تل أبيب احتجاجاً على العدوان البربري على لبنان، وللشعوب العربية نوجه نداءً حاراً: سقط القناع عن الأنظمة العربية المتواطئة مع أمريكا ومع إسرائيل، فماذا تنتظرون؟ ما الذي يمنعكم من العمل الدؤوب على قلب أنظمة الحكم الشمولية، انتفضوا ... انتفضوا، كي لا تندموا حين لا ينفع الندم.

ملاحظة: في اجتماع وزراء خارجية حظائر سايكس بيكو (الدول العربية) أجهش رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بالبكاء.
اولاً: السنيورة هي كلمة إيطالية وترجمتها إلى العربية سيدة.
ثانياً: الزعماء لا يبكون وقوتهم تتجلى في أوقات المحن والأزمات.
ثالثاً: نميل إلى الترجيح بان السنيورة بكى لأنه كان على علم ودراية بحجم المؤامرة العربية الكبرى ضد لبنان بشكل خاص، وضد الأمة العربية بشكل عام.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018