ما بعد الخبز../ رشاد أبوشاور

مقولة السيد المسيح الباقية ما بقي الإنسان على الأرض: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لا تقلل من أهمية الخـــــبز، فهي بعد الخبز ومعه، تمجد الحرية، وتلح على معنى حــــياة الإنسان على الأرض.

من المفاهيم الفلسفية التي تعلي من شأن الإنسان، أن الإنسان يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل، ولذا لا نستغرب تقتير الفلاسفة والمتصوفة على أنفسهم، وفحش آخرين يعيشون لينهبوا، ويسرقوا، بلا قيم عليا تحكم سلوكهم، ولا ضوابط تحد من جشعهم.

تشبثاً بالكرامة وعزة النفس، يكتفي كثير من الناس بالخبز والزعتر في فلسطين، أو بالخبز و(الدقة) وهي من أقارب الزعتر، مع قليل من زيت الزيتون إن توفر.

المثل يقول: كل لنفسك والبس للناس، يعني ما تأكله في دارك لا يراه الناس، ولا يحاسبونك عليه، أما في الشارع، فالبس لباساً نظيفاً، مناسباً، لائقاً يستر جسدك، أي كن صاحب ذوق.

على سيرة الجوع نستذكر سيئة الصيت والخاتمة ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا، وتساؤلها الساذج الذي يفضح انفصام العلاقة بين الحاكم والمحكوم، عندما تناهى صخب جوعى باريس المندفعين احتجاجاً في الشوارع مطالبين بالخبز: لماذا لا يأكلون الكيك؟!

تعلمون أن ثوار باريس جزوا عنقها البدينة الملغلغة، لأنهم لم يجدوا الخبز الحاف، ولأن ملكة لا تعرف أن (رعيتها) تبيت على الطوى، تستحق ذلك العقاب الصارم، ومثلها أي حاكم، أو حاكمة، أو (سلطة) فاسدة...

بعد 5 أشهر من عدم صرف رواتب لـ165 ألف موظف جاعت البطون، والأطفال احتاجوا للحليب، ودفاتر المدارس، و(الهدوم) التي تستر الأجساد، فالفلسطينيون يبردون شتاء، ويصطلون بالحر صيفاً، ونساؤهم مثل بقية النساء، وإن كن غير متطلبات، يحتجن للثوب الريفي، والفستان المديني، أو البنطلون (الجينز) لرخصه لا إعجاباً بالمنتج الأمريكي، وهن لا يطالبن بالعطور والمساحيق فهن من شعب مسحوق، والرجال يدخنون ممتصين السجائر بغل ومخرجين الدخان بقرف في وجه العالم كله، وهم يتابعون تصريحات قيادات ( هم) المنفرة المغثية، عندما تخرج أجسادهم المترفة من سيارات فارهة محروسة بمرافقين يضفون على (قادتهم) أهمية مفتعلة ببعض الحركات التي لا لزوم لها، راسمين علي وجوههم ابتسامات الرضا عن قيادات (هم) التي تقول كلاماً كبيراً يتابعه صحافيو وصحافيات الفضائيات، ولا يهتم به أحد من فلسطينيي المنافي والشتات، أو فلسطينيي الـ48 الذين رحبوا بعودة اخوتهم بعد (أوسلو) وبنوا آمالاً على نشوء دولة فلسطينية (مجاورة) تؤنسهم، وترفع معنوياتهم، وتسندهم، وتشد أزرهم، فإذا بالحال ينطبق عليه المثل: جبتك يا عبد المعين تعيني، أثريك يا عبد المعين تتعان!..

الخبز يا سادة! الخبز بدونه لا حياة، فأنت إن كنت مؤمناً أو كافراً، مثالياً أو خسيساً، تحتاج للخبز كي تعيش وتواصل حياتك مهما كانت.

شعب فلسطين في المناطق المنكوبة (جعاااان) قوي يا ناس، يا عرب، يا مسلمين، يا ملحدين، يا لا أدريين، يا أولاد الـ...
165 ألف موظف يضربون جوعاً، ومعهم حق، بغض النظر عن دوافع من يحرضون على الإضرابات!

المعلمون يضربون مع مطلع العام الدراسي، وهذا يعني حرمان بنات وأبناء شعب يفترض انه في الطليعة حرصاً على التعلم، وشطارةً، والتسلح بالشهادة من المدرسة، والجامعة...
العمال مضربون لأنهم يعانون من البطالة، وهم لا يضربون احتجاجاً على أصحاب المصانع الفلسطينيين، لسبب بسيط وهو أنه لا توجد مصانع فلسطينية، فحتى الصناعات البسيطة دمرها الاحتلال بالإغلاقات، والحواجز.

المزارعون يضربون احتجاجاً على من؟! علي الجرافات التي تقتلع أشجار الزيتون، وكروم العنب، ومشاتل الزهور، وتترك الأرض غير صالحة للزراعة، ناهيك عن حرمان البشر والشجر من الماء.

أعضاء المجلس التشريعي بالنصاب القانوني تقريباً، ونصف الوزراء، ونائب رئيس الوزراء، صاروا نزلاء الزنازين، والدول الشقيقة المجاورة لا تتعامل مع (حكومة) شرعية، والأموال مقطوعة عن الشعب الفلسطيني، والاحتلال يصادر مبلغ 600 مليون دولار من أموال الضرائب والجمرك، وهذا المبلغ وحده يكفي لصرف رواتب الموظفين، وتحريك الوضع الاقتصادي المنهار...

ما العمل؟!
منذ وصلت (حماس) إلى التشريعي والوزارة، قطع الخبز عن الفلسطينيين، وفقاً لخطة عقابية بهدف إسقاط حكومة حماس، وعودة الأمور كما كانت!
إذا عادت الأمور إلي حالتها السابقة ستصرف الرواتب، ويفتح معبر رفح برقابة (خبراء) أوربيين، وفيتو (إسرائيلي) مسلط، وضبط (مصري) دقيق وصارم!
فإذا حلت مشكلة الخبز، فماذا بعد الخبز؟..

13 عاماً والسلطة بيد الأوسلويين: فساد يبز فساد النظم العربية الشقيقة، ضياع أرض، أسرى في السجون يزداد عددهم يومياً، حواجز ومهانة، اقتصاد مدمر وتابع...

أدخل فلسطينيو مناطق السلطة في دوامة لعبة سياسية خسيسة، يشارك فيها فلسطينيون لا هم لهم سوى (استعادة) سلطتهم بكامل (دسمها)، ولا يهمهم أنها على خازوق، فهم كاسبون ثراء، ووجاهة، وتنقلات خمس نجوم.

بحكومة وحدة وطنية، ولجنة فتح المركزية متشبثة بهذا الحل لأنه يعيد السلطة لها، ويجعلها تبدو منتصرة بفشل حكومة حماس، أو بحكومة تكنوقراطية ترفضها فتح وحماس، أو حكومة سلطوية مطلقة كالسابق، فإن الفلسطينيين وبعد تناول أول وجبة غداء دون قصف، وأول راتب كامل لا يكفي لتسديد جزء من الديون، سيتساءلون: طيب، وماذا بعد الخبز؟!
هل نحن نعيش لنأكل؟

شعب فلسطين مل من غباء وقلة حياء ماري أنطوانيت، فهو يصارع ليعيش كريماً حراً، وسلطة ماري أنطوانيت تتلاعب ليل نهار متذاكية علي حساب الجوعى، والشهداء، والبيوت المنسوفة، ولسان حالها يردد بخبث: خلي حماس تنفعكم، خليها تجيب لكم خبزاً...

لو كان الشعب الفلسطيني شعباً (بطنياً) خبزياً لانتهي أمره وأمر قضيته منذ عقود، فهو رفض الخيام، والتوطين، والتعويضات، وهو له بطون ولذا يأكل، ولكنه ومع أول لقمة بعد نكبة 48، تحت الخيام، شرع في طرح الأسئلة، وصار ملح التفاعلات السياسية الحزبية والرسمية العربية.

ماري أنطوانيت لاهية في أمر استعادة سلطتها، وشعب فلسطين لن تمر عليه (اللعبة) الجهنمية، فقد دفع ثمن تسلط الفساد منذ عام 94 حتي مطلع عام 2006، وأحسب أنه لن يعود ذليلاً ليسلم عنقه لرموز الفساد مقابل الخبز، ورواتب الموظفين، فللخبز في حياة الفلسطينيين دائماً ما بعده...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018