كوابح داخلية وخارجية لسياسة بوش../ الياس سحّاب

ستكون مثيرة جدا، على الصعيدين النظري والعملي، متابعة التطور الحاد الذي لا بد من أن يطرأ على سياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش (تعبيراً عن سياسة المحافظين الجدد) في العام الحالي 2007. فمع أن ولاية بوش تستمر عملياً حتى نهاية العام المقبل2008، إلا أن من المؤكد أن هامش الحركة الضئيل الذي ما زال يتمتع به الرئيس الأمريكي الحالي، لن يتجاوز نهاية العام الحالي، لأن العام المقبل سيكون محكوماً تماماً بما يراه الحزب الجمهوري عموما، وليس فقط جناح المحافظين الجدد فيه، من ضرورات حتمية جديدة لا بد من اعتمادها، على صعيد الحزب وعلى صعيد الادارة الجمهورية خلال سنتها الأخيرة في البيت الأبيض، تقتضي تعديلات في السلوك السياسي الأمريكي، داخلياً وخارجياً، من أجل رفع مستوى فرص الحزب الجمهوري في المعركة الرئاسية القادمة إلى أعلى مستوى ممكن، في عام الاستعداد الأخير لها.

فإذا عدنا إلى الهامش الضيق من المناورة السياسية التي يمكن أن يتحرك فيها الرئيس بوش بما لا يتجاوز العام الحالي، فإننا بدأنا نرى عدداً من الكوابح تندفع لتضييق هامش حرية الرئيس بوش في التصرف في ميدانين: الميدان الأمريكي الداخلي، وميدان السياسة الدولية.

في الميدان الأمريكي الداخلي، بدأنا نشهد نضج ثمار مبكرة للتحول الذي أنهى الغالبية الجمهورية في مجلس النواب والشيوخ، وأعاد هذه الأغلبية، في المجلسين، إلى الحزب الديمقراطي المنافس، مرة أخرى.

صحيح أن الديمقراطيين لم يندفعوا إلى استخدام كامل صلاحياتهم في المجلسين لإجبار بوش على الانسحاب الفوري من العراق، تجنباً لصدمة في الرأي العام الأمريكي، قد لا تكون مناسبة للحزب الديمقراطي في العامين الحاسمين المقبلين، لكن الضغط الديمقراطي بدأ يزيد من قوته وفعاليته، وإن بوتيرة متدرجة متصاعدة، ليس فقط بالنسبة للتمهيد للانسحاب الأمريكي المؤكد من العراق، بل لكبح جماح الاستراتيجية العدوانية الهجومية، التي ما زال المحافظون الجدد يصرون على اتباعها في العالم بأسره، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، من خلال الصلاحيات التي ما زالت بيد الرئيس بوش، في البيت الأبيض.

فها هي التلميحات الرسمية الأمريكية باحتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، ما أن تظهر على لسان بوش، أو أي مسؤول آخر من إدارته، حتى يضطر لسحبها بل نفيها، تحت تأثير الضغط الديمقراطي المتزايد، الذي يرجح كفة العمل عبر القنوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، ولجم عقلية استسهال العمل العسكري، والاندفاع المتهور نحوه، بأي ثمن، وبغطاء من تعميم المعلومات الكاذبة، عن مخاطر مضخمة، أو مختلقة تماما.

هذه مجرد نماذج عن الكوابح السياسية التي بدأت تظهر وتتحرك في الداخل الأمريكي، لتمارس لجماً متدرجاً لجنون المحافظين الجدد، وإصرارهم على مواصلة اندفاعهم الهجومي الذي أطلقوه منذ أحداث 11 سبتمبر، وما زالوا مصرين عليه حتى يومنا هذا.

فإذا انتقلنا إلى الكوابح الخارجية، فإننا نجد أنفسنا أمام ثلاثة مصادر محتملة لها:

بوادر سياسية عربية جديدة.
بوادر سياسية أوروبية جديدة.
بوادر سياسية روسية جديدة.

بالنسبة للاحتمال الأول، ليس في الأفق بوادر على اي تغيير جدي في الحيوية السياسية والاستقلالية السياسية، لا للمنطقة العربية ككل، ولا حتى لبلدان عربية رئيسية ومؤثرة، في ساحتها الإقليمية على الأقل.

أما في أوروبا، فالحزب الحاكم في المانيا، ما زال يظهر من خلال المستشارة ميركل، سلاسة في عدم إبداء أي تناقض جدي وحقيقي وفعال في اي موقع من مواقع النفوذ الأمريكي في الساحة الدولية. وفي فرنسا، علينا ان ننتظر حسم المعركة الرئاسية بين المرشحة الاشتراكية روايال، ومرشح الحزب الحاكم ساركوزي، لنستكشف المدى الفعلي لإقدام أي منهما (بعد وصوله إلى مقر الاليزيه) على تمييز السياسة الدولية لفرنسا، عن السياسة الدولية الحالية لأمريكا.. ويبدو ان انتظاراً مشابهاً مفروض علينا، بالنسبة لقرب انتهاء عصر توني بلير في انجلترا، وظهور الزعامة البريطانية الجديدة، من خارج نادي الساسة المطيعين كلياً لواشنطن، كما حصل في إسبانيا وإيطاليا، ولكن يبدو أن الحجم الحقيقي لهذين البلدين في السياسة الدولية، سيبقيهما في الهامش مؤقتا، بانتظار تحولات مماثلة في انجلترا والمانيا وفرنسا.

بقي أمامنا العنصر الروسي، الذي طال غيابه الفعال عن المسرح الدولي، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

في هذا المجال، يبدو أن جولة الرئيس الروسي بوتين الأخيرة في السعودية وقطر والأردن، مرشحة لأن تحمل لنا وللعالم، اشارات مهمة، وربما أكثر مما نتوقع.

ولعل ما يبرر التوقع الإيجابي لثمار هذه الجولة، أن الزعيم بوتين، يتحرك مستفيداً من إيجابيات وسلبيات التجربة السوفييتية السابقة في المجال الدولي (خاصة السلبيات). فبينما كانت روسيا تبني علاقاتها الدولية قديماً على اسس ايديولوجية، انهارت تماماً مع انهيار النظام الشيوعي، فإن بوتين قرر، على ما يبدو، إعادة إحياء وتنشيط الدور الروسي المركزي السابق في السياسة الدولية، على أساس الاقتصاد، الأكثر إغراء، والأشد استقراراً وثباتاً، والأطول عمرا.

ومن خلال هذا المدخل القوي والفعال، فإن روسيا تلمح إلى لعب دور مركزي في كل القضايا الحساسة المتوترة في منطقتنا، باتجاه معاكس لواشطن، منها على سبيل المثال لا الحصر، قضية تصرف المجتمع الدولي في موضوع الطاقة النووية الإيرانية، وموضوع الصراع العربي- “الإسرائيلي”، إلى درجة وجود توجه روسي للسعي الحثيث للدفع نحو مؤتمر دولي بهذا الشأن (عكس الرغبة الأمريكية- “الإسرائيلية”)، وحتى موضوع الأزمة اللبنانية المتراوحة بين موضوعي المحكمة الدولية وحكومة الوحدة الوطنية، كلها أزمات حساسة، يبدو أننا سنشهد فيها نمطا جديدا من الحركة السياسية الروسية، لا يكتفي بإصدار البيانات المعنوية الجيدة، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة متدرجة للوزن الروسي في السياسة الدولية عموما، وفي الشرق الأوسط خصوصا، بما يفرض نسبة معقولة من التوازن، تقضي عمليا (لا لفظيا) على التفرد الإمبراطوري الأمريكي، الذي وصل إلى ذروته مع اعتماد السياسة الهجومية في السياسة الأمريكية الدولية، في عهد المحافظين الجدد.

فإذا أضفنا إلى هذه التحركات الجديدة، نجاحاً عربياً ولو في فك الحصار الاقتصادي عن شعب فلسطين، وإفشال مخطط استمرار الاقتتال الفلسطيني، وإنجاح مبادرة التفاهم بين فتح وحماس على برنامج وطني موحد وحكومة وحدة وطنية، ونجاحاً آخر بإطفاء نار الفتنة تحت رماد الأزمة اللبنانية الداخلية، فإننا مقبلون في هذا العام، ومع تفتح موسم الربيع، على “ربيع سياسي” عماده الأساسي تكامل الكوابح السياسية العملية التي تلجم اندفاع سياسة بوش (ومن ورائه المحافظين الجدد) في عامه الأخير عمليا، وذلك من داخل الولايات المتحدة نفسها، ومن روسيا، ومن بعض المواقع العربية التي ما زال ينبض فيها رمق.

"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018