ما معنى منع إحياء ذكرى النكبة؟../ معتصم حمادة*

تدرك إسرائيل أن المراهنة على الوقت باتت خاسرة. فبعد واحد وستين عاماً على النكبة، يخال للمرء، وهو يتابع أنشطة إحيائها، كأنها وقعت بالأمس، وبالأمس القريب جداً.

خطت إسرائيل خطوتين جديدتين، وخطيرتين، على طريق تأكيد هويتها العنصرية «وطناً قومياً لليهود»، والتمهيد لخنق الأصوات غير اليهودية الصهيونية فيها، وخاصة الصوت الفلسطيني، بكل ما قد يلي ذلك من تداعيات خطيرة.

الخطوة الأولى حين أقرّت لجنة الكنيست لشؤون القانون والدستور، في 24/ 5/ 2009، وبطريقة غير قانونية، مشروع قانون يحظر على الفلسطينيين من سكان إسرائيل إحياء ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار (مايو) من كل عام، بالترافق مع إحياء إسرائيل ما تسميه يوم الاستقلال.

الخطوة الثانية حين أقرّت اللجنة نفسها قانوناً يقيّد الحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي بذريعة «منع نشر مواد تحريضية تتنكر لوجود إسرائيل دولة يهودية»، مع السجن ثلاث سنوات لكل من يخالف أحد هذين القانونين.

القانونان يكمل أحدهما الآخر؛ الأول يمنع على الفلسطينيين حقهم في تأكيد هويتهم الوطنية والقومية، والثاني يحظر عليهم تحميل إسرائيل مسؤولية ما آل إليه وضع الشعب الفلسطيني.

ونعتقد أنه ما كان للكنيست أن يخطو خطواته هذه، في منع إحياء ذكرى النكبة، لولا الإحساس لدى الدوائر المعنية في إسرائيل بأهمية هذه الذكرى وخطورتها.

فهي، وإن كانت تمثّل إدانة دائمة لإسرائيل على جريمتها ضد الشعب الفلسطيني، فإنها تمثّل في الوقت نفسه إعلاناً لرفض الفلسطينيين التسليم بنتائج حرب 1948، وإصرارهم على معالجة هذه النتائج في أية تسوية للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وعدم اقتصار التسوية على معالجة ذيول حرب حزيران (يونيو) 67 ونتائجها، والتأكيد في السياق نفسه أن حرب 1948 هي نقطة الانفجار الأبرز في هذا الصراع، وأن كل ما تلاها من حروب وغيرها إنما هو من تداعيات هذه الحرب، وبالتالي لا يمكن معالجة التداعيات والنتائج بمعزل عن معالجة مصدر هذه التداعيات وأسبابها.

كذلك باتت إسرائيل تدرك ما تختزنه هذه الذكرى في نفوس الفلسطينيين من معان، وإحياء للذاكرة الوطنية التي ترفض أن تموت، وما تزال تنظر إلى فلسطين على أنها الوطن، وأنه لا وطن سواها، الأمر الذي يجعل من «الوطن» الإسرائيلي فكرة غير مستقرة في أذهان أصحابها، تحتاج على الدوام إلى من يمنحها الصدقية الضرورية، في ظل اتساع دائرة الانحياز العالمي إلى ذكرى النكبة والتضامن مع أصحابها والدعوة إلى إنصافهم وإعادة حقوقهم إليهم في ظل تزايد انكشاف زيف أسطورة أرض الميعاد، وزيف أسطورة الديموقراطية اليهودية، حتى بين أبناء الدين الواحد.

وقد جاءت وسائل الإعلام المختلفة في حملة «الرصاص المصهور» على القطاع، وفي ظل الحملات اليومية ضد الفلسطينيين في الضفة، وسياسة التمييز العنصري ضدهم في مناطق الـ48، لتكشف حقيقة المشروع الصهيوني وحقيقة الإيديولوجيا التي يستند إليها.

وقد أسهم هذا الانكشاف في جرّ فئات من داخل المجتمع اليهودي للاعتراف ـ اقتناعاً أو خجلاً لا فرق ـ أن عيد استقلال إسرائيل هو يوم النكبة الوطنية والقومية لدى الفلسطينيين، وأن السلام لا يمكن أن يجد طريقه إلى النور في ظل هذه المعادلة. فلا يمكن حالة التعايش أن تجد طريقها إلى الحياة في الوقت الذي يحتفل فيه اليهودي في إسرائيل بذكرى انتصاره على «عدوه»، بينما يقف هذا «العدو» منتصباً إلى جواره، يحمل جنسيته الإسرائيلية، وفي قلبه وفي نظراته، وفي كلماته وأشعاره وآلامه، هويته الوطنية الفلسطينية والقومية العربية.

كذلك، تدرك إسرائيل أن المراهنة على الوقت باتت مراهنة خاسرة. فبعد واحد وستين عاماً على وقوع النكبة، يخال للمرء، وهو يتابع أنشطة إحيائها، داخل فلسطين وخارجها، في العالم العربي وفي أوروبا والولايات المتحدة، (وفي عقر دار المشروع الصهيوني نفسه) كأن النكبة وقعت بالأمس، وبالأمس القريب جداً، وحيث يتأمل آلاف اللاجئين الذين لا يزالون يحملون مفاتيح دورهم ويلوّحون بها، كأنهم غادروا دورهم هذه منذ ساعات، وكأنهم يتأهبون في الوقت نفسه للعودة إليها، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل النكبة وقبل قيام إسرائيل نفسها.

وبالتالي، يمكن القول إن القرار الإسرائيلي، رغم مرور واحد وستين عاماً على النكبة وعلى حرب 1948، يأتي كأنه جولة أخرى من هذه الحرب، تمثّل شهادة إسرائيلية صريحة بأنه رغم قيام «الدولة»، ورغم طرد نحو 800 ألف فلسطيني من ديارهم وممتلكاتهم، ورغم الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية التي قيل إنها دخلت «حربها» لإنقاذ القضية، ورغم معاهدات السلام التي وقّعها بعض العرب مع تل أبيب، ورغم العلاقات السرية والعلنية التي تقيمها عواصم عربية أخرى مع حكومات إسرائيل، رغم هذا كله، فإن المشروع الصهيوني لم يحسم معركته النهائية بعد، لأن الطرف الآخر، متمثّلاً بالشعب الفلسطيني، لم يعلن الاستسلام، ويرفض الاعتراف بالهزيمة، وما زال يقاتل، رغم تراجع أوضاعه، وما زال يعاند، رغم تدهور الحالة العربية، وما زال يتمسك بالمستقبل وعداً لانتصاره الآتي، رغم حاضره المؤلم.

وإذا كان البعض في إسرائيل قد قدم القرارين الأخيرين على أنهما محاولة من إسرائيل للدفاع عن ذاتها ضد الخطر الفلسطيني، فإن مثل هذا التفسير فيه من المعاني ما يفيض عن الضرورة للشرح، إذ ما زال نحو ستة ملايين يهودي في إسرائيل يخشون على مصيرهم من نحو مليون وربع المليون فلسطيني، تقيّدهم قوانين التمييز العنصري وإجراءات القمع.

وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على ضعف البنيان الداخلي في إسرائيل، رغم استناده إلى دولة مدججة بالسلاح وبالدعم الأميركي غير المحدود، وبالتواطؤ الأوروبي المكشوف. كما يدل في المقابل على تماسك البنيان الفلسطيني وأصالته، رغم تشرذمه جغرافياً وسياسياً وبرنامجياً.

وإذا كان القراران من شأنهما أن يلخّصا شيئاً ما، فإنهما يمثّلان اعترافاً إسرائيلياً بأن الخطر الداهم على إسرائيل هو في تمسّك اللاجئين الفلسطينيين بحقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجّروا منها منذ عام 1948، وفي قدرتهم على صون هذا الحق، رغم تقلّبات السنين والظروف، والضغوط التي مورست عليهم والقهر الذي تعرّضوا له. وبالتالي، فإن إسرائيل، وهي تخوض ضد الفلسطينيين والعرب معركة التسوية، فإن هدفها الأبرز في هذه التسوية هو شطب هذا الحق بأي شكل من الأشكال، تبدّى ذلك في سلسلة التصريحات والمواقف والسيناريوات والعروض السياسية الإسرائيلية والأميركية والأوروبية على اختلاف أنواعها، بل إن مثل هذه القناعة بدأت تتسلل بطريقة غير مستورة، بل ومعلنة إلى حد بعيد، إلى الصف العربي وإلى الصف الفلسطيني.

وإذا كانت إسرائيل بقراريها هذين تستهدف الوجود الفلسطيني داخل «الدولة»، فإنها بذلك تعترف ـ في مسلسل اعترافاتها الذي لا يتوقف ـ أن هذا الوجود الذي لا يتجاوز مليوناً وربع المليون فلسطيني، إنما يمثّل رأس الحربة في معركة اللاجئين وقضيتهم وحقوقهم، وهو ما يقلب مفاهيم البعض رأساً على عقب حين يعتقد أن قضية اللاجئين هي قضية الشتات الفلسطيني وحده.

في المقابل، تبدو إسرائيل شديدة التعنت ـ وبلا حدود ـ في التعاطي مع قضية اللاجئين، وهو ما يضع المسألة أمام واقع يقول إن معركة الدفاع عن حق العودة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوجود الفلسطيني داخل إسرائيل، وإن هذا يفترض البحث عن آليات للربط بين الخارج والداخل (الضفة والقطاع)، وكذلك مع داخل الداخل (أي الفلسطينيين داخل إسرائيل).

ولعل النقطة الأخيرة أهملتها كثيراً القيادات السياسية الفلسطينية بزعم أن للفلسطينيين داخل إسرائيل خصوصيتهم وتمايزهم السياسي وقياداتهم الوطنية الخاصة بهم. غير أن هذا الزعم لا يلغي ضرورة الربط بين الشتات ومن هم داخل إسرائيل، دون أن يمس ذلك خصوصية هذا الجزء من الشعب الفلسطيني وتمايزه، ودون أن يتجاوز قياداتهم الوطنية. نعتقد أن الأمر يحتاج إلى أكثر من تفكير. يحتاج إلى خطوات عملية.
"الأخبار"

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية