مصادرة الديمقراطية ../ حسين العودات

تذكرت السياسة الأميركية فقدان البلدان العربية للديمقراطية فور انتهاء الحرب الباردة، وأعلنت منذ مجيء إدارة الرئيس بوش الابن خاصة أن من أهدافها الأساسية نشر الديمقراطية في البلدان العربية والانتهاء من الأنظمة الاستبدادية والشمولية، وعمقت خطابها السياسي في هذا الاتجاه منذ أحداث سبتمبر 2001.

وأخذت تطالب الأنظمة العربية بإجراء انتخابات وتغيير قوانين الأحوال الشخصية بما يعطي للمرأة حقوقها، وتغيير المناهج المدرسية والكتب المدرسية وخاصة كتب التاريخ والتربية الدينية والأدب العربي والمواد الاجتماعية أي تغيير تدريس العلوم الإنسانية برمتها وجعلها انتقائية وإلغاء دورها في التربية على المشاعر القومية والتحرر الوطني والاعتزاز بالشخصية القومية والوطنية.

والتخلص من الثقافة الدينية وإلغاء أثر الشعر والأدب في بناء شخصية الأمة ولملمة كيانها، وأخيراً تهيئتها لقبول النظام العالمي الجديد والهيمنة الأميركية متعددة الجوانب الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإحلال التقاليد الاستهلاكية محل التقاليد والعادات الوطنية بدلاً من تطوير هذه الأخيرة.

والملاحظ أن الخطاب الأميركي كان يتصرف تحت افتراضات ثلاثة: أولها أن شعوبنا مجموعة من الدهماء والشعوب المتخلفة التي لا تعرف عن الديمقراطية شيئاً ولا تمارسها وهي بحاجة للتربية على الديمقراطية.
والثاني أن الوصول لهذه الديمقراطية إنما يأتي بتعليمات فوقية من حكوماتنا وكأن بناء الديمقراطية يرتبط بأوامر وقرارات ومراسيم من هذه الحكومات، والثالث أن التدخل والضغط والإملاء الخارجي قادر على تحقيق هذه الديمقراطية.

وفي ضوء ذلك تجاهلت السياسة الأميركية نضال شعوبنا طوال قرنين لتحقيق التحرر والديمقراطية وكأن لا تاريخ لنا ولا ثقافة ولا نضال من أجل الديمقراطية دفعت الأجيال العربية المتتابعة منذ مطالع القرن التاسع عشر حتى الآن ثمناً غالياً في سبيل الوصول إليها، وإنه لمن الجهل أو التجاهل والظلم التعامل مع شعوبنا كأنها شعوب بدائية تنتظر الأميركي أن يحضّرها ويعلمها الديمقراطية.

نشأ مفهوم الديمقراطية الحديث بعد النهضة الأوروبية، وبدأ نضال شعوبنا من أجل التحرر والديمقراطية منذ ذلك الوقت، ومن المهم تذكير الأميركان أو إعلامهم أن نضالات النخب العربية من أجل الديمقراطية التي كانت ترفض الإمبراطورية العثمانية القبول بها هي نضالات قديمة، وكم أعدمت سلطات السلطنة العثمانية قادة ومناضلين ومثقفين وسياسيين عرباً لأنهم طالبوا بها.

وأسسوا عشرات الجمعيات في القرن التاسع عشر وهي أحزاب في الواقع لكنها أعطت لنفسها اسم الجمعيات لتتجنب بطش المستبد العثماني، وحمل المفكرون والسياسيون العرب لواء النهضة العربية وطالبوا باللامركزية التي تناسب ظروفهم وبتعليم اللغة العربية في المدارس وبأداء خدمة العلم في البلاد وخارجها، وبإصلاح حال المرأة والإدارة والضرائب والاقتصاد والتعليم، وبتقديم الخدمات للشعب.


وكان كل مطلب من هذه المطالب (دونه حبل الوريد)، ولم تبخل النخبة العربية والمناضلون العرب بدمائهم وأموالهم في سبيل تحقيق التحرر والديمقراطية. ونذكّر بآخر الضحايا في العهد العثماني أولئك الذين طاولتهم مشانق جمال باشا في بيروت ودمشق في مايو 1916.

أسس المثقفون والسياسيون العرب أحزاباً ليبرالية قبل أكثر من قرن من زماننا، ولنتذكر أحزاب الوفد في مصر والوطني والشعب في سورية والاستقلال في العراق ثم فيما بعد الحزب الاتحادي وحزب الأمة في السودان وحزب الاستقلال في المغرب والحزب الدستوري التونسي وغيرها وجميعها أحزاب تمثل الطبقة الوسطى وتدعو إلى إقامة الديمقراطية واتباع نهجها.

وقد مارستها فعلاً عندما حكمت بلدانها، وأخذت في اعتبارها ظروف هذه البلدان ومرحلة تطور الشعوب ولا يستطيع أحد أن ينكر الدور العظيم الذي لعبته هذه الأحزاب في التربية على الديمقراطية.

وفي تطبيقها فعلاً قبل أن يشرفنا الأميركان بقدومهم بحوالي القرن وقبل أن تحط الصهيونية رحالها في فلسطين بنصف قرن، فنحن إذن لسنا شعوباً بدائية ولا دهماء ولدينا شأن شعوب العالم كلها تجاربنا الديمقراطية ونضالاتنا المجيدة وغالية الثمن التي دفعناها في سبيلها.

بدلاً من أن تشرح بعض أنظمتنا السياسية للأميركان هذا وتعلمهم به إذا كانوا لا يعلمون، انطلقت من افتراض صحة استراتيجيتهم لكنها احتجت وطالبت بضرورة (التقسيط) في سبيل تحقيق الإصلاح وتطبيق الديمقراطية مع مراعاة خصائصنا المحلية والقومية.

وكأن خصائصنا معادية للديمقراطية أو أن لا تاريخ لنا معها، فصدّق الأميركان صحة نظريتهم وأخذوا يساومون الأنظمة ويبتزونها وصادروا نضال شعوبنا الديمقراطي، وبدأوا وضع برامج (لتدريبنا) على الديمقراطية من خلال تمويل علني ووقح لبعض مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وبعض التيارات السياسية، وفتح دورات (للتدريب) على الديمقراطية.
وبالتالي فتح منافذ للتدخل في شؤوننا باسم الديمقراطية ومصادرة الديمقراطية كلها تحت زعم تحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعات (ديمقراطية) ومازالت اللعبة مستمرة متجاهلة أنه لا يبني الديمقراطية إلا أبناء المجتمع أنفسهم وأن الخارج لا شأن له ولا قدرة على بنائها.

لقد أعاقت السياسة الأميركية الهادفة لنشر الديمقراطية نضال الديمقراطيين في بلادنا وجردتهم من تراثهم النضالي خلال قرنين، وأظهرتهم كأنهم ولدوا بالأمس مع انتهاء الحرب الباردة وبدء الهيمنة الأميركية، وأعطت المبرر لأعداء الديمقراطية في المجتمعات العربية وفي بعض الأنظمة السياسية لاتهام الديمقراطيين باللقاء مع الاستراتيجية الأميركية وقبولها والدعوة لها.

وتجاهلت نضالاتهم التاريخية، بحيث أصبح المناضل من أجل الديمقراطية في بلادنا يكاد يخجل من تاريخه ويناضل أولاً لإقناع الناس بأن لا علاقة له بالسياسة الأميركية واستراتيجياتها، ونسي بعض المناضلين أنفسهم وتاريخهم وتحولوا إلى ليبراليين جدد يسبحون في بحر الديمقراطية الأميركية، وفي الخلاصة اختطفت السياسة الأميركية تاريخنا النضالي من أجل الديمقراطية، وأحدثت نكسة حقيقية لإقامة الديمقراطية في هذه البلاد.

لسنا أبناء الأمس في مجال علاقتنا بالديمقراطية، وليقرأ الأميركيون تاريخنا منذ عهد عمر بن الخطاب وأبي ذر الغفاري وصولاً إلى سعد زغلول، وعندها سوف يكتشفون أن الديمقراطية والنضال في سبيلها ليست حديثة العهد في هذه البلاد.

وأنها تدخل في العمق الثقافي للفرد والمجتمع في البلدان العربية، وتواصل مجتمعاتنا بمثقفيها ونخبها وفئاتها الاجتماعية المختلفة نضالها للوصول إلى الديمقراطية وبناء مجتمعات ديمقراطية حقيقية آخذة احتياجاتنا وإرثنا التاريخي بعين الاعتبار وبيد أبناء شعبنا لا بيد الأميركي ولا غيره من قوى الخارج.
إنه لمن المخجل تلك المزاعم الأميركية تجاه موقفنا من الديمقراطية، وتلك الممارسات التي يزعمون من خلالها أنهم سيدربوننا على الديمقراطية، من خلال دورة هنا ومحاضرة هناك..

"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018