محسن إبراهيم يسخر من إيمان المصريين بالقومية/ هيام أحمد طه

يُعرف الرجال بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال".. تلك مقولة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعلى الرغم من أهمية مغزاها، إلا أن هذا المغزى استعصى على عقول البعض، بحيث ذهبوا دائماً الى استخدام مقلوب العبارة، أعني أنهم ممن يعرفون الحق بالرجال، وبطبيعة الحال يزول الحق بزوال الرجال.

ومن بين هؤلاء كتب محسن إبراهيم لجريدة "المصري اليوم" بتاريخ 17 من يونيو 2009 مقالاً قصيراً تحت عنوان "القومية العربية" يشير فيه إلى أنه بعد قيام ثورة يوليو بقليل أطلق عبد الناصر شعاره المشهور القومية العربية، وأصبح سياسة قائمة بذاتها غمرت المنطقة العربية بأسرها لسنوات طويلة بشعور عام وحماس مفرط، وصار لها مريدون يؤمنون بها ويموتون من أجلها. ولكن بعد تغير الأوضاع "توارت القومية العربية شيئاً فشيئاً وخفت صوتها، وبصرف النظر عن أسباب ذلك، فإن الذي بقي منها هو لفظ القومية".

وهنا تبدأ سخرية الكاتب بسبب التصاق لفظ "القومية" حتى الآن بغالبية المؤسسات، مثل الهيئة القومية والمنتخب القومي والفرقة القومية والمعهد القومي.. و.. منهياً مقاله بتساؤل يقول "ماذا يمنع أن نستبدل لفظ "القومية" بـ "الوطنية"؟

يبدو أن الكاتب من هذا الجيل الذي تراوح فيه عنوان كتاب "التربية القومية" في الثانوي العام إلى "التربية الوطنية" وظل العنوان على هذه الذبذبة حتى استقر القائمون بالأمر على ألاّ يُغضبوا أحداً، فجعلوا الكتاب في مرحلة الصف الأول الثانوي بعنوان التربية "الوطنية" في حين كان العنوان في الصف الثالث الثانوي هو التربية "القومية"!

وعلى هذا، فإن أية عقلية متسائلة تعرف ما وراء هذا الموقف من سياسات، إلا أن الكاتب يفضل أن يأخذ الأمور على عواهنها، حتى تنتظم أمام بصيرته العناوين، ومن ثم لا يشغل فكره بشيء.. وهذا ما فعله في فهمه لفكرة القومية العربية على أنها محض شعار رفعه رجل يُدعى عبد الناصر، وراج الشعار برواج رئاسته، وخفت وزال برحيله..

وهو في حد ذاته خطأ فادح للإنسان العادي وجريمة لأي مثقف، لأن فكرة القومية العربية تأسست بداية من اليقظة العربية وظهور التيار القومي إثر استفاقة العرب على دوي مدافع نابليون بونابرت في العام 1798 ومن هذا التيار عبد الرحمن الكواكبي وإبراهيم اليازجي ونجيب العازوري، وكانت أيضاً بداية حركة الإصلاح الديني مع محمد عبده وجمال الدين الأفغاني.

وامتد التيار القومي إلى مطالع العقد الثالث من القرن العشرين، عند جيل بأكمله، من بينهم ميخائيل نعيمة وسلامة موسى ومحمد لطفي جمعة وجميل صدقي الزهاوي ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم الذين لم يختلفوا على "المبدأ القومي" وإن كانت بينهم اختلافات حول مفهوم النهضة والموقف من الغرب.. هذا إذا تتبعنا الجذور الأولى لفكرة القومية العربية.

أما إذا أولينا عناية أكبر بتتبع الحركات السياسية التي تمحورت حول "المبدأ القومي" محاولين تجاوز الفجوة الواسعة في كتابة تاريخ العرب المعاصر، لوجدنا أنها أهملت كثيرا من الجوانب السياسية والاجتماعية، منها الحركة القومية العربية التي نشأت في سورية في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وهي الحركة التي قامت في معظمها على فئات الشباب والطلاب والضباط والصحافيين والمثقفين، وكانوا أيضاً سياسيين ناضجين، أمثال شفيق المؤيد وعبد الحميد زهراوي وشكري العسلي وآخرين..

إلا أن أهمهم على الإطلاق هو عبد الغني العريسي، أحد أهم رواد الحركة القومية والذي أسس، بالاشتراك مع فؤاد حنتس، صحيفة "المفيد" والتي كانت بمثابة الخلفية الاجتماعية والثقافية لكل زعماء الحركة القومية.. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من هؤلاء قد استشهدوا في سبيل تحقيق قوميتهم تلك، وحصدتهم المشانق عام 1915.

ولأن الكاتب لا يعرف من كل هذا السجال التاريخي غير جمال عبد الناصر، فقد اعتقد أن "الحق يزول بزوال الرجال" ذلك أن فكرة القومية العربية لم تزل قائمة، وتطرح نفسها الآن كضرورة لأمتنا العربية، وطوقِ النجاة الوحيد لحضور العرب في التاريخ.

أما عن أسباب خفوت القومية العربية، التي آثر الكاتب ألا يذكرها، فإننا نجزم بأن الكاتب وأمثاله ممن يدعون إلى "الوطنية" على أنها تتعارض مع "القومية" تكريساً للـ "القُطرية"، هم أحد أهم أسباب هذا الخفوت، وإن كان المؤمنون بالقومية يتعرفون على أعدائها جيداً.

وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نحيل الكاتب إلى كتاب الدكتور عزمي بشارة "أن تكون عربياً في أيامنا" الصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" ببيروت. وفيه يؤكد بشارة على أهمية أن تكون عروبياً، ويقول:

"أن تعرف نفسك كعربي في فضاء الانتماءات السياسية. فالقومية العربية ليست أيديولوجية شاملة، بل انتماء ثقافي يدّعي العروبي عبره أنه أصلح من الطائفة والعشيرة، لتنظيم المجتمع الحديث في كيان سياسي. ويثبت الواقع البائس في الدول العربية أن هذا الانتماء أكثر فاعلية من الانتماء القُطري لتوحيد كل شعب عربي، وهو بالتالي أضمن لوحدته من اختراع هوية وطنية على أسس طائفية أو عشائرية..

"أن تكون عروبياً لا يعني أن تجعل الانتماء إلى القومية أساساً للمواطنة، بل يعني أن العروبة أساس حق تقرير المصير وبناء الدولة. والعضوية في الدولة – الأمة، تعني المواطنة المتساوية إن كان المواطن عربياً أو غير عربي".


"السياسي"


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018