مظهران لعالم يحتضر..../ د. طيب تيزيني

ثمة حالة من الكآبة والقلق والتحسّب تلفّ أوساطاً كبرى من العالم، تاركة أسئلة مفعمة بالمرارة. من هذه الأسئلة يبرز، راهناً، اثنان قلّما تخلو منطقة في العالم منهما؛ أولهما يتصل بمصير العالم كله، ويجيء بالصيغة التالية: هل يوجد من الأسباب ما يدعو إلى الخوف من ظهور أخطار تهدد العالم برمّته؟ أما الثاني فينطلق من التشكيك في إمكانات البشر، ويفصح عن نفسه على النحو التالي: أكفّت المجتمعات الراهنة عن إنتاج حكماء تُناط بهم مهمة التخفيف من غُلواء وطغيان الأقوياء في العالم؟

وقد جاء السؤال الأول من وحي الخبر الكبير الذي عمّ المعمورة مؤخراً، ويقوم على أن عدداً مرموقاً من العلماء ذوي الاختصاصات المتنوعة، جمعوا كل أنواع النباتات ووضعوها في شروط مناسبة وفي إطار جبل جليدي. ها هنا، يزداد احترام المرء لأولئك العلماء حين نعلم أنهم انطلقوا في مبادرتهم العظيمة هذه من رعبين اثنين قد يهددان العالم في وجوده وبقائه: الرعب من اندلاع حرب ذرية يشعلها ذوو الضمائر الميتة والمصالح المفتوحة بجشع قاتل، والخوف من كوارث طبيعية هائلة من طراز تسونامي، قد تُدخل الكون في حال من الفوضى المميتة.

أما السؤال الثاني فقد ظهر للعيان مراراً منذ نشأة النظام العالمي الجديد- العولمي. وقد جاء ذلك في سياق عملية وطيدة لإفقار كتل بشرية هائلة، ومن ضمنها الفئات الاجتماعية الوسطى. ويهمنا هنا أن هذه الفئات التي كمنت وراء إنتاج الثقافة والنشاط السياسي الثقافي والإيديولوجي، أخذت تعيش حالة من العقم في الحقل الأخير. وتجلى ذلك في أزمتين، إحداهما في الإنتاج الثقافي والإبداعي، والأخرى في الإنتاج السياسي فكراً وممارسة، فكان الوريث الشرعي للسياسة، نظاماً أمنياً يمتلك المرجعيات الكبرى في المجتمع؛ السلطة والثروة والإعلام والحقيقة المتداولة.

والطريف في ذلك أن نكتشف أن النظام الأمني العربي سبق النظام العالمي الجديد- العولمي في تكريس الفعل الأمني مقابل الفعل السياسي؛ فذاك برز خصوصاً مع سبعينيات القرن الماضي، في حين أن الآخر أعلن عن نفسه مع العِقد الأخير من القرن المذكور، مما أنتج تحالفاً موضوعياً وفاعلاً بين كلا النظامين. أما الأول (العربي) فأفصح عن نفسه في المقولة التالية: يجب أن يُفسَد من لم يُفسد بعد، بحيث يصبح الجميع أو الكل المجتمعي فاسداً ومِنْ ثَم مُداناً تحت الطلب. بيد أن النظام الثاني (العولمي) صاغ مقولته التأسيسية الجديدة عبر الثنائية القاطعة بين الديمقراطية والإرهاب. فمن لا يندرج في الديمقراطية (العولمية- الليبرالية الجديدة)، هو بالضرورة مندرجٌ في الإرهاب، أما خصوصية الإرهابيين الرئيسة فهي كونُهم "كائنات تاريخية" فقدت صلاحيتها وشرعيتها الوجودية، كما هو الحال بالنسبة إلى عبيد بابل أو أثينا أو روما.

لقد عبّر ذلك عن نفسه بكيفيتين، قدم أولاهما "تقرير البيت الأبيض" عن الاستراتيجية الجديدة في شهر سبتمبر عام 2002. أما الكيفية الثانية فأفصح عنها الوزير الإسرائيلي شتريت يوم الـ30 من يونيو المنصرم. جاء في تقرير البيت الأبيض أنه لا تمكن المساومة مع الإرهابيين ولا التفاوض، وكذلك لا اعتذار لهم، ولكن كسر عظامهم. أما الوزير الإسرائيلي فصرّح قائلاً: إن إسرائيل لا تتفاوض حول "الجندي المختطف من الفلسطينيين" في غزة، مع منظمات إرهابية. وكما هو واضح من "الخطابين"، فإن قرارهما حيال الإرهاب والإرهابي يأتي بعد ردْم الهوة الأيديولوجية والسياسية والأخلاقية بين رفع السلاح في وجه جيش الاحتلال، وبين رفعه في وجه فرد أو مجموعة ظلماً وعدواناً. يأتي ذلك في مرحلة تحتجز إسرائيل في سجونها أزيد من عشرة آلاف أسير فلسطيني.

على ذلك النحو السوداوي من واقع الحال العالمي الراهن، يتساءل الإنسان في كل بقعة من العالم: لماذا لا يتعاقد الناس جميعاً على أمر قديم- جديد يتمثل في الحفاظ على العالم وعلى كرامة سكانه، بعيداً عن مخاوف حرب ذرية، وبسعي حثيث لمواجهة مخاطر الطبيعة بجنوحها عن مسارها "الطبيعي"؟ لقد أدرك ميشال بوغنون- موردان في كتابه "أميركا التوتاليتارية" أن ذلك النحو السوداوي المخيّم على العالم كله يقتضي أن يواجَه بالفكرة التالية، والتي قد تكون نسيج العقد الاجتماعي الجديد بين البشر: سوف يُفهم أن الأوّلية يجب أن تُعطى للسياسة، ويجب أن يُعاد الاقتصاد إلى مكانته التابعة للسياسة، أعني لإرادة المواطن.

"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018