لمسة حزن تعود إلى أوروبا../ جميل مطر*


جورجيا لها مكانة خاصة في أكثر من سياق، فهي في الجغرافيا جزء مهم من القوقاز، الإقليم الملتهب دائماً منذ مئات السنين، وقد خضع شعبها مثل غيره من شعوب الإقليم لإمبراطوريات أقامت طويلا وإمبراطوريات عبرت سريعا، وآخرها إمبراطوريات ثلاث تنازعت على الإقليم وتبادلته أو توارثته، وهي الإمبراطوريات الفارسية والعثمانية والروسية القيصرية وخليفتها الروسية السوفييتية.

وبسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية كان جوزيف ستالين، وهو في الأصل من جورجيا، حريصاً على أن يبقيها جمهورية ضعيفة بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي، وقيل وقتها إنه فعل ذلك لأنه في الحقيقة كان من أب ولد في أوسيتيا، الإقليم المتمرد على السيادة الجورجية، فاعتبره الجورجيون خائناً لجورجيا. وكان ستالين الزعيم الذي وضع بنفسه خطة “حشو” جورجيا بكيانات تسكنها أقليات عرقية غير جورجية الأصل مثل أبخازيا Abkhazia وأدزاريا وأوسيتيا الجنوبية، لكي يضمن خضوع جورجيا لموسكو. ولم يكن ستالين الجورجي الوحيد الذي كان يخدم مصالح روسيا على حساب سيادة جورجيا. كان هناك أيضاً شيفارنادزه وزير خارجية روسيا في عهد ما بعد الشيوعية، وكان ثاني رئيس جمهورية لجورجيا في ،1991 بعد انفراط الاتحاد السوفييتي، بينما كان أول رئيس لها رجلاً قيل الكثير عن بلاهته بسبب الأحقاد العرقية التي فجرها في عهده وقد اختلفت الروايات حول ظروف وفاته بين رواية تؤكد مصرعه مقتولاً وأخرى تؤكد انتحاره.

حاول شيفارنادزه لمّ شمل شعوب جورجيا، وكان يردد دائماً قوله المأثور، “مصير روسيا تعكسه القوقاز كما تعكس قطرة الماء أشعة الشمس”. وكان يمكن للعلاقات الروسية الجورجية أن تزدهر لولا نشوب الثورة الزهرية الشهيرة التي أسقطت حكم شيفارنادزه وجاءت بحكومة “ساكاشفيلي” المحامي الأمريكي ذي الأصول الجورجية. جاءت متبنية الدعوة إلى ضرورة انضمام جورجيا إلى حلف الأطلسي، هكذا نشأ السياق الثاني الذي دفع بجورجيا إلى مكانة متقدمة في الاستراتيجية الدولية. كثيرون في الغرب، وعندنا في الشرق الأوسط، لا يدركون مدى أهمية القوقاز لروسيا. القوقاز بالنسبة لروسيا كممرات جبال الألب بالنسبة لسويسرا وإيطاليا، أو مقاطعة ويلز بالنسبة لبريطانيا، أو سيناء بالنسبة لمصر. إن وقوع أي من هذه الأراضي أو الممرات في أيدي قوى أجنبية أو حدوث فراغ فيها يعني تلقائياً وقوع تهديد مباشر للأمن والسلام والاستقرار الداخلي.

ولكن جورجيا تتميز عن غيرها من دول أو مناطق القوقاز بأمور لافتة، إلى جانب أنها أول من تحمس بشدة للانضمام إلى “الناتو” وهي الممارسة التي كانت متوقعة في الغرب بسبب ما اشتهرت به جورجيا وهو أنها الأمة الأشد عنادا في التعامل مع روسيا، الجار الأعظم والمهيمن، والأشد في مقاومة نفوذها. ثم ازدادت أهمية جورجيا مع زيادة الاهتمام الغربي بنفط أذربيجان الذي كان مخططاً له أن يمر بجورجيا في طريقه نحو الغرب، ولم يكن غائباً عن حكام موسكو الجدد، أي بعد الانفراط الشيوعي، أن الولايات المتحدة وضعت جورجيا في بؤرة اهتماماتها الخارجية، وبخاصة منذ قررت تغيير “روسيا” تغييراً جذرياً، وبالتحديد تغيير نمط سياساتها الخارجية وإضعاف نفوذها في دول الجوار. من ناحية أخرى، كانت جورجيا وستبقى خطاً من أهم الخطوط الحمر التي ترسم الحدود الثقافية والسياسية بين أوروبا وروسيا.

وليس بعيداً في التاريخ العنيف للقوقاز، والمنطقة بأسرها، واقع أن هناك علامة خاصة تميز العلاقة بين شعب جورجيا وشعب إيران. فقد خلف الفرس آثاراً بارزة نتيجة خضوع جورجيا مدة 400 سنة لسيطرة فارس قبل أن تغزوها روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، وهو الغزو الذي نتج عنه تنازل إيران عن جورجيا وأرمينيا لروسيا في اتفاقيتي غاليستون عام 1813 وطور كانشاي في 1828.

ولا شك أن هناك أسباباً كثيرة تدفع حكومة جورجيا لإثارة مشكلات مع حكومة بوتين في روسيا، ولكن هناك أسباباً أكثر تدفع حكومة روسيا لإثارة مشكلات داخلية للحكومة القائمة في تبليسي ولجورجيا كدولة وأمة. بعض الأسباب ودوافعه تاريخية كما أشرنا في السطور السابقة، وبعضها ودوافعه إقليمية تتعلق بالأهمية الاستراتيجية للقوقاز بالنسبة لروسيا. ومع ذلك تبرز ثلاثة أسباب على الأقل من كل الأسباب التي طرحتها أو ناقشتها أجهزة الإعلام في الآونة الأخيرة، هذه الأسباب هي:

1 لم يكن ممكناً أن تسمح روسيا بأن تنجح الولايات المتحدة في نشر منظومة درعها الصاروخية على مقربة من أراضيها، من دون أن توجه إنذاراً قوياً وحاسماً لكل من بولندا وتشيخيا اللتين وافقتا على إقامة الدرع على أراضيها. روسيا تعرف أن الدرع موجهة ضدها أكثر مما هي موجهة ضد إيران أو غيرها من دول الشرق الأوسط.

2 كانت الفرصة مثالية لأن تقوم جورجيا بالانتقام من حكومة موسكو، أرادت من ناحية توريط أمريكا ودول أوروبا في الالتزام بحمايتها، وبمعنى آخر حماية حكومة تبليسي المهددة بالسقوط، وقد أساءت جورجيا تقدير الفرصة. تصورت أن انشغال روسيا في مباحثات في بكين مع الولايات المتحدة سيمنع الجيش الروسي من التقدم إلى داخل أراضي أوسيتيا وأبخازيا.

3 ليس من المستبعد أن تكون جورجيا قد تلقت ما تصورته ضوءاً أخضر من أمريكا لجس نبض العلاقة بين بوتين ورئيس الجمهورية الجديد، ومدى التزام حكومة موسكو بمشروع النهضة الذي تعهد به بوتين، وربما أيضاً امتحان القوة العسكرية الروسية ومدى قدرتها على التحرك في ركن قصير لمواجهة أزمة خارجية في دول الجوار. كان هذا على الأقل ما أوحت به مجلة “نيو ستيتسمان” البريطانية عندما اتهمت بصراحة المحافظين الجدد وديك تشيني و”إسرائيل” بأنهم وراء تشجيع رئيس جورجيا على الدخول في مناطحة مع روسيا ودفعها للقيام بعمل عسكري. كذلك نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا ورد فيه رأي مماثل إذ تحدث الكاتب عن أن الولايات المتحدة ربما كانت تراهن على عمق الغضب الروسي المعروف، وعلى رغبة رئيس جورجيا وتصميمه على إثارة هذا الغضب.

4 ولم يستبعد خبراء في الغرب ما أوردته مجلة “نيوستيتسمان” من أن يكون ل”إسرائيل” دور في إشعال الأزمة أو زيادة التوتر، رغبة في الانتقام من حكومة موسكو لموقفها من كبار رجال الأعمال اليهود، ولإعلانها المتكرر عزمها على استئناف دورها في الشرق الأوسط، وأملاً في أن تسفر أزمة جديدة في روسيا والقوقاز عن هجرة يهود جورجيا بعدما كادت الهجرة تتوقف ويجف معين الدماء الجديد الحيوية لاستمرار احتلال “إسرائيل” للأراضي الفلسطينية. وقد أكدت دوائر رسمية المعلومات التي انتشرت عن الدور الذي لعبته “إسرائيل” في تزويد جورجيا بالسلاح وخبرة القتال وتزويد الميليشيات المعادية لشعب أوسيتيا بالمعدات والتدريب على أعمال القتل والتخريب.

يبقى أن موسكو التي بالغت في رد فعلها على ما أقدمت عليه حكومة تبليسي، سواء أكانت مدفوعة من الخارج أم بدافع داخلي، أرادت إبلاغ حكومات أرمينيا وأذربيجان وأوكرانيا رسالة معينة، وهي أن موسكو لن تتهاون في حماية أمنها القومي ولن تترك لأمريكا أو الاتحاد الأوروبي، أي لـ”الناتو”، الفرصة ليعود فيفرض الحصار عليها ويقيد حريتها في الحركة في جوارها القريب. أرادت أيضاً إبلاغ هذه الحكومات رسالة أخرى مفادها أن أمريكا لن تتدخل لحمايتها من إجراءات “تدخل إنساني” تقوم بها روسيا كتلك الإجراءات التي تقوم بها أمريكا ودول الغرب، وأن التدخل في جورجيا لم يقع إلا لأسباب إنسانية حين تهددت أقلية معينة وبخاصة الأقلية الناطقة بالروسية بعمليات إبادة.

أرادت ثالثاً إبلاغ حكومات تشيخيا وبولندا وغيرهما من دول أوروبا الشرقية أن حلف الناتو لن يمنع روسيا من التدخل أو القيام بعمليات رد الفعل إن ساعدت أي منها في إقامة منشآت عسكرية تهدد سلامة الاتحاد الروسي. وقد ألمحت بالفعل إلى أنها ليست بحاجة إلى حليفتها روسيا البيضاء إن أرادت التدخل في بولندا وغيرها، فإقليم كالينجراد الذي يخضع لروسيا هو أقرب لبولندا من أية دولة حليفة لروسيا، ومنه تستطيع القوات الروسية توجيه ضربات حاسمة لبولندا.

مرة أخرى، تعود إلى أوروبا لمسة حزن كان الظن أنها اختفت ولن تعود. عادت أجواء الحرب الباردة. أمريكا لا تريد أن تترك الساحة الأوروبية بغير دفاع أمريكي، وروسيا لا تريد أن ينتهز الآخرون فرصة إعادة البناء لتقزيمها والتقليل من شأنها ودورها، وأوروبا لا تريد أن تعود ساحة لصراع توتر بارد أو ساخن بين أمريكا وروسيا. وهي بالتأكيد لا تريد أن تكون ساحة لما هو أخطر كثيراً من الحرب الباردة الأخيرة. لا تريد أن تكون ساحة لحرب باردة أو ساخنة بين الغرب من ناحية، وعلى الناحية الأخرى الشرق بمعناه الجديد حيث الصين وروسيا وربما إيران وثلة من أمم لم تزل تحمل للغرب، وبخاصة حروبه الأخيرة كالحرب ضد الإرهاب، أسوأ الذكريات وأتعس التجارب.
"الخليج"