مخارج من أزمة لجنة المتابعة../ عوض عبد الفتاح

منذ إعلان السيد شوقي خطيب عن استقالته من رئاسة لجنة المتابعة، طرح المعنيون بالأمر من هيئات وأحزاب وصحفيين وكتاب ومواطنين، أسئلة الما بعد.. أي ماذا بعد الإستقالة. وبدا الأمر وكأن الإستقالة، في هذه الظروف الصعبة، جاءت لتضع الجميع أمام أزمة جديدة، أو أنها أضافت هموما جديدة.

هناك من انشغل بالسؤال عن الشخص الذي سيحل مكانه وكيف سيجري الإتفاق عليه. والواقع إن قلة قليلة جداً، انشغلت بالأزمة البنيوية لهذا الجسم المترهل، والتي تعود جذورها الى الواقع المجتمعي الذي نعيش والى العلاقات الحزبية غير السليمة. ولم يطرح أحد بعد الإستقالة كيفية تطبيق الإستراتيجية أو رؤية إعادة بناء لجنة المتابعة التي تم الإتفاق عليها بين أحزاب أساسية خلال العشر سنوات الماضية.

يبدو أنه حان الوقت لحسم الأمور بشأن تركيبه وطريقة إدارة هذا الجسم التمثيلي العربي وإلا فإن التدهور والتآكل السياسي والإجتماعي والوطني سيتواصل في مجتمعنا وأحزابنا.

حتى عام 1996 لم تتوفر رؤية متكاملة لأحد حول كيفية إعادة بناء اللجنة، رغم المطالبة من الجميع بالإصلاح، لا عند الجبهة، ولا التقدمية ولا حركة أبناء البلد التي كانت أكثر من تطالب بإصلاحها. غير أن الرؤية الإستراتيجية لمستقبل العرب في الداخل كانت تتبلور لدى البعض منذ أواخر الثمانينيات - سواء من أحزاب أو حركات سياسية أو أكاديميين عرب مثل د.عزمي بشارة ود.سعيد زيداني اللذين كتبا مقالاً مشتركاً حول الحكم الذاتي عام 1989.

وعندما ظهر التجمع الى الوجود، الذي هو في الأساس حصيلة زبدة تجربة كل الأحزاب السياسية الوطنية والتقدمية في الداخل، طرح الحزب الجديد الفكرة السياسية - التنظيمية التي تمخضت عن جهود سياسية وفكرية وتنظيمية، أي تنظيم الجماهير العربية على أساس قومي وأن يكون لهذه الجماهير مؤسسات قومية منتخبة تجذر الوعي الجماعي على أن العرب جماعة قومية، وتدير الصراع ضد النظام السياسي الرسمي ومخططاته كجماعة عربية مستهدفة وليس كطوائف وقبائل وأحزاب متفرقة.
وهذه الفكرة مشتقة ومستندة الى تجارب أقليات قومية في دول غربية والى قوانين دولية معترف بها.

ودار حوار مثمر ومفيد على مدار السنوات العشر الماضية تقريباً ساهمت فيه جميع الأحزاب المركبة للجنة المتابعة حول فكرة إعادة البناء، غير أن البعد الأساسي في إعادة البناء، ألا وهو انتخاب اللجنة مباشرة من جانب المواطنين العرب ظلّ ولا زال نقطة خلاف مع تيار أساسي على الساحة ألا وهو الجبهة. مع أن هناك من يلاحظ تراجعاً ولو بسيطاً في لهجة الرفض المطلق للفكرة بل يُلاحظ بداية تفهم لدى قيادات في الجبهة للرؤية المذكورة وهناك حاجة الى طرح الموضوع مجدداً على الأخوة في الجبهة. ولكن الموضوع لم يعد يحتمل المماطلة أو الإستمرار بالتعاطي مع طريقة الإجماع لأنها أصبحت مرادفة للشلل.

إن استمرار الحالة الراهنة على ما هي عليه يعني استمرار التراجع لدور الأحزاب السياسية وتراجع مصداقيتها مقابل التأثير المتزايد لرؤساء السلطات المحلية - ليس كأشخاص - بل كمسؤولين خاضعين لضغوط وابتزازات وزارة الداخلية والمؤسسة الإسرائيلية لمقايضة المواقف السياسية بالميزانيات. بطبيعة الحال هناك رؤساء سلطات محلية يتفقون تماماً مع طرح مبدأ انتخاب لجنة المتابعة وهم أعضاء في أحزاب أو أصدقاء لأحزاب سياسية وطنية.

لجنة المتابعة موجودة اليوم على مفترق طرق، وبالتالي العمل الجماعي العربي ولو بحده الأدنى. ويرى الكثيرون أن الحالة الراكدة التي تعيشها لجنة المتابعة هي وصفة للمزيد من التدهور والتشتت السياسي والإجتماعي ووصفة لتشجيع المؤسسة الحاكمة على المضي بمشروعها العنصري الشامل ضد العرب.
ولذلك ما هي المخارج الأفضل للخروج من هذا المأزق.

يجب أولاً تسجيل النقاط التالية:

أولاً: إن الأحزاب السياسية هي القوى الأساسية الفاعلة في الشارع، والأحزاب هي الأطر الحديثة لتغيير المجتمع ومواجهة النظام الحاكم. هي بديل الطائفية والعائلية. وهي شرط تطوير وتحديث المجتمع.

ثانياً: الفكرة القومية هي الفكرة الجامعة لأي مجتمع وهي البديل عن التشرذم الإثني والطائفي والعشائري. ومجتمعنا العربي بأمس الحاجة الى جامع قومي يحفظ هويته وينظم علاقاته الداخلية.
وإذا اتفقنا على إعطاء الدور الكبير والأساسي للأحزاب والحركات السياسية، علينا أولاً أن نصل الى تفاهم حول تنظيم هذا الدور وكيفية إدارة العلاقات فيما بين هذه الاحزاب والحركات لصالح الهدف المشترك.

هناك أكثر من مخرج لهذه الأزمة لحين إجراء انتخابات مباشرة للجنة المتابعة في غضون أربع أو خمس سنوات. هذه الفترة التي من المفترض أن تكون مرحلة انتقالية - زاخرة بالعمل والنشاط باتجاه التهيئة وتحضير المجتمع العربي في الداخل لانتخاب هيئاته الوطنية القطرية وبناء مؤسساته الثقافية والإجتماعية.

الأول أن تتفق الأحزاب على تشكيل هيئة من التيارات السياسية الرئيسية (هناك ثلاثة تيارات وأربعة أحزاب) (أو ثلاث كتل برلمانية وحركة سياسية كبيرة هي الحركة الإسلامية). تقوم بإدارة لجنة المتابعة، بصورة جماعية.

الثاني أن تتفق الأحزاب بأن يدير اللجنة حزب لمدة عام أو عام ونصف.

الثالث أن يجري انتخاب رئيس من أعضاء اللجنة داخل السكرتاريا.

ولكننا نعتقد أن الخيار الأول هو الأفضل، أولاً لأن هذا الأمر يعيد المصداقية للأحزاب السياسية ويشيع ثقافة سياسية سليمة بين الناس. بتقديري سيكون لهذه الصيغة الجماعية تأثير معنوي كبير على الناس الذين يرغبون في تفاهم وتعاون جدي بين الأحزاب لمواجهة مخططات السلطة المتسارعة ومعالجة المشاكل الإجتماعية الداخلية.

ولأن تحميل المسؤولية لرئيس واحد لعدة سنوات يحمل في طياته إمكانية تكرار نفس تجربة السيد شوقي خطيب وبالتالي لن يغير الواقع القائم بل ستعود الأمور على نفسها. اي أن العلاقات بين الأحزاب ومستوى التعاون سيبقى على حاله.
أما الخيار الثاني فهو أيضاً خيار معقول لأن التناوب على الرئاسة سيحفز جميع الأحزاب، من خلال رؤسائها، على الإلتزام والعمل الجدي لإنجاح عمل اللجنة.

بطبيعة الحال، يمكن إيجاد في كل من هذه الخيارات نواقص كما هو الحال مع جميع الحلول، ولكن تعالوا نتحاور في كل واحدة منها لنتوصل الى أفضلها ولنحسم الأمر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018