مؤتمر بغداد.. التحوّل الأمريكي.. ووصية كيسنجر!/ عبد اللطيف مهنا

التحوّل الأمريكي... أهو توصيف مبالغ فيه لما بات يطلق هذه الأيام على المسعى الأمريكي لعقد المؤتمر الأمني شبه الدولي حول العراق منتصف هذا الشهر في بغداد؟!
الدعوة عراقية، و الإيعاز أمريكي، والمدعوون، هم أولاً، ما يعرف بدول الجوار، وعلى رأسهم، وهنا بيت القصيد، دولتا الممانعة، أو هاتان الدولتان الموصوفتان بالمارقتين في القاموس الأمريكي، أو ما كان ينطبق عليهما قولة بوش الشهيرة: من ليس معي فهو ضدي، أي إيران وسوريا...

دعوتهما، لا تعني إخراجهما من ذات القاموس، ولا من تحت مرامي ما تستوجبه طائلة تلك المقولة، كما سوف سيستدرك الداعون فيذكّرونا به فيما بعد وبعيد إطلاق الدعوة مباشرةً... أما المؤتمر البغدادي المزمع فلا يكتمل بالنسبة لهم إلا بحضور شهود كمنظمة المؤتمر الإسلامي، والجامعة العربية، وحلفاء مثل الاتحاد الأوروبي، ومقتدرين ضامنين مفترضين هم الخمسة الكبار، أي أصحاب الحل والعقد في هذا العالم إذا ما سمحت لهم القوة العظمى الوحيدة المنفردة بهذا الحل والعقد، أي صاحبة الدعوة إياها... والمحاولة هي هي نوع من بداية لعلها الأقرب إلى توخي جس نبض الأطراف المدعوة، أو هي جزء من مساعي اللملمة الأمريكية الحثيثة للأوراق الممكن جمعها لعلها تسهم في المساعدة على خروج الغزاة من المأزق العراقي بأقل الخسائر إن لم يكن الحد الأدنى من المكاسب الاستراتيجية... أو على "الخروج المشرّف"، وفق التوصيف الذي اضطر ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي وأكثر الاستباقيين تشدداً في بلاده، للنطق به مرغماً في اليابان مؤخراً... وهي بداية فحسب، لأنه ستعقبها أخرى، أي مؤتمر لاحق في ذات المكان ولذات الغرض، الشهر الذي يلي شهرنا هذا، قد تحضره بالإضافة إلى حضور الأول، ما يعرف ب"الثمانية"، أي الدول الأغنى في العالم.

إذن، المطلوب، من كل هذا الحضور، إذا ما سارت الرياح وفق ما تشتهيه سفن الداعين، هو مساعدة الولايات المتحدة على إنجاز خروج ديك تشيني المشرّف... بمعنى العثور على طوق النجاة المنقذ من غائلة أوحال عبثية "الفوضى الخلاقة"، والتخلّص من تكاليف مردودها فائق الجسامة، ليس على المنطقة والعالم فحسب، وإنما على صورة ومصالح الإمبراطورية الكونية الأمريكية، ومستقبل محافظيها الجدد، بعد أن بدأت هيبتها وسطوتها وقدرتها تشهد بدايات العد العكسي نحو حتمية التآكل فالإضمحلال.

مدعاة هذا التحوّل، إن أثبتت الأيام القادمة جواز إطلاق مثل هذا التعبير على مثل هذا المنحى، هو تحوّلات أخرى دفعت الذين كانوا يزعمون بأنهم لا يرتضون بالانتصار الكامل بديلاً في العراق إلى البحث عن ما يدعونه "الخروج المشرّف" منه، أولها:

فشل الخطة الأمنية في بغداد المحتلة، التي حُشد لها، كما يقال، ما يقارب ال 95 ألف جندي، وجرت التحضيرات لها في أجواء هي الأشبه بإعادة غزوها من جديد. إذ أن من شواهد فشل هذه الخطة الدموية التي أطلق نفيرها حملة إعلامية موازية وتوفرت لها آلة عسكرية هائلة الإمكانيات، أن الاختراقات المضادّة لها التي سجلتها المقاومة العراقية قد وصلت إلى حيث قلب الوزارات الحصينة واستهدفت من بين من استهدفت نائب رئيس عراق ما بعد الغزو، كما ازدادت خسائر جيش الاحتلال في العاصمة العراقية التي تشهد ساحاتها الجحافل الموكل لها مهمة تنفيذ هذه الخطة، وكذا الأمر في صفوف حلفائه البريطانيين في البصرة جنوباً... بالإضافة إلى استمرار تصاعد مسلسل العنف البغدادي اليومي المعهود المجهول المصدر، بالتوازي مع ازدياد تفكك عرى إئتلافات ما تدعى "العملية السياسية" في عراق ما بعد الغزو، وكثرة من باتوا ينعونها من بين أهلها أنفسهم...

قبل إعلان الدعوة للمؤتمر البغدادي المزمع سبق وأن سمع الأمريكان قبل سواهم رئيس استخباراتهم مايكل ماكونيل يقول: أن الوضع في العراق "يسير في اتجاه سلبي"، وأن مصطلح "الحرب الأهلية هو الوصف المناسب"... وسمعوا وزير الحرب ذو الجذور والنشأة الاستخباراتية الضاربة في "السي آي إيه" حتى بلوغه قمتها، روبرت غيتس، يقول لهم: إن الانسحاب كلياً من العراق هو "بديل" وارد إن فشلت الخطة الأمنية المشار إليها. والمعروف أن غيتس ما جاء إلى البنتاغون إلا لشن حرب أخرى، بديلة لما شنّت وتشن، بعد أن فشلت حرب القوة الهوجاء في قهر أرض السواد وسفوح جبال الهندكوش... حرب أخرى مادتها المكائد والفتن، وسداتها "فرق تسد" في أحدث طبعاتها الطائفية... أي الهروب إلى استراتيجية الفتن، بعد أن فشلت سابقتها، التي كانت تدعى "استراتيجية النصر" عبر القوة الماحقة!

...وتوازى مع إعلانها، رسالة مباشرة تلقاها صاحب "الخروج المشرّف" نائب الرئيس تشيني ممهورة بخاتم طالبان في قاعدة باغرام الأفغانية المحتلة الحصينة، أجبرته على اللجوء إلى "مخباً محصن" لحماية نفسه هناك... قيل أن هذه الرسالة ما هي إلاّ مجرد مقدمة أفغانية لهجوم الربيع الطالباني الموعود! حيث، وبانتظار هذا الربيع يتزايد تذمّر الأمريكان من الحليف الباكستاني، الذي لم يقم في نظر واشنطن بكل المطلوب منه أفغانياً، حيث سمعنا في الأيام الأخيرة البعض يتسائل فيها:

لقد "رشوناهم بأكثر من عشرة مليارات دولار" منذ أحداث الحادي عشر من ديسمبر، "ولا نعرف كيف صرفت، ولم تحقق لنا نفوذاً كافياً" نريده عليهم!
وثانيها، إدراك متأخر لدى الإدارة الأمريكية، أو لعلها تأخرت في ابتلاعه فحسب، بعد طول مكابرة وتجاهل، لما يمكن وصفها بعملية تفكك ما يطلق عليها "وحدة المجتمع الدولي" وفق المصطلح الأمريكي، المتسارعة مظاهرها، بمعنى تصدع ما كان من إضطرار الحلفاء والمنافسين والأعداء جميعاً لمسايرة القوة العظمى مفتولة العضلات بعد أن ثبت هزال وضآلة العقل الذي يحرك عضلاتها، بدا هذا جليّاً في ما عناه أو رمز إليه خطاب بوتن الهام في ميونخ وما أشّرت عليه جولته في المنطقة، وتأكد لاحقاً في انتقادات موسكو المباشرة والمتكررة للسياسات الكونية الأمريكية، ثم شجبها التلويح الأمريكي باللجوء إلى الخيار المسلح ضد إيران، أو ما تعرف بتهديدات تشيني، وصولاً إلى فشل لقاء لندن لرفع "سقف العقوبات" ضد إيران لمواصلتها برنامجها النووي السلمي، أو عدم توافق مجموعة 5+1، أو السداسية على طريقة "الرباعية" سيئة الصيت، وإحالة التوصل إلى ما فشلوا في التوصل إليه إلى لقاء آخر عبر الهاتف قال الفرنسيون فيما بعد أنهم نجحوا أخيراً، وعبر هذه الوسيلة، في التوافق حوله بحيث تُستبعد الخيارات العسكرية، أو عقوبات ما تحت المادة الواحدة والأربعين...

الخلاصة، أن الأوروبيين، الذين ليس من مصلحتهم الاقتصادية فرض عقوبات على إيران مؤثرة على مصالحهم، عازمون على البحث عن "حلٍ تفاوضي"، الأمر الذي يعني أن ما اتفق عليه لا يعدوا رسالة لجلب إيران مجدداً إلى طاولة المفاوضات!... وإدراكها، أي الولايات المتحدة، بعد تعاظم دور إيران الإقليمي، وإزدياد تغلغلها في النسيج العراقي المتهتك الممزق بسبب من الاحتلال، أن الديبلوماسية الإقليمية بدأت رحلتها على استحياء في محاولاتها ملء الفراغ الخطر الذي بات ينجم عن تداعيات الغزو الأمريكي للمنطقة والتخبط الأمريكي في الورطتين العراقية والأفغانية، وبالتالي تداعيات أسلوب إدارة واشنطن لأزمتها المتفاقمة الناجمة عن تعثر مشروعها في العراق، عبر ما يبدو أنه هروب إلى الأمام أو توجه نحو زيادة بؤر هذه الأزمة وتوسعتها، الأمر الذي من شأنه أن أربك المنطقة ووضعها على كف عفريت، وارتد بالتالي على واشنطن نفسها.

لعل هذا ما يفسر، مثلاً، الموقف الأمريكي غير المُرحِّب باتفاق مكة، والمحاولة الأمريكية عبر سبل مختلفة، منها إنابة أطراف وقنوات إقليمية للالتفاف على ما انجزته الديبلوماسية السعودية عبر هذا الاتفاق فلسطينياً، أو ما يؤشر على محاولات واشنطن للجم الحركة السعودية هذه الأيام، تلك التي من مظاهرها ما يوصف بالحوار السعودي الإيراني الدائر راهناً فيما يتعلق بالأزمة اللبنانية أو كواحدة رئيسة من مواد هذا الحوار، والذي من أهدافه الأعم البحث عن تفاهمات أو حلول ثنائية إقليمية أشمل.

وثالثها: الوضع الداخلي الأمريكي المعارض للحرب وللبقاء الأمريكي المُكْلف مادياً وبشرياً في العراق. فإذا كان الديموقراطيون كأغلبية في الكونغرس يبدون حتى الآن امتعاضاً لا يصل إلى حد إيقاف الدعم لجيش الاحتلال في العراق، ويتمركز الخلاف بينهم وبين الإدارة حول إدارة الحرب وليس حول أهدافها، فإن آخر الإحصائيات الأمريكية تؤشر على تعاظم رفض الشارع لسياسات بوش الإمبراطورية وعلى رأسها غزوه المستمر للعراق، الأمر الذي سوف يدفع المعارضة الديموقراطية بالتالي إلى تصعيد اعتراضاتها مستقبلاً، تقول هذه الإحصائية:

إن 56 % من الأمريكيين مع انسحاب جيشهم من العراق حتى لو لم يتم "استتباب الأمن" هناك. وأن 53 % منهم مع جدولة هذا الانسحاب والعودة بهذا الجيش خلال عام. بل أن 47 % هم مع تحديد موعد هذا العودة بالصيف المقبل. كما أن 63 % ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أن الحرب على العراق غير صائبة. والمهم أن ثلثي من استطلع رأيهم قد رفضوا زيادة عديد القوات في العراق، أو هذا الذي نحت إليه استراتيجية بوش الأخيرة.

لهذه الأسباب الثلاثة، لجأ الأمريكان إلى مؤتمر بغداد المزمع، لعل فيه ستاراً يُغطي اضطرارهم للجوء مكرهين إلى قرع أبواب "الممانعين المارقين" توسلاً لمساعدة منهم مرتجاة قد تسهم في "الخروج المشرف" المنشودة الذي لم يجد متزمت استباقي مثل تشيني مندوحة من المجاهرة بنشدانه، إذ لا مخرج بدون مساعدة من قبل من أوراقهم ثبت أنها تزداد ولا تتراجع مثل سوريا وإيران.

وهذا لا يعني أن حدة العداء الأمريكي لكلٍ من البلدين سوف تتغير أو تتراجع، فعلى سبيل المثال، أن هذه الانعطافة باتجاه إيران لم تمنع أبداً مواصلة دق طبول الخيار العسكري ضد برنامجها النووي، أو التوقف عن محاولة تسويق العقوبات الدولية ضدها، وكل ذلك ترافق مع لمسات بنتاغونية غيتسوية عبر حوادث ضغط دموية حدودية حتى الآن جنوب شرق وشمال غرب إيران، أي بلوشستانية وكردستانية، ليس من الصعب ربطها بالحركة الأمريكية العامة في هذا الاتجاه، أو ملاحظة علاقتها باستراتيجية الفتن أو "السيناريوهات الأسوأ" وفق التعبير الأمريكي.

لعل ما يوحي بجدية ما قد يكون نوعاً من التحوّل الأمريكي، هو مسارعة داهية أشر مثل كيسنجر إلى التحذير من عواقبه التي يستشرفها، عبر التحذير من غائلة "حقبة من الاضطرابات العارمة" يتوقعها اذا ما فشل المشروع الأمريكي في العراق...

كيسنجر وصهاينة الولايات المتحدة الذين يلاحظون مزعوجين إدانة كونية لسياسات الولايات المتحدة الدولية ويسعدهم غياب مستثمر دولي لهذه الإدانة حتى الآن، يقول:
إنه "إذا انتهت حرب العراق إلى إيران نووية وإسلام متطرف يمكن له أن يدعى أنه أخرج روسيا من أفغانستان، والولايات المتحدة من العراق، فإن مرحلة من الاضطرابات العارمة لن يمكن تلافيها ولن يمكن حصرها في الشرق الأوسط"... الأمريكان لازالوا يريدون خروجاً من ورطة العراق وليس الخروج من العراق!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018