مأزق إسرائيل في رهانها على القوة!../ د. برهان غليون

لا ينبغي لعمليات القتل الجماعي التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في لبنان، والتي كانت مجزرة قانا الثانية نموذجا حيا لها، أن تخفي المأزق الذي وصلت إليه نظرية الأمن القومي الإسرائيلي القائمة على اعتبار التفوق العسكري الساحق أساس الردع الشامل والوقاية المؤكدة من احتمالات تعرض المصالح الإسرائيلية الإستراتيجية للخطر. بل إن هذه العمليات التي تشير إلى العودة إلى منطق الانتقام والقتل والإرهاب البسيط، ليست سوى التعبير عن هذا المأزق والرد الهمجي واللاعقلاني عليه.

فما كانت تخشاه إسرائيل وتعمل جاهدة لإبعاده عن الحدوث قد حدث بالفعل. فقد كشفت ضربات المقاومة اللبنانية، التي وجهت للأراضي الإسرائيلية في سياق المواجهة المستمرة منذ أسابيع ثلاثة، عن هشاشة هذه الاستراتيجية وانهيارها أمام صواريخ حركة مقاومة بسيطة لا تكاد تزن شيئا في موازين القوة الاستراتيجية العالمية. وأصبحت المدن الإسرائيلية، التي بقيت في منأى من ضربات الجيوش العربية منذ عقود، على مرمى الصواريخ القريبة والبعيدة. وحتى لو لم يشارك أي بلد عربي في هذه الحرب، فقد قدمت معركة الصواريخ صورة مصغرة للحروب المحتملة الممكنة، وبينت الهشاشة البنيوية لإسرائيل ودفاعاتها الاستراتيجية في مواجهة أي قوى منظمة ومحدودة، تمتلك حدا أدنى من التصميم والإرادة.

والدرس الرئيسي الذي ينبغي على إسرائيل أن تأخذه مما حصل، هو أنها لن تستطيع الحصول على السلام والاستقرار بالقوة العسكرية، مهما بلغت هذه القوة من التقدم التقني، ومهما كانت درجة تفوقها على الدول العربية منفردة أو مجتمعة. فلم تكن هناك حاجة حتى إلى تدخل هذه الدول ولا إلى جمع قواتها معاً كي يمكن اختراق حاجز الردع والرعب الذي حاولت إسرائيل أن تشيده خلال العقود الماضية، بتكرار الحروب التدميرية والانتقامية المتواصلة وعمليات الاجتياح والعقوبات الجماعية والتدمير المتواصل.

وما ينطبق على إسرائيل ينطبق على الإدارة الأميركية نفسها. فلم تعد مشاركة واشنطن في الحرب الراهنة سرا على أحد، لا من حيث القرار ولا التخطيط ولا التصميم ولا الرعاية السياسية والدبلوماسية. لا بل إن هناك من المحللين من اعتبر أن إسرائيل تخوض حربها في لبنان بالوكالة عن الولايات المتحدة. لكن بصرف النظر عن ذلك، لا يختلف سلوك الإدارة الاميركية في سعيها إلى الدفاع عن رؤيتها للاستقرار العالمي وعن مصالحها الحيوية عن سلوك إسرائيل عموما. فهي تبني استراتيجيتها القومية أيضا على نظرية التفوق العسكري والاستراتيجي الحاسم، وتعتقد أن زيادة قدرتها على خوض الحرب في أكثر من مكان وعلى أكثر من جبهة، وانفرادها في ذلك، يشكل أو ينبغي أن يشكل رادعا يمنع أي قوة أخرى، رسمية أو أهلية، من التعرض للمصالح الأميركية خوفا من عواقب الانتقام. لكن إذا كان هذا المبدأ يسري على الدول والجيوش الرسمية التي لا تستطيع إلا أن تحارب في مسارح مكشوفة، فهو لا يسري على القوى غير النظامية وغير الرسمية التي لا تعبأ كثيرا بنتائج عملها على المستوى الرسمي، بل تجد في انتقام القوة المتفوقة من المدنيين، وتدمير البنى التحتية للدول والمجتمعات، فرصتها لتعبئة ما تبقى من الرأي العام، وجره معها إلى معركة الكرامة والدفاع عن النفس.

وكما ولد "حزب الله" ومقاومته من أنقاض المنازل والبنى التحتية المدمرة بالقصف العشوائي وعمليات الاجتياح الاسرائيلية المتكررة في جنوب لبنان، منذ ثلاثة عقود، نشأت قوى التمرد الإسلامية على أنقاض المشاريع السياسية الوطنية التي دمرتها سياسة القوة والتفوق العسكري الإسرائيلي والأطلسي في أكثر البلاد العربية، وفي مقدمها فلسطين والعراق.

فالقاسم المشترك بين إسرائيل والإدارة الأميركية الحالية هو الرهان على القوة، وعدم الاعتراف بالطرف الآخر أو احترام مصالحه الرئيسية. وسبب هذا الرهان ومصدره واضح للعيان. إنه الطمع والأنانية والسعي إلى الاستئثار بالمصالح جميعها، وفرض الأمر الواقع والإذعان على الخصم، أي رفض الحلول السياسية القائمة بالضرورة، وبقدر ما هي سياسية، تحتكم إلى القانون والأخلاق لا إلى القوة المادية المدمرة، على القبول بتوازن المصالح وتقاسم المنافع بين الأطراف، بصرف النظر عن ضعفها أو قوتها.

وبعكس ما تردده تحليلات الدبلوماسيين والمراقبين الأميركيين والغربيين عموما، ليل نهار، لا ينبع الإخفاق في إيجاد حل لأزمة الشرق الأوسط، والتي لا تزال الدبلوماسيات الأميركية والأوروبية ترسل المبعوثين لمعالجتها منذ عقود، من صعوبة المشاكل التي تطرحها، ولا من تعقد النزاعات التي تكمن في أساسها، وإنما من رفض هؤلاء مبدأ التسوية السياسية الذي هو مفتاح أي حل، في الشرق الأوسط وفي جميع مناطق العالم أيضاً. فإسرائيل تريد الأمن والاستقرار المطلق على حدودها، لكن من دون أن تتخلى عن أهدافها التوسعية، سواء ما تعلق منها باحتلال الأرض أو حجز الأسرى أو ممارسة الحق في قصف المدن والقرى وتدمير بنيات المجتمعات، جراء أي مساس، مهما كان تافها أو رمزياً، بأمنها أو سيادتها. وتريد إسرائيل استيطان الأرض الفلسطينية، وتقطيع أوصالها، وتحويل الفلسطينيين إلى مهجرين داخل وطنهم، وأن تقيم نظاماً عنصرياً أسوأ بما لا يقاس من النظام العنصري الذي كان قائما في جنوب أفريقيا، وترفض الاعتراف بأي حق لمقاومة هذا الاستيطان وذاك النظام، وتعتبره مساساً بسيادتها وأمن مواطنيها! وتبرر بذلك استخدامها الدائم والشامل للعنف، بكل أبعاده، ضد الفلسطينيين. وهي تريد السلام كذلك مع سوريا والعالم العربي، لكن مع ضم الجولان كأمر واقع، وتحويله إلى أرض للاستيطان اليهودي المتوسع باستمرار. والنتيجة أن أمن إسرائيل واستقرارها لا يمكن ضمانهما إلا بتقويض الأمن القومي لجيرانها، وزعزعة استقرار مجتمعاتهم، حتى في حده الأدنى. بل إنها تطلب أن تجعل الدول العربية من هاجس الأمن القومي الإسرائيلي مركز اهتمامها، وتحوله إلى البند الأول في أجنداتها "الوطنية"، إن وجدت هذه الأجندة أصلاً!

هذا التصور العصابي للأمن القومي والمصالح القومية عند إسرائيل، كما هو الحال عند الإدارة الأميركية، الذي يخفي طمعاً لا حد له في السيطرة على مصالح الآخرين وحقوقهم، هو منبع الحروب ومفجر النزاعات في الشرق الأوسط، بما في ذلك النزاعات داخل البلاد العربية نفسها، التي تمثلت العديد من نخبها الحاكمة منطق السيطرة الإسرائيلية والأميركية القائم على الاستخدام المفرط للقوة، وطبقته على شعوبها.

وجوهر هذا المنطق الاحتكام الدائم والأعمى للسلاح، بدل الحوار والتفاوض والتسوية. ولا يمكن لمثل هذا المنطق إلا أن يقود إلى طريق مسدود، أي إلى تخليد الأزمة وجعل الحروب والمعارك العسكرية والانقلابات، اللغة السائدة في علاقات الشرق الأوسط الدولية والوطنية على حد سواء. ومن هنا لن يكون لأي إجراء جزئي؛ من وقف لإطلاق النار إلى تأمين ممر للعمل الإنساني، إلى وضع قوات دولية على الحدود... أي قيمة أو أثر في وقف مسلسل العنف والدمار، ما لم يرتبط بمعالجة جذر المشكلة، أعني وضع حد لمنطق الاغتصاب والسيطرة المنفردة والتمييز الصارخ أمام القانون. وهو بالضبط ما تسعى إلى الالتفاف عليه سياسة القوة والحرب المستمرة.


"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018