لا بـــديل عـــن مـــواصلة الحوار../ عوض عبد الفتاح

لم يشهد الشعب الفلسطيني منذ النكبة، ومنذ انبعاث حركته الوطنية وانطلاق فدائييها لملاقاة عدوهم الإسرائيلي حالة كالتي يعيشها مؤخراً وفي هذه اللحظات. إنها أشبه بحالة عبثية تحمل من المؤشرات المرعبة على إمكانية حدوث أمر جلل.

ففي الوقت الذي تواصل اسرائيل وطائراتها ومدافعها الثقيلة صبّ نار حممها على أهلنا في قطاع غزة والضفة وإقتناص المقاتلين الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تواصل حكومة أولمرت المضيّ قدماً في تنفيذ خطة الإنطواء بالتوازي مع تشديد الحصار الإقتصادي والتجويع والعزلة السياسية، يقتتل الفلسطينيون المحاصرون في غيتو غزة، ويحطمون المؤسسات ويسقط القتلى والجرحى.

ويشتد الخلاف وتتفاقم المخاطر في ضوء إعلان الرئاسة الفلسطينية اعتماد الإستفتاء لحل الخلاف بدل استنفاذ الحوار، ويجتاح الخوف الشارع الفلسطيني في جميع مواقع شعبنا، في الداخل والشتات، من مغبة حدوث ما كان الكثيرون حتى مؤخراً يستبعدون حدوثه ألا وهي الحرب الأهلية، التي لا يريدها وترفضها الرئاسة وحماس وكل شعبنا الفلسطيني.

يتساءل الكثيرون حول الحكمة من طرح الإستفتاء حول وثيقة الأسرى على شعب خرج لتوّه من انتخابات هلل الجميع، العدو والصديق، لنزاهتها، واختار حكومة جديدة لها لون مختلف، ولكن لم تعجب نتائجها هؤلاء المهللين.

إن المراقب الحيادي المجرّد من كل الميول الحزبية والأيديولوجية يميل الى الإعتقاد أن ما يجري هو محاولة انقلاب بصورة غير مباشرة وبطريقة غير ذكية على الحكومة الجديدة. والأمر المقلق أن محاولة الإنقلاب الجارية تجري بالتعاون مع الخارج، وهو أمر محرم وطنياً.

كل هذا بدون أن تـُعطى الحكومة الجديدة مهلة زمنية معقولة لتوضع في محك التجربة. هل نحن أمام احتمال تكرار تجربة الجزائر في فلسطين، حيث أقدمت جبهة التحرير، الحزب الحاكم، في بلد المليون شهيد عام 1991 على إلغاء نتائج الإنتخابات البرلمانية لمنع جبهة الإنقاذ الإسلامية التي فازت بالإنتخابات من الإمساك زمام الحكم. كما هو معروف فإن هذه الخطوة غير الديمقراطية أودت بحياة عشرات آلاف الجزائريين.

بعد "صدمة" الفوز وبعد ردة الفعل الأمريكية والأوروبية المعادية، حاولت حماس أن تناور وتلطف من خطابها وتقدم على مبادرات لتحييد الضغوطات الخارجية والداخلية. كل ذلك عكس ارتباك حماس ووضعها الصعب لكونها تعتمد برنامجا سياسيا تفصله مسافات واسعة جداً عما يمكن أن يستوعبه ميزان القوى الحالي وفي ظل الهيمنة شبه المطلقة للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي على القرار الدولي والعربي والرسمي.

ولذلك يصبح السؤال مشروعاً بخصوص صحة أو خطأ قرار حماس ولوج الحلبة السياسية عبر نظام سياسي هو نتيجة اتفاقات لم تعترف بها أصلاً، اتفاقات أوسلو. مع ذلك ليس هذا مبررا لمعاقبتها.

في ضوء ذلك جاءت وثيقة الأسرى لتجسد البرنامج الوطني المشترك الذي تعتمده منظمة التحرير الفلسطينية، وهي تجمع بين المفاوضات والمقاومة.

ولا تستطيع حماس، طالما دخلت اللعبة السياسية على أساس اتفاقيات أوسلو أن تقود حكومة من لون واحد في ظروف الإحتلال المدعوم خارجياً وإن كانت حظيت بأغلبية ساحقة، وبدون تطوير رؤيتها السياسية الكفيلة بتحقيق التواصل مع بقية الفصائل الفلسطينية ومواجهة الضغوط.

كما أن الرئاسة الفلسطينية،مطالبة بإثبات تمسكها الصادق بدور منظمة التحرير الفلسطينية التي جرى تهميشها طيلة فترة أوسلو، وكذلك بالبنود الأساسية لوثيقة الأسرى، أي الثوابت الوطنية المعروفة فضلاً عن مبدأ الجمع بين المقاومة والمفاوضات. ومطالبة بإتاحة الوقت المطلوب للحوار. لأن الإستفتاء مهما كانت نتائجه فهو ينطوي على مجازفة كبرى.

فقط بالحوار ونحو تشكيل ائتلاف وطني عريض وشامل يمكن الخروج من الأزمة والمضي نحو تجديد مسيرة التحرير.


"فصل المقال"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018