متى يبدأ الإنتقال من المراجعة الى الممارسة؟.. / عوض عبد الفتاح

لا تنتهي الحرب دون أن تطلق تفاعلات وتداعيات على طرفي الصراع. سواء على المستوى السياسي أو على المستوى المجتمعي. ويتوقف حجم ونطاق هذه التفاعلات والتداعيات على النتائج العسكرية والسياسية للحرب.

يمكن القول، أنه حتى اللحظة، لم تستطع الحروب العربية – الإسرائيلية أن تحدث تعديلاً جذرياً على بنية المجتمع العربي عموماً وعلى بنية اتخاذ القرار. فقد اتسمت عملية اتخاذ القرار في النظم العربية، إما بالهروب إلى الأمام أو الهروب الى الخلف؛ أي إما الإكتفاء بالشعارات النارية أو القعود كلياً عن القتال وتسليم الإرادة للخارج. وهذا ينطبق على الأنظمة وعلى الحركات الوطنية الشعبية مع استثناءات قليلة جداً.

ولم تؤخذ من المراجعات النقدية النظرية الجريئة التي انطلقت بعد هزيمة عام 67 على يد عدد النخب العربية، مثل صادق جلال العظم، ياسين الحافظ وغيرهما، وعلى المستوى الفكري – عبد الله العروي، وهشام جعيط ومحمد أركون وغيرهم ممن ظهروا على المشهد الفكري خلال العقدين الماضيين، الا النزر القليل وذلك ربما لعدم جاهزية النخب السياسية القائدة سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع المدني ولقصور في فهم مستلزمات النهوض وإدارة الدولة والصراع مع الأعداء.

وربما كان توقف القائد العربي القومي، جمال عبد الناصر، أمام هزيمة 67 ونتائجها الكارثية، وجرأته في تحمل المسؤولية عنها، وقراره بإعادة بناء الجيش المصري ليخوض حرب استنزاف بطولية، تمهيداً لحرب 73 الذي حقق الجيش العربي فيها انتصاراً في الأيام الأولى للحرب، كان حدثاً استثنائياً في التاريخ السياسي العربي المعاصر.

وكان انطلاق الثورة الفلسطينية وابتعادها عن الأنظمة، بعد عام 67، رداً على إخفاق النظام العربي الرسمي ونزوعها الى التحرر من قيوده وإطلاق الطاقات الشعبية في الكفاح من أجل العودة والحرية والإستقلال. لكن كان خطأ قيادة التيار المركزي في الثورة، حركة فتح تحديداً، هو الإنزلاق التدريجي نحو الإقليمية والتخلص كلياً من البعد القومي العربي تحت شعار القرار الفلسطيني المستقل. وتبعها بعد ذلك فصائل أخرى كانت ذات توجه قومي أخذت بالمفاهيم الماركسية السوفييتية على حساب الفهم الخلاق لخصوصية المجتمع العربي.
كان بالإمكان إيجاد الصيغة المناسبة التي تحفظ خصوصية الموضوع الفلسطيني والوعاء القومي الجامع الذي بدونه من الصعب بل ربما من المستحيل إلحاق الهزيمة بالإحتلال الإسرائيلي وبالعنصرية الصهيونية.

ورغم البطولات والتضحيات المنقطعة النظير التي قدمها شعبنا وفصائله الوطنية وقياداتها المناضلة، والتي لا تزال تقدمها، الا أن بنية اتخاذ القرار السياسي والنضالي لا تزال متخلفة، وتعاني من خلل خطير. ويتفق الكثير من العارفين بواقع الحركة الوطنية الفلسطينية بكامل فصائلها وتياراتها العلمانية والدينية أن هذه القيادات تتحمل المسؤولية عن عدم الوصول الى رؤية سياسية ناضجة مشتركة وخطة كفاحية راقية، وفاعلة.

وبالطبع، لا يتحمل المسؤولية من يراهن على الإدارة الأمريكية وحلفائها العرب فقط، بل ايضاً أولئك الذين يُمسكون بنهج المقاومة ويقدمون التضحيات. بالإمكان فهم هذا الخلل عندما نضع أمامنا حزب الله نموذجاً في المقاومة؛ من حيث التخطيط، والمركزية، والعقلانية.

في ضوء ما تقدم، سيضع نموذج حزب الله، وفي ضوء المعركة الفريدة التي خاضها ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان مستفيداًَ من تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان والثورة الفيتنامية ومما تختزنه الثقافة العربية الإسلامية من طاقة جهادية والى توفر قيادة لامعة، سيضع حركة التحرير الفلسطينية وكل فصائل العمل الوطني والقومي، العلمانية والدينية في الوطن العربي، أمام تحدٍ حقيقي. أي أن هذا النموذج لم يكشف قابلية الحاق الأذى الجدي بالعقلية الإستعلائية والتوسعية الإسرائيلية، وإمكانية تحقيق جولات اخرى ناجحة ضدها، بل ايضاً كشف القصورات المتراكمة والخطيرة لدى هذه القوى فيما يتعلق بالمنهج، والتخطيط وبمستلزمات المواجهة. وهو مدخل ايضاً لفهم العجز عن بناء أحزاب سياسية نموذجية في الدول العربية من أجل التغيير الداخلي.

ليس مطلوباً من هذه التيارات أن تكون تيارات دينية متشددة والتخلي عن دولة المواطنة المتساوية، ولكن سيتعيّن على بعضها إعادة اكتشاف الطاقات الكامنة في الثقافة العربية الإسلامية والتجذر في التربة الشعبية، ولكن بعيداً عن الشعبوية ومخاطبة غرائز الناس، بل عبر الجمع بين هذه الثقافة ومستلزمات الحداثة. وهذا الكلام ليس ممالأة لبعض المحسوبين على تيارات الإسلام السياسي المصابين بمرض العداء للعروبة وللتيار القومي. ليتعلم هؤلاء على الأقل من لغة وخطاب السيد حسن نصر الله، اللغة الوطنية الجامعة. كما سيتعين على تيارات الإسلام السياسي في بعض الدول العربية إجراء مراجعة حول نهجها وعلاقاتها ومقاربتها للكثير من المفاهيم ومقتضيات التغيير. وقد بدأت هذه المراجعة لدى بعضها.

من الصعب توقع كيفية تطور التفاعلات والتداعيات في الوطن العربي، في أوساط النخب الرافضة للمشروع الأمريكي والرافضة للإستبداد الداخلي. وفي أي اتجاه ستسير. سواء في المجتمع الإسرائيلي أو في الطرف العربي.

ولكن يمكن الإشارة الى بعض الأمور التي من الممكن أن تكون مفتاحاً لتوقع التطورات اللاحقة على المستوى الإسرائيلي؛ لا تزال الغالبية المدفوعة بالشعور بالفشل والرغبة في الإنتقام تقول بضرورة التحضير للحرب القادمة لكون العدوان الأخير لم يحقق أهدافه الرئيسية وأن الخطر لا يزال ماثلاً وقابلاً للإتساع. والنقاش الذي لا يزال دائراً هو على "سوء إدارة الحرب" وعدم توقع المفاجآت التي تكشفت لدى المقاومة اللبنانية أثناء العدوان وليس على صحة قرار شن الحرب وأخلاقيتها.

الأصوات التي بدأت ترتفع بخصوص مقاربة الصراع من باب قضية إحتلال الجولان والقضية الفلسطينية، لا تزال قليلة ويمكن توقع ازديادها أو ارتفاعها كلما ابتعدت اسرائيل زمنياً عن الأثر النفسي المباشر على الدولة العبرية وهو أثر سيكون بعيد المدى.

إن التوجهات داخل النخب الإسرائيلية الحاكمة وشبه الرسمية؛ سواء باتجاه الحرب أو باتجاه السلام ليس متوقفاً على التحالف الإسرائيلي – الأمريكي فقط، بل مرهون بكيفية استجابة الطرف العربي للمستجدات على ساحة المواجهة بين اسرائيل ودور المقاومة اللبنانية.

إسرائيل تدرك وترقب التـأثيرات المعنوية لصمود حزب الله والمجتمع اللبناني أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، التدميرية والوحشية على عموم الشعوب العربية وعلى القوى التي لم تفض الإشتباك السياسي أو العسكري مع الإحتلال الإسرائيلي. ولذلك هي ومعها الإدارة الأمريكية الى تأجيج الخلاق داخل الساحة اللبنانية.

إن الروح التي تميّز بها خطاب الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء متأثرة بهذا الصمود، وبالإنتصار الإستراتيجي لحزب الله.
يمكن فهم الخطاب بمثابة نقد ذاتي لنهج النظام في سوريا وتأخره عن تحضير الدولة والمجتمع لمواجهة مع إسرائيل منذ زمن لتحرير الجولان بطريقة حرب الإستنزاف طالما إسرائيل غير مستعدة للتخلي عن هذه الأرض السورية بالمفاوضات. وأن مساندة حزب الله سياسياً وتسهيل نقل العتاد لم تعد تكفِ. وهذا يتطلب تعميق التواصل مع المجتمع السوري والإنفتاح على تياراته الوطنية المختلفة وغيرها من المستلزمات على الأقل لمواجهة التآمر الأمريكي على سوريا.

إن هذا بالضبط ما تخشاه اسرائيل والإدارة الأمريكية، هو أن يتعمم نموذج حزب الله على الوطن العربي وتحقق القرار العربي المستقل. وقد يأخذ شكل التفاعل أشكالاً عسكرية وأشكالاً سياسية في تغيير الواقع العربي وبالتالي تكوين قوة عربية؛ في صلبها العروبة والإسلام وكل قيم التحرر وبناء الإنسان الحديث.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018