مصادرة القرار الفلسطيني من بلفور إلى الرباعية../ عوني فرسخ

بعد عام ونصف العام من صدور تصريحه كتب اللورد بلفور يقول “إن نقطة الضعف في موقفنا أننا بكل تأكيد قد رفضنا في حالة فلسطين حق تقرير المصير، ولو أن السكان المحليين استشيروا لأعطوا قطعا قرارا ضد إدخال اليهود”. فيما ورد في تقرير لجنة كنج كرين الأمريكية ما نصه “إذا كانت رغبات سكان فلسطين سيعمل بها، فيجب الاعتراف بأن السكان غير اليهود، وهم تسعة أعشار السكان، كلهم تقريبا يرفضون البرنامج اليهودي رفضاً باتاً”. وبرغم ذلك كثفت بريطانيا، وبدعم أمريكي، مساعيها حتى أصدرت “عصبة الأمم” في 24/7/1922 “صك الانتداب”، متضمنا النص على قيام الدولة المنتدبة بوضع فلسطين سياسياً وإدارياً واقتصادياً بما يضمن إنشاء “الوطن القومي اليهودي “. فيما لم يتعاط الصك مع عرب فلسطين كشعب له وجوده التاريخي وحقوقه السياسية، وإنما كطوائف لها حقوقها الدينية والمدنية فقط، مصادرة بذلك في مخالفة لحقائق تاريخ فلسطين ومعطيات واقعها حق شعبها العربي في تقرير المصير، في تناقض مع دعوة الرئيس ويلسون وروح ميثاق عصبة الأمم.

وتكرر الأمر سنة 1947 بالتقاء الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والدول الدائرة في فلكيهما، ليس على تأييد قرار التقسيم وتأمين تمريره في الجمعية العامة للأمم المتحدة فقط، وإنما أيضا بتزويد الصهاينة بالسلاح والمقاتلين، وبالسكوت على تجاوزهم حدود التقسيم باحتلال 78% من فلسطين، والحيلولة عمليا دون قيام “الدولة” الفلسطينية. بينما لم يكن المستوطنون الصهاينة يجاوزون 33% من السكان، ويحوزون ما يزيد على 6% من مساحة فلسطين، وبرغم إجماع المندوبين العرب أمام “اللجنة السياسية” على المطالبة باستقلال فلسطين وإقامة نظام ديمقراطي يكفل الحقوق الدستورية للمستوطنين الصهاينة والمواطنين العرب.

وبعد تسعين عاما من تصريح بلفور، وستين عاما من قرار التقسيم، أكدت الرباعية التزام أعضائها باستراتيجية مصادرة القرار الفلسطيني المستقل والتنكر للحقوق العربية المشروعة، والتناقض اللاموضوعي مع حقائق الصراع المفروض على شعب فلسطين. كما يتضح من شروطها الثلاثة، التي تصر وزيرة الخارجية الأمريكية على التزام حكومة “الوحدة الوطنية” بها، للتفضل عليها بالمشاركة في مفاوضات “عملية إشاعة أوهام” “السلام”.

فشرط الاعتراف ب “إسرائيل” يتجاهل المطالبون به كونها دولة غير مرسمة الحدود، وذات نظام عنصري، وتمارس التمييز ضد الأقلية العربية ذات الوجود التاريخي في أرض آبائها وأجدادها، والمهددة بالتهجير القسري “الترانسفير”، كما هو جار في القدس المحتلة. والاعتراف المطلوب لا يضفي المشروعية على ذلك كله فقط، وإنما ينزع أيضا مشروعية الحقوق الوطنية الفلسطينية كافة. فضلاً عن أن المنظمة سبق أن اعترفت ب “إسرائيل” بخطاب الرئيس عرفات في جنيف سنة ،1988 ولم يحقق اعترافها أي مردود سوى تبديد ورقة مهمة في الصراع.

وشرط إعلان نبذ العنف هو شرط ملتبس، إذ يتعاطى المطالبون به مع المقاومة المشروعة دولياً وكأنها إرهاب، كما أنهم يتجاهلون الممارسات الصهيونية المستفزة للمشاعر الوطنية والدينية والمحفزة للرد، وآخرها على سبيل المثال الحفريات الجارية عند بوابة المغاربة في تماس مع جدار الحرم الشريف، وكذلك قمع المحتجين سلمياً في “بلعين” ضد اغتصاب جدار الفصل العنصري لأرضهم ومصدر عيشهم. ثم إن هذا الشرط يعني في مضمونه ليس اسقاط حق المقاومة المشروع فقط، وإنما أيضا إسباغ المشروعية على العدوان الصهيوني وقبول اعتباره “دفاعاً عن النفس”. وليس أبعد عن الموضوعية من أن يطالب المعتدى عليه بالامتناع عن رد العدوان.

أما شرط الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وما سبق لسلطة أوسلو أن وقعته، فمطالبة مؤسسة على قلب الحقائق، كون “إسرائيل” الدولة الأكثر مخالفة للقرارات الدولية، والتي لم تلتزم بتنفيذ ما وقعت عليه، كما بالسكوت على لاءات أولمرت التي لم تبق شيئاً للتفاوض عليه، فضلا عن أنه ليس في العرف الدولي ما يلزم الخلف بعدم مراجعة ما سبق أن عقده السلف، أو قبول ما لا يرى فيه مصلحة وطنية. وحسبي التذكير بأن مصطفى النحاس عندما وقع معاهدة 1936 اعتبرها إنجازا تاريخيا، ثم ألغاها سنة 1951 عندما تغيرت الظروف، ولقي قراره تأييد العرب من المحيط إلى الخليج.

وليس بفعل قوة الجماعات اليهودية، كما تذهب الظنون بكثيرين، تجمع الدول العظمى على مدى العقود التسعة الماضية على مصادرة قرار شعب فلسطين وحقوقه الوطنية المشروعة، في تناقض مع حقائق التاريخ ومعطيات الواقع. ودليلي أنه لم يكن في موسكو سنة 1947 لوبي يهودي عندما أمر ستالين بتأييد قرار التقسيم ودعم الصهاينة بالسلاح التشيكي والمقاتلين من أوروبا الشرقية. ودائما كان التأييد الدولي للصهاينة، ولا يزال، لدور “إسرائيل” كحاجز مانع لوحدة العرب وصيرورتهم قوة عظمى في موقع استراتيجي من العالم. و”إسرائيل” بذلك لا تغتصب الحقوق الفلسطينية فحسب، وإنما تجهض المستقبل العربي، فضلاً عن تهديدها أمن واستقرار وتقدم كل قطر عربي. وتترتب على هذه الحقيقة التاريخية ثلاث مسائل:

* الأولى كون مقاومة “إسرائيل”، بأي وسيلة، مشروعة دوليا، وذات بعد قومي بصرف النظر عن هوية وانتماء من تصدر عنه. وتأييدها ودعمها بكل الإمكانيات المتاحة ما تفرضه وحدة المسيرة والمصير على كل عربي أيا كان موقعه، ودون ذلك تفريط في حق الأجيال العربية الحالية والقادمة.

* الثانية أنه من غير الواقعية والموضوعية توقع حصول أي موقف دولي متوازن تجاه الصراع العربي الصهيوني، ما دام الواقع العربي لم يرتق إلى ما يفرض على الآخرين مراجعة حساباتهم. وفي تحول الموقف السوفييتي بعد بروز الفعالية العربية القومية العام 1954 برهان ذلك.

* الثالثة أن العرب عامة والفلسطينيين خاصة أمام صراع ممتد، وبقدر ما تتعزز لديهم إرادة الممانعة والمقاومة، ويتفاعلون مع القوى الإقليمية والدولية المناهضة للهيمنة والاستغلال والتحكم بمصائر الشعوب، بقدر ما يحدون من التداعيات الخطرة لالتزام القوى الدولية بالاستراتيجية التي رسمت خطوطها قبل صدور تصريح بلفور.


"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018