لا مكان لاجتهادات تعادي المشروع القومي/ حنين زعبي

يعادي الفكر الصهيوني والمؤسسة الإسرائيلية كافة طروحات التحرر لدى شعبنا، ويقمعها بالقوة، وحيث يفشل يحاول تغليفها بغلاف "التطرف" و"القومجية"، وحيث يتكرّر الفشل يحاول تشكيل قيادات بديلة تقوم هي بمناهضة القوى الوطنية باسم "اللاواقعية". لكن لم يخطر في بال المؤسسة الإسرائيلية أن تنعت نضال شعبنا وحركاته الوطنية، بوصفها حركات استعمارية أو وكيلة للاستعمار، ففي النهاية هناك حد لاستغباء الشعوب والاستهتار بنضالاتها.

وعندما نكون في صدد نقاش يطرح كتعريض بمقال كتب قبل سنة ونصف السنة في منشورة شهرية لجمعية تعمل في مجال حقوق الإنسان، أي ما هو أشبه بعملية "نبش"، أو "تنقيب آثار"، وعندما نقف وراء ما طرح عينيا في الرد، يكون لنا كل الحق والمنطق أن نستنتج أننا لسنا بصدد النقاش حول حقوق وحرية المرأة فقط، أو حول مفهوم "القدسية" وحول من يحدد "القدسية" فقط، بل إننا فعلا بصدد عملية "تنقيب عن آثار" تهدف إلى البحث عما يظنه البعض أنه "مستمسكات" يتم عن طريقها مهاجمة الطرح النسوي والقومي في الداخل، حيث الأخير هو الآن الطرح الجامع لجميع القوى والحركات الوطنية، عدا بعض القيادات المحسوبة على الحركة الإسلامية التي يبدو أنها انتقلت من مرحلة الاختلاف مع هذا الطرح ومناهضته -وإن لم تطرح مشروعا أو برنامجا سياسيا أو حتى أجتماعيا وثقافيا واضحا وصريحا لكي نعرف أين نتفق وأين نختلف معها تحديدا- إلى مرحلة استعدائه جهرا.

الباب الذي تختاره هذه القيادات إذا لمناهضة الطروحات القومية هو الحديث باسم الدين، ومناقشة الآخرين باسم الدين، حيث تظن أن نقاش هذا الباب هو أكثر استعصاء على القوى الوطنية العلمانية، وحيث تظن اولا أن مجرد تسميتها "الحركة الإسلامية" يكفي لاحتكار التفسير الديني والتوجه الديني، وثانيا أن هذا يكفي لكي تفرض نفسها على القوى العلمانية.

وتتجنب الحركة الإسلامية عموما الخوض في صلب المسائل السياسية والنقاش السياسي، فنحن لا نعرف برنامج الحركة بما يتعلق بالصراع مع الهوية اليهودية للدولة، وهل مشروعها البديل هو دولة إسلامية أو بالأحرى خلافة إسلامية- حيث أنّ الدولة هي مفهوم غربي- على كافة فلسطين؟ نحن نعلم عن طرح حزب الله فيما يتعلق بمصير لبنان السياسي، أكثر بكثير مما نعرفه عن طرح الحركة الإسلامية فيما يتعلق بمصير الفلسطينيين في البلاد أو حتى بمصير إسرائيل السياسي.

تجنب النقاش السياسي مع القوى السياسية الأخرى، من جهة، ومن جهة أخرى، محاربة تلك القوى السياسية عن طريق افتعال نقاشات مع جمعيات أهلية، واقتناص نقاشات موجودة على هامش أجندة شعبنا- للأسف- وتشغل بال فئة هي هامش الهامش هو الطريق الذي اختاره البعض للـ"حوار".

إن أدبيات وتنظيرات الطرح القومي موجودة في عشرات المقالات والكتب والبرامج المفصلة والمواقع الألكترونية، وهي خاضعة لمراجعة الكثيرين ونقدهم، ويستطيع الآخرون التنقيب عنها ونقاشها، في المقابل نحن لا نظلم أحدا إذا قلنا إن لا أدبيات يمكن الاعتماد عليها والرجوع لها لاستيضاح فكر الحركة الإسلامية، والصحيفة الأسبوعية "صوت الحق والحرية" تتجنب خوض غمار نقاشات فكرية سياسية شمولية سوى في قضيتين: فكرة المجتمع العصامي -والمجتمع العصامي يستطيع أن يكون متحديا لهوية الدولة، ويستطيع أن يتعايش معها دون صدام أو مواجهة حقيقية، هذا بالإضافة إلى أن افتقاد هذا الطرح لمعالم واضحة، وافتقاده لتنظيرات سياسية واضحة- وفكرة الدفاع عن المقدسات الدينية وتحديدا المساجد والمقابر. أما المرجعية الثقافية الأكثر دلالة لفكر الحركة الإسلامية وثقافتها فهي خطب المساجد، الحيز العام الأكثر خفاء عن عيون الرقابة المجتمعية العامة لغير المشاركين المباشرين بها.

والذي يراقب انشغال نائب رئيس الحركة الإسلامية الشمالية ويتتبع مقالاته يستنتج أن التيار القومي هو العدو الأساسي، وأن احتشام المرأة هو اسم اللعبة لأقلية قومية مضطهدة، وأن جميع ما يقع تحت خانة القطيعة ما بين المرأة الفلسطينية والغرب هو الاسم الحركي لنضال بعض القوى ضد سياسات القمع ومحاربة الوجود العربي في أرض فلسطين، وهو العنوان الذي يختصر مشروع المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني.

إن استهداف الحركة الإسلامية المستمر للجمعيات النسوية، وعدم التمييز في قضية تمويل الجمعيات ككل بين الجمعيات التي تقبل بدعم مشروط، أو تلك التي تقبل بدعم متصل بالوكالة اليهودية أو برؤى صهيونية لا تتفق مع رؤانا الوطنية وبين تلك التي تتحكم أجندتها الوطنية في جميع سلوكياتها مع الصناديق الداعمة ومع المؤسسات الإسرائيلية نفسها، هو نوع من العمى السياسي، وكل عمى سياسي يتعلق بنضال الشعوب هو نوع من العمى الوطني أيضا.

في المقابل نرى ترددا من قبل كافة- وأشدّد على كلمة كافة القوى الوطنية- في "مساءلة"- فكم بالحري المحاسبة التي يجرونها هم على القوى الأخرى- الحركات الإسلامية، فلا سؤال حول الثقافة الاجتماعية، بما فيها الطائفية، التي تعممها هذه الحركات، ولا سؤال حول طبيعة عمل الكم الهائل من الجمعيات المسجلة إسرائيليا والقريبة فكريا لهذه الحركة، وحول مصادر ومصبات تمويلها، ولا سؤال حتى حول مواقفها السياسية، ويبقى النقاش السياسي حكرا أو حصرا على النقاش بين التجمع والجبهة وكأن مواقف الآخرين السياسية لا تؤثر في المجتمع ولا تحتسب.

إن ما يميز الحركة النسوية فكريا هو ليس ما حاول نائب رئيس الحركة الإسلامية إلصاقه بها، بل هو النضال في سبيل حرية المرأة وحقوقها ومكانتها في الحيز العام، وهو رفض المتاجرة بجسد المرأة من جهة، ومن جهة أخرى رفض اعتباره عورة واستحواذه على التنظير والتفكير والمقالات.

ولا أظن بكافة القوى والأحزاب الوطنية إلا أنها تقف وراء حق كل فرد منا في أن يقول ما يعتقده ويؤمن به حول حق المرأة وحريتها، ومحاولات قمع الآراء وبتر النقاشات بحجة أنها نقاشات تكمل ما لم ينجح به "الاستعمار"، هي محاولات تحاول أن تكمل ما لم تنجح به القوى الرجعية . . . ويبقى على القوى الوطنية أن تفرض سبيلها الثالث خارج خياري الاستعمار (بلغة القوى القومية والوطنية: ما تمثله إسرائيل ووكلاؤها) والرجعية.
والمرأة –أجل المرأة، يوجد مفهوم مجرد كهذا- لا تسمح لا للحركة الإسلامية ولا لغيرها بالتعامل مع جسدها كجزء من نضال وطني، ولا تسمح لأحد بتسييسه سواء كان مقدسا أم غير مقدس، ولا تسمح لأحد حتى بتقديسه، ولا يتم فرض "قدسيات" قصرا، ولا يتم فرض "قدسيات" لغايات سياسية، أم أن "المقدسات" باتت الأكثر عرضة والأكثر سهولة للتسييس؟ أم أننا بتنا نختار الهروب من السياسة الحقيقية إلى مجال تسييس "المقدسات"؟

المرأة تريد "فقط" من الآخرين احترام نفسها وجسدها، وهذا الاحترام يتطلب أولا احترام حريتها، ويتطلب ثانيا عدم تسليع جسدها وعدم استرخاصه، ولا يوجد أسترخاص أو انتهاك أكبر من أن يتم عرض جسد المراة كسلعة تباع وتشترى في الصفحات المقابلة أو القريبة لمقالات واجتهادات تتكلم عن "قدسية العذارى"، لا يوجد ما ينتهك كرامة جسد المرأة أكثر من العنف والاعتداء والقمع، وأكثر من إزدواجية تسليع جسدها أو فرض قدسية سياسية قصرية عليه.

نائب الحركة الإسلامية يتجاهل ببساطة نضال الجمعيات النسوية ضد تسليع وانتهاك جسد المرأة في الصحف التجارية العربية لأنه ببساطة يريد لنفسه منبرا هناك.
قناعاته الصادقة في احترام المرأة تجعله يغض الطرف عن صور العري والإغراء في المنابر التي تستضيفه، ودوافعه السياسية تجعله منخرطا في عملية صناعة "للقدسية"، ودوافعه الشخصية تجعله يتجاهل التشابه الكبير بين صناعة "القدسية" وبين صناعة العري.

وفي النهاية مناقشة هذه التوجهات بمضامينها وبأسلوبها الذي يحاول فرض نفسه قصرا هو واجب كل مؤسسة وكل فرد ترى نفسها ويرى نفسه وطنيا وتقدميا، ولا مجال في هذا ولا عذر لأي تردد ولأي انكفاء.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018