محاكمة عزمي بشارة.. محاكمة الانتماء القومي../ هاشم حمدان

لم يتخيل أحد أن وقاحة التاريخ تصل إلى حد يسمح فيه لمن تراكم ثلج سيبيريا على رؤوسهم منذ مئات السنين أن يحاكم الإنتماء القومي واستتباعاته لمن جبلوا من طينة هذه الأرض منذ دهر الداهرين، وذلك لأن انشغال المستشار القضائي للحكومة بالمفاسد المالية والأخلاقية التي تطال أعلى مستويات السلطة، لم يمنعه من أن يخرج من روتين الفساد، ليعلن أنه ينوي تقديم لائحة اتهام ضد النائب د.عزمي بشارة.

ولا يحتاج المرء إلى "ذكاء هبنقة" ليدرك أن محاكمة شخص د. بشارة، هي محاكمة الانتماء القومي لكافة الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، ومحاكمة التواصل القومي، ومن أجل مواصلة إطباق الحصار والعزلة والأسرلة على جماهير الداخل، وهي محاكمة فشل أسرلة الداخل أيضاً..

بالمنظار القانوني، لا شك أن نواب التجمع خالفوا، واعين لذلك، قانون "منع التسلل" الذي يمنع الزيارات إلى دول تعتبرها إسرائيل "دول عدو" بدون مصادقة وزير الداخلية أو رئيس الحكومة، وهذا القانون تم سنه خصيصاً في العام 2001 بعد زيارة سابقة للنائب د. بشارة إلى سورية.

إلا أنه ومنذ قيام الدولة، جرى سنّ ما لا يحصى من القوانين التي استهدفت الأرض والإنسان الفلسطيني في الداخل، ولعل خير مثال على ذلك، قوانين وأنظمة الحكم العسكري وقوانين الأراضي والقوانين المتعلقة بأملاك الغائبين، وقانون الحاضر غائب، الذي غيب الإنسان الحاضر من أجل السيطرة على أرضه رغم حضوره. وبالنظر إلى انزياح الخارطة السياسية في إسرائيل نحو اليمين، فإن مواصلة سن قوانين عنصرية ضد العرب تصبح أسهل بكثير في البرلمانات المتعاقبة بالمقارنة مع سابقاتها.

فبالمنظار القانوني يفرض على العربي ألا يدافع عن بيته في حال تعرضه للهدم، ويفرض عليه القانون أن يهدم بيته بيده إذا طلب منه ذلك، وإذا لم يفعل فالقانون يفرض عليه دفع أجرة الهدم..

والقانون أيضاً يفرض عليه ألا يدافع عن أرضه إذا تعرضت للمصادرة، وإذا فعل تطلق عليه النار أو يلقى في السجون.. كما يفرض عليه القانون أن يشتري أرضه الخاصة، المتوارثة أباً عن جد، من الدولة مرة كل أربعين عاماً، وذلك عن طريق إلزامه بدفع ضريبة سنوية بقيمة 2.5% من ثمن الأرض.. والقانون فرض تنفيذ مجزرة كفر قاسم لأن الضحايا خالفوا أوامر منع التجول..

وبالمنظار القانوني، يمنع أهالي قرية شعب، مثلاً، الذين يسكنون في محيط قريتهم اليوم، أن يعودوا إلى بيوتهم في شعب، رغم أنها تقع تحت نواظرهم ولا زالوا يحملون مفاتيحها، في حين تقوم دائرة أملاك الغائبين بتأجير بيوتهم لحسابها... ويمنعهم القانون من قطف ثمار زيتونهم الذي زرعوه بأيديهم إلا بعد ضمانه من دائرة أملاك الغائبين مقابل دفع رسوم.

ومن عسف القوانين، يقول المحامي محمد ميعاري مستذكراً: "أذكر أنه في الصف الرابع عام 1950، بلي حذائي ولم يعد بالإمكان انتعاله، ما اضطرني إلى طلب الإذن من المدير ليسمح لي بالمجيء حافي القدمين إلى المدرسة ريثما يتسنى لوالدي الحصول على تصريح من الحاكم العسكري بالسفر إلى مدينة عكا لشراء حذاء جديد!... وهكذا كان.. وبالنتيجة فقد اضطررت إلى قطع مسافة تزيد عن 16 كيلومتراً حافي القدمين يومياً بين المكر وكفرياسيف، لمدة تزيد عن الأسبوعين، حتى سمح لوالدي بالسفر إلى عكا.."..

ومن هنا فإن لائحة الإتهام الموجهة ضد بشارة، هي لائحة اتهام ضد الجماهير العربية.. والجماهير العربية لا تنكر التهمة، فمسألة الإنتماء القومي للجماهير العربية هي خط أحمر لا يحتمل المساومة، ولذلك فإن خطورة المسألة تقتضي التجند الأقصى لحسمها مرة واحدة وإلى الأبد..


بقي أن نقول أنه رغم أن الجليل والنقب يتربعان منذ فجر التاريخ على البقعة الجغرافية فلسطين في بلاد الشام، وهنا لا أحسبني أسيء إلى أهلنا في النقب، نقول أن الجليل كان الأقرب إلى دمشق، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، وسياسياً أيضاً، منذ سالف حقب لا يرتقي قياساً معها عمر إسرائيل إلى لحظة..

ولا يمكن لوزير الداخلية، روني بار أون، وأمثاله الكثيرين أن يدركوا حضارية وأخلاقية التواصل القومي، ولا يتاح ذلك للمثقفين الإسرائيليين عن طريق قراءة مقال أو كتابة بحث، ولا يتاح لمن يدعي أنه "يساري" وأن المسألة لا تتجاوز حدود التعبير عن الرأي، فذلك ببساطة لا يتاح إلا لمن عمّر في الأرض منذ غابر القرون، وترك الدهر بصمات طبيعة هذه الأرض على روحه وكيانه وملامحه، وكل ذرة في جسده هي من ترابها ومائها وملحها.. فأهل الشام جبلوا من طينة واحدة، ولا يمكن فصم عراهم بقانون إسرائيلي يسنه من لا يزال ثلج سيبيريا متجمداً في أذنيه..

بعد قرابة ستين عاماً من الحصار والأسرلة، عبثاً تحاول إسرائيل أن تصم أذنيها عن سماع "شاميّة وجاي من الشّام.. من الشّام جاي الشاميّة" في كل عرس في الجليل..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018