ما الذي يجري في أم الفحم؟!../ عبد اللطيف مهنا

ما خطورة ما جرى وقد يجري هذه الأيام في مدينة أم الفحم في المحتل من فلسطين في العام 1984... ما الذي يعنيه هذا الدم الفحماوي الزكي المراق في شوارع تلك الصامدة العنيدة الراسخة رسوخ صخور جليلنا الحزين؟
 
كل ما في الأمر هو أن أم الفحم الأبية تتصدى هذه الأيام لهمجية بشائر "يهودية الدولة"، وباتت تدفع نصيبها المر من فاتورة أوسلو الكارثية، هذه المصيبة التي تنازل موقعوها من بني جلدتنا عن أم الفحم ضمن تنازلهم عن قرابة ثمانين في المائة من فلسطين التاريخية، وحوّل توقيعهم الأسود هذا العشرين في المائة الباقية من الوطن المغتصب والمعروفة بالضفة والقطاع، أو المحتل بعد العام 1967، إلى أراض متنازع عليها، أو هذه التي قد تحولت ضفتها تحت مظلة الأوهام التسووية إلى ورشة تهويدية هائجة لا تهدأ ولا تبقى ولا تذر، اللهم إلا مزقاً من تجمعات بشرية محاصرة تُضيّق الأسوار العازلة والمستعمرات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية وغزوات قطعان "المستوطنين" الخناق عليها وتحولها إلى معتقلات كبرى، بانتظار أن يحين يوم "الترانسفير" الموعود الكامن المتجذر في المخيال الجهنمي الصهيوني.
 
... وأم الفحم تدفع ثمن هذا السكوت العربي المشين والإسلامي اللامبالي، واللاانساني الدولي المتواطئ... السكوت على اقتراب اتمام التهويد الجغرافي لزهرة المدائن العربية، وحاضنة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وكنيسة القيامة، وبداية الشروع في تهويدها ديموغرافياً...
 
 أم الفحم تدفع ما تدفعه بسبب من الانخراط العربي الرسمي في قمة سرت في المسيرة التسووية التصفوية، بمنح نتنياهو فرصة شهر تهويدي مضاف عساه يجمد "استيطانه"، بمعنى تحويل القضية المركزية للأمة العربية عند مؤتمريها إلى مسألة أيجمد هذا "الاستيطان"، أو الفعل التهويدي، أم لا يجمد، وهو الذي لم يتوقف أصلاً ولم يجمد، ولن يتوقف أو يجمد، إلا جدلا... وإن لم يستجب نتنياهو، ولن يستجبب، لم يقرروا بعد أيفاوضونه أم لا يفاوضونه، وهاهم عندما لم يبال بنواياهم الحميدة هذه، التي باعوها للأخ أوباما، الذي يشارك نتنياهو لامبالاته ويمنحه بركات ضغوطه الدائمة على العرب، وحيث اقترب شهرهم الممنوح من نهايته، خف "الوسطاء العرب" الملتزمون هذا الدور بين أمتهم وأعدائها، فجاء الوزيران أبو الغيط وسليمان إلى رام الله ليعلنا هناك مع أبو مازن تمديد هذا الشهر إلى ما لا يحدد من الشهور بالاتفاق بأن الأولوية تظل للمفاوضات!!!
 
ما يجري وسيجري في أم الفحم، التي تعيش هذه الأيام مع كل فلسطين ذكرى مرور 54 عاماً على مجزرة كفر قاسم، لا يمكن فصله عن ما يجري في رام الله، أو بين رام الله وتل أبيب، بينهما مباشرة أو عبر واشنطن وبعض عواصم العرب... ما يجري فيها بدأ عندما اعترف الأوسلويون بمحتلي أم الفحم. يومها تنازلوا عنها، وتركوها، هي وفلسطينيوها، ليستفرد بهم وظهرهم للحائط، وقالوا لهم اذهبوا فأنتم "عرب إسرائيل" لا أهل فلسطين، واليوم هاهم يجددون فعلتهم هذه عندما طرح ياسر عبد ربه مسألة "يهودية الدولة" قيد المساومة مقابل دويلة الكانتونات، أو المعتقلات، الموهومة، وقبله عندما غدت مسألة حق العودة، التي هي جوهر القضية الفلسطينية، عند قمة بيروت برسم حل يتم التوافق عليه مع المحتلين... منذ هذه وتلك أصبح من غدوا "عرب إسرائيل"، ومن يطلق عليهم "سكان المناطق"... كل الفلسطينيين، في المحتل من فلسطين في العام 1948 والعام 1967 على السواء، جميعهم برسم الترانسفير...
 
... هذا ما استشعرته أم الفحم، حتى قبل أن تجتاحها قطعان "أرض إسرائيل لنا" المعززة في اندفاعها هذا، والمحمية في كافة تجلياتها العنصرية الحاقدة، بسياسة واحدة لا خلاف عليها ولا حولها بين كافة تعابير المستوى السياسي للمحتلين، حيث كل شيء هو بحساب استعماري إحلالي ورهن مقاييس عنصرية، ويخطط له في سياق تطبيق ذات الاستراتيجية الصهيونية، تلك التي لم تتبدل منذ أن وضعت في بازل في نهايات القرن ما قبل المنصرم وحتى يومنا هذا... التهويد والترانسفير لكامل فلسطين التاريخية، وما تيسر من أراض العرب ما بين النيل والفرات...
 
إنها ذات السياسة التي تزيل قبور الصحابة ومثاوي أعلام القدس ورجالاتها التاريخيين بالجرافات، والتي تقطع بساتين الزيتون أو تغمرها بمجاري المستعمرات، والتي تغلق الحرم الإبراهيمي في وجه المصلين لمدة يومين ليتاح الحرم كاملاً "للحراديم" ليصلوا وحدهم فيه دونما ازعاج خلالها من الـ"غوييم"، والتي تسعى إلى طرد طلاب جامعة صفد من المدينة المغتصبة... ذات السياسة الاستعمارية الإحلالية التي تحاصر قطاع غزة منذ ثلاثة أعوام، وتصر على بقاء أهله، بمباركة غربية ومساهمة عربية، قاب قوسين أو أدنى من المجاعة وأبعد ما يكون عن الكفاية وأقل قليلاً من سد الرمق...
 
 ذات السياسة بوجهها الآخر التي يرعاها في الجانب الأوسلوي خلف الجنرال دايتون المشرف على التنسيق الأمني مع الاحتلال... السياسة التي تطارد المقاومين وتعتقلهم وتتواطأ مع فرق الموت والمستعربين لتصفيتهم، وحيث وصل الأمر لأن يحاضر كبار ضباط أمن السلطة تحت الاحتلال في معسكرات جيش الاحتلال بغية "اطلاع الجنود والضباط (الإسرائيليين) على حجم التغييرالذي تمر به الضفة الغربية في السنوات الأخيرة" بفضل هذا التنسيق، وفق ما نقلته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية!
 
في أم الفحم، التي تعيش اليوم مناخات مجزرة كفر قاسم قبل 54 عاماً، يفتح اليوم ملف الترانسفير دموياً، يسقط جرحى ومعتقلون لا يستثنى منهم القصر والأحداث... الترانسفير المنتظر والمخطط له، ليس في جليلنا ونقبنا وبقايانا في بقايا مدننا في ساحلنا فحسب، بل في كل فلسطين من نهرها إلى بحرها.
 
هذا بعض مما تؤشر إليه أحداث أم الفحم وما هو مدعاة لخطورته... وعودة إلى ياسر عبد ربه، وهنا لابد من الإشارة إلى أن البالونات التصفوية ليس بالضرورة أن يكون اطلاقها حكراً على الإسرائيليين والأمريكيين وملحقاتهم الأوروبية "المانحة" والعربية "المعتدلة"، وإنما لفريق أوسلو الفلسطيني باعه التليد في هذا المجال، فياسر عبد ربه عندما أطلق بالونه الذي تلقفه الناطق باسم الخارجية الأمريكية فوراً، وعلق قائلاً، ان ما يقوله عبد ربه هو "بالتحديد نوع الحوار وتبادل الأفكار المطلوبان"!.. كان منسجماً مع وثيقته المشتركة مع يوسي بيلن الجنيفية الشهيرة، وما كان ليطلقه دون إيعاز من رئيس السلطة الذي كان قد قالها علناً وبلغة أفصح: إن "موضوع يهودية دولة إسرائيل ليس من شأننا"!، وقال أكثر من هذا في مأدبة عشاء أقامها يهود الولايات المتحدة الأمريكية ترحيباً به، كنا قد أشرنا إليها في مقال سابق، قال ليلتها للمحتفين به: "إن لكم حقاً تاريخياً في هذه البلاد بشهادة ثلث القرآن"!!!
 
ما جرى وما سيجري في الفحم، وفلسطين المحتلة من نهرها إلى بحرها، حصيلة منطقية للانحدار العربي والتهالك الأوسلوي والتواطؤ الغربي... وهو ليس بمعزل حتى عن وثائق ويكيليكس، وتدعمه استراتيجية مسيرة مفاوضات الغرق في التفاصيل لشطب الأسس وتمرير التنازلات واستدراج المزيد منها التي شارفت جعبتها على النضوب... وحيث يتضح لغير الواهمين أنهم لا يبقون على السلطة إلا لتتنازل، ولا المنظمة إلا لتوقع، ولا يوالون ملهاة المفاوضات من أجل المفاوضات إلا لكسب الوقت تهويدياً... لقد نضب معين التنازلات أو كاد ولم يتبق إلا الاعتراف ب"يهودية الدولة"، وربما نشدان المساهمة العربية الرسمية والفلسطينية الأوسلوية الضمنية في الترانسفير... هذا هو سر ما جرى وسوف يجري في أم الفحم وشقيقاتها مستقبلاً من النهر إلى البحر!!!