لو كنت إسرائيليا../ خليل شاهين*

لو كنت إسرائيليا، لما أضعت ما يعرضه برنامج الحكومة الفلسطينية من تهدئة تشكل فرصة ذهبية يخطئ الإسرائيليون إن لم يغتنموها، كما يخطئ الفلسطينيون إن لم يتراجعوا عنها كما وردت في البرنامج.

ثمة خلل استراتيجي في عرض التهدئة الفلسطيني يمكن أن يشكل ربحا استراتيجيا صافيا لإسرائيل، إن أحسنت توظيف العرض لصالحها على المدى البعيد. ففي نهاية المطاف، فلسطينيون هادئون لا يعترفون بإسرائيل أفضل من فلسطينيين مشاكسين حتى لو اعترفوا بإسرائيل.

صحيح أن عرض التهدئة في برنامج الحكومة يرتبط بوقف سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية، لكنه ثمن يمكن لإسرائيل دفعه طالما أن مثل هذه الإجراءات لا تمس جوهر سياسة تأبيد الاحتلال والفصل العنصري، بل وسبق أن عرضت إسرائيل اتخاذ إجراءات مماثلة من طرف واحد، ضمن ما يعرف بـ "حسن النوايا"، أو إجراءات "بناء الثقة"، من قبيل إزالة الحواجز ورفع القيود عن حركة تنقل الفلسطينيين ووقف الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات وهدم البيوت وتجريف الأراضي.

الفلسطينيون يقدمون عبر التهدئة ثمنا استراتيجيا، فيما يطلبون من الإسرائيليين ثمنا تكتيكيا متواضعا، لو كنت إسرائيليا لما أهملت النظر في تلبيته. تخيلوا تهدئة شاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي إسرائيل، حتى من دون أن يطلب من إسرائيل في مقابلها أن تعيد سحب قواتها إلى مواقعها قبل الانتفاضة، أو أن تحترم الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، أو تزيل الجدار الفاصل أو حتى تعدل مساره، أو أن يطلب منها إزالة أية بؤرة استيطانية، بما في ذلك ما تنص على إزالته المرحلة الأولى من خطة خارطة الطريق، أو حتى تلك البؤر التي تعتبرها إسرائيل نفسها "غير قانونية" وأعلن وزير الدفاع عمير بيرتس عزمه على إزالتها. بل أن العرض الفلسطيني لا يطلب أكثر من وضع جدول زمني لإطلاق سراح آلاف الأسرى؛ جدول من دون موعد يحدده العرض الفلسطيني، ويترك لإسرائيل تحديده على راحتها، وربما على مدى زمني يكفل موت قدامى الأسرى والمرضى في السجون قبل أن يحين وقت تحررهم.

لو كنت إسرائيليا، لنظرت إلى الوجه الآخر للعرض الفلسطيني: تهدئة من دون صواريخ تهدد سكان جنوب إسرائيل، أو تهريب أسلحة عبر الأنفاق، أو عمليات تفجير في المدن الإسرائيلية، أو إطلاق نار على سيارات المستوطنين.. تهدئة مع بقاء الاستيطان وتسمين المستوطنات، وتسريع العمل لاستكمال بناء الجدار والشوارع الالتفافية، واستكمال خطط عزل القدس والأغوار، وحشر الفلسطينيين في كانتونات.. تهدئة لا تشترط التوصل إلى تسوية سياسية ضمن جدول زمني محدد.. باختصار، إنها تهدئة مقابل بقاء الاحتلال.

يرتكب الفلسطينيون خطأ استراتيجيا في برنامج الحكومة، فهو يحول المقاومة إلى مجرد حق مطلوب الاعتراف به دون ممارسته، طالما أن هناك عرض تهدئة بلا سقف زمني. وهو أمر يذكر بأصوات فلسطينية تتمسك بحق عودة اللاجئين من زاوية مطالبة إسرائيل بالإقرار بهذا الحق وبمسؤوليتها عن "مأساة" اللاجئين، لكن من دون ممارسة حقهم بالعودة إلى الديار التي هجروا منها. اليوم، يطلب من إسرائيل والعالم أيضا، الاعتراف بالمقاومة كحق لا مجال لممارسته مع عرض التهدئة المفتوحة بلا أفق سياسي. فما الضير في اعتراف إسرائيل بحق من تحتلهم في مقاومتها طالما أنهم يتعهدون بالبقاء هادئين تحت احتلالها وفي ظلال جدارها الفاصل؟ّ! وما الضير كذلك، في اعترافها بحق العودة طالما أن اللاجئين لن يعودوا أبدا إلى أراضيهم وممتلكاتهم؟!ّ

لو كنت إسرائيليا، لأدركت أن عدم ربط الفلسطينيين عرض التهدئة الشاملة والمتزامنة بجدول زمني للمضي في عملية سياسية تضمن إنهاء الاحتلال، إنما يعني ربحا صافيا لإسرائيل غير الجاهزة لاتخاذ القرارات الكبرى التي تتطلبها أية عملية سلام حقيقية. إنها تهدئة بلا أفق سياسي محدد، بل ومفتوحة على المجهول بالنسبة للفلسطينيين، وبذلك فإن إسرائيل بالتقاطها لهذا العرض تمسك بفرصة فريدة لشراء ما تحتاجه من وقت لاستمرار التهرب من الوفاء باستحقاقات السلام، واستكمال مخططات التهويد والاستيطان والجدار.

نعم، لو كنت إسرائيليا، لاشتريت التهدئة المعروضة مقابل مطالب متواضعة، ولما أضعت فرصة استراتيجية لترويض الفلسطينيين تحت الاحتلال، واقتلاع أسنانهم، حتى وإن لم يعترفوا بإسرائيل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018