ما وراء العدوان "الإسرائيلي" الراهن / عبد الاله بلقزيز

لم تكن “إسرائيل” تحتاج إلا إلى ذريعة أسْرِ المقاومة لجندي من الجنود الغزاة لتطلق حربها على الشعب والمقاومة والسلطة في غزة والضفة الغربية بعد أن هيأت لها طويلاً متحينة الفرصة والتوقيت. تلك طريقتها في إطلاق حروبها المبرمجة والمعدّة سلفاً: منذ ذريعة إغلاق مصر لمضائق تيران في مايو/ أيار 1967، إلى ذريعة محاولة اغتيال السفير “الإسرائيلي” في لندن في العام 1982، إلى ذريعة إيواء الشهيد ياسر عرفات للمناضليْن أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي ورفاقهما في مكتبه في مبنى المقاطعة في مارس/ آذار 2002. وهي الذرائع التي اتخذتها تَكِئَةً لعدوانها في يونيو/ حزيران 67، ولعدوانها ضد الثورة الفلسطينية ولبنان في صيف العام 1982، ثم لإعادة اجتياح قواتها لمناطق السلطة الفلسطينية وحصار رئيسها في ربيع العام 2002.

تتصل الحرب الجديدة بأهداف “إسرائيلية” معلنة منذ حكومة ارييل شارون، خاصة منذ تشكيل حكومة إيهود أولمرت: تنفيذ الحل الانفرادي، تصفية المقاومة.. إلخ. وقد أضيفت إليها اليوم ومنذ نجاح “حماس” في الانتخابات وتشكيلها الحكومة تصفية السلطة. وهي في جملتها أهداف مترابطة ومتمفصلة على مشروع فك الارتباط “الإسرائيلي”.

من النافل القول إن الحل “الإسرائيلي” للقضية الفلسطينية يقضي بإسقاطها كقضية وطنية وتأبيد صيغة الحكم الذاتي تحت عنوان حرية الفلسطينيين في إعلان “دولة” على المناطق التي ستجلو عنها “إسرائيل”. أما إسقاطها كقضية وطنية، فيترجم نفسه في المشروع “الإسرائيلي” إياه في صورتين: السطْو على مناطق واسعة من الضفة والقطاع (أي مناطق القرار 242) وإدخالها في نطاق “إسرائيل”، وإسقاط المطالب الوطنية الفلسطينية في القدس والعودة والسيادة الكاملة على المناطق المحتلة في حرب العام 1967.

مَر الإخراج السياسي لهذا المشروع من محطة الادعاء بأن الدولة العبرية وجدت نفسها مدفوعة إليه بعد أن تبين لها عدم وجود شريك فلسطيني في عملية “التسوية”. وتلك كانت طريقة أخرى لنقض أي التزام دولي لها حيال مسألة التفاوض: من القرار 242، إلى مؤتمر مدريد و”اتفاق أوسلو” إلى “خريطة الطريق”! ولقد بدتْ ملامح المشروع تتبين منذ ثلاث سنوات: منذ البدء في إقامة جدار الفصل العنصري داخل المناطق المحتلة، إلى تطبيق خطة فك الارتباط في غزة في العام الماضي. والأخيرة كانت اختباراً ميدانياً للمشروع برمّته (مدى نجاحه، الموقف الدولي منه) قصد البناء عليه.

وتعرف “إسرائيل” أن مشروعها السياسي، الذي يتمتع بضوء أخضر أمريكي وإجازة ضمنية أوروبية، ليس قابلاً للتحقق إلا متى أمكنها إخماد المقاومة الفلسطينية وتدمير بناها القتالية والبشرية. فقد أخذت درساً من تجربة “الانسحاب” من غزة: لا يكفي الجلاء وفك الارتباط لتحييد البندقية الفلسطينية. فلقد استمرت المقاومة تمطرها بالصواريخ، بل نجحت في نقل بعضها عملياتها الى داخل العمق “الإسرائيلي” في فلسطين المحتلة عام 48. ولذلك، هيأت نفسها لمعركة تريد منها إزاحة عائق المقاومة من طريق مشروعها وهي معركة كانت ستخوضها في مطلق الأحوال حتى لو لم يقع أحد جنودها في الأسر.

في الأثناء، نضج في ذهنها خيار إسقاط السلطة وإزاحة كيانها حتى لا يبقى ثمة من يُقال عنه إنه المُخَاطَب الفلسطيني. بدأ ذلك مبكراً منذ حصار ياسر عرفات وإسقاط الاعتراف به. لكنه ترافق مع ادّعاء بأن “إسرائيل” تدعو شعب فلسطين الى اختيار قيادة جديدة “قادرة على صنع السلام”. وحين أتت هذه القيادة بعد استشهاد ياسر عرفات، لم تَلْقَ إلا المصير نفسه، ولكن من دون إعلان! أما حين وصلت “حماس” الى السلطة بالانتخابات، فقد نضجت الفكرة ولم يَبْقَ إلا التنفيذ.

وما تأخر التنفيذ بسبب تردد ما لدى “إسرائيل” أو حساب منها للتبعات (فلقد شاطرها الأمريكيون والأوروبيون موقفها من وجود “حماس” في السلطة!)، وإنما تأخر قليلاً بسبب اعتقادها أن الأوضاع الداخلية الفلسطينية ستتجه نحو التدهور على إيقاع الاحتقان السياسي والاستنفار الأمني بين “فتح” و”حماس”، بين الرئاسة والحكومة، وقد تنتهي الى صِدام داخلي موسع. وعليه، إذا كانت السلطة ستتفكك بأيدي قوتيها السياسيتين الكبيرتين (“فتح” و”حماس”)، والمقاومة ستتفرغ الى بعضها بعضاً، فإن ذلك سيُعفيها (أي “إسرائيل”) من القيام بمهمة يوجد هناك من يقوم بها نيابة عنها.

لكن الأمل بنشوب حرب أهلية فلسطينية انهار بحكمة فلسطينية أمسك فيها المتنازعون أنفسهم عن إتيان الخطيئة. وكان الاتفاق على وثيقة الإجماع الوطني ثمرة التعقل والنضج في حساب السياسة، مما قطع على “إسرائيل” حلم مشاهدة الحطام الذاتي الفلسطيني، وما كان صدفة أن العدوان الصهيوني انطلق مباشرة عقب الاتفاق الوطني. فلقد عنى توقيته أن المعركة مع المقاومة والسلطة لم يعد منها بدّ بعد أن اجتازتا امتحان النزاع السياسي الداخلي.

على أن هذه المعركة (ضد المقاومة والسلطة) لا تقبل تحييد الشعب، فهذا أيضاً هدف من أهدافها المباشرة لأنه مسؤول عن اختيار هذه السلطة وعن إنجاب هذه المقاومة وتزويدها بمادتها البشرية وتمتيعها بالحاضنة الاجتماعية. وحتى قبل أن تلجأ “إسرائيل” إلى أسْر الوزراء والنواب ورؤساء البلديات من مناضلي “حماس”. كانت قد أطلقت حربها والعقوبات الجماعية على الشعب، فدمّرت الجسور ومحطات الكهرباء والمؤسسات الخدمية، وحولت الحياة اليومية إلى جحيم. ودائماً تترك “إسرائيل” بصمتها على جسد الضحية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018