ليبرمان والنساء الفلسطينيات (تساؤلات نسوية)/ جنان عبده- مخول*

مع اقتراب اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء والذي يصادف في 25 من الشهر الجاري يثار تساؤل حقيقي حول مفهوم العنف ومفهوم مقاومته وأساليب هذه المقاومة.
لقد عانت النساء على مر العصور وفي كل المجتمعات من القهر الاجتماعي المرتكز على قهر جنسي للمرأة وهناك من اسماه قهرا نابعا من خوف لما تحمله المرأة من قوة جراء كونها القادرة على وهب الحياة- من خلال عملية الحمل ومن ثم الانجاب. هذا القهر افرز تمييزا اجتماعيا وسيطرة على المرأة وعلى جسدها وعلى حقها في التصرف بهذا الجسد، وتم توظيف هذا الجزء للمصلحة العامة واستعماله كسلعة- أداة- شيء. ففي الحروب او في معركة مقاومة العدو والمحتل يتحول جسد المرأة لاداة مقاومة من خلال توظيف رحمها وعملية الانجاب لمقاومة الاحتلال ومقاومة قمع العدو وقمع المحتل والذي ينظر الى المقموعين كخطر ديمغرافي، او يتم استعمال صور المرأة ولباسها كممثلة للذات الجماعية القومية مقابل معركة الغزو الثقافي الحضاري للآخر. وفي حالات القمع الاجتماعي والفقر يتحول جسد المرأة لسلعة تباع وتشترى وتقوم شركات عالمية بتولي هذه المهمة ورعايتها ويصبح الممنوع مسموحا والحرام حلالا!! ففي الدول التي تسمي نفسها "بالمنفتحة والمتحررة" يكشف جسد المرأة ويعرض سواء في الافلام والمجلات او في سوق الدعارة، وفي الدول الاقل انفتاحا تجري هذه العملية سرا وباماكن مغلقة معتمة وتتم السيطرة على جسد المرأة ولباسها بشكل محكم، والامران سواء فكلاهما يتعامل مع المرأة بكونها شيئًا يمكن التحكم به وبيعه وشراؤه. في حالات كهذه تكون فيها رغبة القوي الرجل- ولا أقصد هنا كل رجل بل ذلك الذي يتبنى هذه الأفكار- بالتسلط والسيطرة ويتم اذلال النساء من خلال السيطرة عليهن جنسيا وجسديا وايضا التنكيل بهن من خلال اعتداءات جنسية او جسدية او كليهما. في كل هذه المعارك بين القوي والضعيف، بين القامع والمقموع يتحول جسد المرأة لأداة قمع ولأداة مقاومة بالنسبة للطرف الآخر- المقموع. فمقابل السيطرة على المرأة وحقوقها وضمنها حقها على جسدها وتصرفاتها، تأتي ردة فعل الاطر النسوية مطالبة - اضافة لحق المرأة في الحياة والعيش بكرامة- بحقها على جسدها وتصرفاتها.

هذه المعركة تدور رحاها في ساحات مختلفة من ساحات العالم الغربي والشرقي، الاجنبي والعربي على حد سواء. هذه المعركة تدور رحاها احيانا في الساحات الامامية من خلال شاشات التلفزة ومن خلال اكتساح الشوارع بالمظاهرات ومن خلال الوصول للبرلمانات والضغط على الحكومات بإجراء تعديلات في القوانين لصالح النساء، واحيانا أخرى تدور هذه المعارك بصمت في الساحات الخلفية داخل البيوت، بين افراد العائلة الواحدة.

في السياق المحلي الفلسطيني يمكن القول ان الاطر النسائية والنسوية المطالبة بحق المرأة في العلم والعمل والسيطرة الاقتصادية والتملك والحياة، قطعت شوطا كبيرا وحققت انجازات تذكر لصالحها في هذا الحقل.
لقد قامت أطر نسوية عدة بالتصدي لكافة أشكال العنف واعلنت الثورة على مفاهيم وممارسات مهينة للمرأة ونجحت بكسر حاجز الصمت الذي كان قائما على هذه الحالات والتي تم التعامل معها سابقا على انها حالات فردية خاصة وليس كونها قضية اجتماعية ومسؤولية جماعية. وقامت بعض هذه الاطر بالتصدي لتفوهات خطرة قام بها ممثلو جمهور ايدوا علنا او شرعوا او برروا العنف الممارس ضد النساء بما فيه القتل وذلك بحجج اجتماعية مختلفة محاولين تجيير الدين والأقوال الدينية لصالحهم، الامر الذي فنده الكثير من رجال الدين الذين أوضحوا ان الديانات السماوية كافة تنهى عن القتل وتمنعه وتعطي الصلاحية في العقاب للخالق وحده.

لكن السؤال الذي يثار اليوم ومجددا هو: هل يمكن تجزيء العنف؟! وهل يمكن تجزيء مقاومته؟! هل يمكن أن تكون او أن تكوني مدافعا/ ة عن حقوق الإنسان والمرأة ضمنه في الحقل الاجتماعي والديني ولا تقوم/ ين بذلك في حقول اخرى؟! اليس الصمت على ممارسات وتصريحات عنصرية وعنيفة كتصريحات ليبرمان عن العرب وعن اعضاء الكنيست والتي لا تقل عنفا عن ذلك المصرح به او الموجه ضد النساء هي حالة من التنازل والتجزيئية- تجزيئية المعركة والمقاومة، وتجزيئية مفهوم العنف؟! كيف يمكن اذن ان تقبل امرأة في موقع متقدم سياسيا- كناديا الحلو مثلا والمعروفة بنضالها في قضايا العنف ضد النساء- ان تجلس في حكومة واحدة مع حزب كحزب ليبرمان شعاره هو العنصرية- والعنصرية هي اكثر حالات العنف المعمم تجاه ليس فرد بل تجاه مجموعة كاملة من البشر؟! كيف يمكن مثلا الخروج بتظاهرة او تقديم اقتراح قانون لصالح النساء والصمت عن تصريحات وممارسات لييبرمان وحزبه ومؤيديه، او الاكتفاء بالضريبة الكلامية من خلال مطالبته بـ"التراجع عن تصريحاته"- هل هذا حقا كاف؟!!.
كيف تصمت الاطر النسوية المطالبة بحقوق النساء كمجموعة اجتماعية مضطهدة عن تصريحات ليبرمان؟. كيف تصمت الناشطات السياسيات والاجتماعيات في الحقل النسوي والنسائي عن وصول ليبرمان وحزبه لمنصة الحكومة وانضمامه اليها؟.
حتى أوفير بينيس- ابن حزب العمل- لم يقبل ان يكون في موقع تناقض قيمي اخلاقي- حسب مفاهيمه- وقدم استقالته وتنازل عن المقعد- المنصب الوزاري الذي كان يحظى به. فلماذا لا يحذو حذوه باقي اعضاء الكنيست العرب في الاحزاب الصهيونية- خاصة حزب العمل؟! لربما يكون الجواب بكون اوفير بينيس كشخص يهودي ليس لديه تناقض مفاهيمي قيمي بين كونه يهوديا وكونه ينضم لحزب صهيوني. وان التناقض والاشكالية الاساسية تكمن في انضمام اعضاء عرب فلسطينيين اصلا ممن مر أهلهم بويلات النكبة الى حزب صهيوني!! فهنا مربط الفرس وهنا اصل المشكلة.
المشكلة اذن هي مبدئية وهي ليست في الصمت على ليبرمان وامثاله او الموافقة على التواجد في حكومة واحدة معه، المشكلة هي بمراحل اولية- بدائية اكثر. المشكلة هي في موافقة فلسطيني/ة عانى اهله/ اهلها ويلات النكبة على الانضمام الى حزب صهيوني. من يوافق اصلا على هذا لن تكون عنده مشكلة بالتالي بالموافقة على البقاء في حكومة الحرب التي جلبت الويلات على الشعب اللبناني. لكن وبالمقابل لا يمكنه ايضا التنصل من المسؤولية ومن شراكته في المجازر التي ارتكبت هناك في قانا وبنت جبيل وغيرها من القرى اللبنانية التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية. من يوافق اصلا على هذا التنازل المبدئي لا تكون لديه- كما يبدو- مشكلة في الصمت على الممارسات الهمجية التي تجري ضد ابناء شعبنا- شعبه في غزة كل يوم. فلماذا نستغرب اذن من بقائه- بقائها في حكومة تضم عنصريا فاشيا كليبرمان!! وهي خطوة اضافية فقط. لماذا نستغرب اذن ان تقوم عضوة كنيست عربية من حزب صهيوني- مستقبلا- في المشاركة باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء مثلا والتحدث هناك عن ضرورة وقف العنف ضد النساء!! او عن اهمية الرؤية الشمولية كون العنف لا يتجزأ!!..
فهل يكون هناك عندها من معنى للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء؟! عندما لا نعي الرسالة التي وجهتها لنا دولة إسرائيل من خلال مجزرة كفر قاسم وغيرها من المجازر!!
سؤال اخير موجه للاطر النسائية والنسوية: لماذا نطالب دوما الاطر السياسية والاحزاب باتخاذ مواقف من قضايا المرأة- الامر الذي عليها بنظري ان تقوم به من منطلق واجبها اولا تجاه نفسها وجمهورها- ولا نقوم نحن النساء والنسويات والاطر النسائية والنسوية بأخذ دورنا الفعلي ايضا في المشاركة على سبيل المثال لا الحصر- بإحياء ذكرى النكبة والمجازر المختلفة ويوم الأرض وهبة الأقصى. بينما نعيب على الرجال والاطر السياسية عدم اخذ دورهم الكافي في المشاركة بالمظاهرات والتنديد في قضايا العنف ضد النساء؟!
وكيف نخرج للتنديد بممثلي جمهور من العرب بيننا- وهو ايضا امر من واجبنا القيام به أخلاقيا- ممن ايدوا او شرعوا قتل نساء او صمتوا على ذلك ولا نقوم بالمقابل بالتنديد بامرأة في موقع تمثيلي متقدم تقبل ان تجلس في حكومة الحروب والمجازر او ان تجلس اصلا في حزب صهيوني؟! وهو امر من واجبنا الأخلاقي والمبدئي القيام به.
فهل العنف يتجزأ؟! وهل ادوات واساليب مقاومته تتجزأ هي ايضا؟! هل نتحدث هنا عن مبدأ ام تكتيك. هل مواقفنا مبدئية أم براغماتية؟!
هذه الأسئلة والتساؤلات أوجهها للاطر النسوية والنسويات بيننا لنعيد محاسبة الذات ونعمل دوما على ترتيب أوراقنا الداخلية كي لا نضع أنفسنا في موضع النقد الخارجي وكي لا نتوقف عن ان نكون نقديات. هذه الأسئلة أوجهها خاصة عشية اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء لأهميتها، كي لا تتحول القضية لقضية جزئية محلية عينية، بل يجب رؤيتها في السياق الأعم والأوسع. فكما ان العنف ضد النساء هو احد أشكال العنف كذلك العنصرية ضد العرب هي احد أشكال العنصرية. والصمت والتغاضي على احدهما يحدث فجوة مفاهيمية وفجوة بل وتناقضا قيميا وأخلاقيا بين شعاراتنا وممارساتنا.
وكل عام والجميع بخير.

_______________________________
* ناشطة سياسية ونسوية من حيفا

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018