معاني انبعاث المقاومة ونجاحها../ عوض عبد الفتاح

الحروب مكروهة وممقوتة حتى لو كانت مبررة، فكم بالحري عندما تكون غير مبررة وغير عادلة ومدفوعة بنزعة أطماع توسعيّة وبمنطلقات عنصرية. ويلاتها عظيمة، وضحاياها كثيرة، ودمارها هائل. الأعراف الدولية والقيم الإنسانية القديمة والحديثة فرّقت بين حروب الدفاع عن النفس وبين الحروب العدوانية. وفرضت قيوداً على سلوك الجيوش.

منذ أكثر من مائتي عام تجددت الغزوة الغربية على المنطقة العربية بمبادرة إمبراطور فرنسا نابليون على مصر الذي لم يصمد أمام مقاومة المصريين لأكثر من ثلاث سنوات لتنضم دول استعمارية غربية أخرى إلى عملية استئناف مشاريعها الاستعمارية، إما مباشرة أو عبر الحركة الصهيونية في منطقتنا.

خلال هذه الحقبة من الزمن جرت محاولات لتحديث المجتمعات العربية وتوحيدها بتأثير ما سمي الصدمة الحضارية النابعة من تكشّف حجم التخلف العربي في ظل الإمبراطورية العثمانية مقارنة بالتقدم المادي والصناعي الغربي. في هذه الحقبة من الزمن لم تجر أي محاولة من أية ولاية عربية أو من مجموعة ولايات للاعتداء على أي دولة غربية ولم يكن أي عداء لليهود في المجتمعات العربية، بل بالعكس فقد عاش اليهود العرب في مجتمعاتهم العربية بدون تمييز ولا كراهية لا من جانب الحكم ولا من الناس. ولم ينشأ الشعور بالكراهية للمجتمع اليهودي الإسرائيلي في أوساط العرب إلا بعد اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها في جميع أقطار الأرض عبر التحالف مع بريطانيا العظمى و من ثم مع أمريكا.

في المجتمعات العربية أسباب توتر كثيرة وعوامل تخلف عديدة، لكن هذا ليس شأن إسرائيل ولا الغرب. حاولا دائما إظهار تخلف العرب وغياب الديمقراطية وسيادة العصبية القبلية كتبرير لإقامة وتكريس قاعدة غربية في قلب الوطن العربي كجزء من الغرب وحضارته وتوجهاته الاستراتيجية تجاه شعوب المنطقة، ومن ناحية أخرى سعيا الى طمس كل ما هو مشرق في تاريخنا، و الى تدمير كل محاولة جدية للنهوض. ولم يكن الهدف أن تكون إسرائيل جزءً من المنطقة كدولة متساوية مع الجميع، بل كان هدفها وفي صلب توجهاتها الإيديولوجية والاستراتيجية أن تكون "حائطاً أمام البربرية الشرقية" كما جاء في كتاب رئيس المؤتمر الصهيوني الأول هرتسل "دولة اليهود". أو دولة مهيمنة تقود العالم العربي كما قال "شمعون بيريس" في المؤتمر الاقتصادي في الدار البيضاء عام 1994. وكان هذا يتطلب قمع أي مقاومة، رسمية كانت أم شعبية، لمشروعها المدعوم غربياً.

ورغم النجاحات التي حققتها إسرائيل عبر ترويض أنظمة عربية وإخراجها من دائرة الرفض والمقاومة وعقد اتفاقات صلح معها على حساب القضية العربية المركزية، قضية فلسطين وعلى حساب سيادتها كدول قطرية، فإنها لم تستطع لا هي ولا الأنظمة العربية أن تمنع انبعاث المقاومة في بعض البلدان العربية، إضافة الى فلسطين.

إن إمعان إسرائيل وحليفتها أمريكا في التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني عبر توسيع الاستيطان ونهب الأرض وتمزيق الكيان الجغرافي الفلسطيني وبناء الجدار العنصري الفاصل، المترافق مع عدوان عسكري وحشي متواصل على الإنسان والأرض، وإمعانها في التعامل المهين مع القيادة الفلسطينية في حقبة عرفات وفترة أبو مازن، وفي تحويل معظم الحكام العرب إلى دمى في يد أمريكا بعد أن استباحت اقتصادهم وأرضهم وبنت القواعد العسكرية الضخمة فوقها لتعتدي على شعوبهم، وتنهب ثرواتهم، كل ذلك أعاد بعث المقاومة العربية بقوة أكبر، في فلسطين، وفي لبنان، وفي العراق. وعزز موقف الممانعة في سوريا المستهدفة بسبب دعمها للمقاومة اللبنانية وتأثيرها في المقاومة الفلسطينية.


في أقل من ثلاث سنوات تتعرض دول عربية لحربين قذرتين دون مبرر إطلاقا. أمريكا تأتي بأساطيلها وآلتها الحربية إلى العراق الذي يبعد عنها حوالي عشرة آلاف كيلومتر وتغزوه. العراق لم يعتد على الأراضي الأمريكية ولم يهددها. لكنها المصالح الاستراتيجية - الاقتصادية ودافع الهيمنة على العالم. هذه المصالح التي ليس لشعب العراق ولا لشعوب المنطقة حصة فيها. لا حاجة لاستعراض وضع العراق اليوم، والدمار الذي لحق ببنيته المادية والبشرية وبنسيجه وبوحدته الوطنية. لكن من خلال هذا الدمار ينشأ الغضب والمقاومة.

كذلك في لبنان الذي لا تزال تحتل اسرائيل جزء من أراضيه، وتحتجز عددًا من الأسرى، وتستبيح طائراتها فضاءه كل يوم، يقوم حزب الله بعملية عسكرية ضد قوة عسكرية إسرائيلية وبأسر اثنين من الجنود. إسرائيل، الدولة، وليس الميليشيا، تقوم بشن عدوان شامل ووحشي على أهداف مدنية، فتقتل المدنيين وتدمّر البيوت والجسور والخدمات. لاحظوا الفرق.
عقلية الهيمنة والتوسع والاستعلاء العنصري التي تميّز إسرائيل ضد الشعوب العربية ونخبها الوطنية ترفض وجود قوة ردع على حدودها في لبنان أو فلسطين تساهم في تحقيق تسوية معقولة للصراع العربي-الإسرائيلي.

صحيح أن المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان تتمسك بالرؤية التاريخية للصراع، ولكن لا تريد إسرائيل ولا أمريكا أن تجيب على السؤال لماذا انبعثت هذه المقاومة ذات المطالب الأقصى مع أن هذه المقاومة أظهرت مؤخراً قدراً كبيراً من البراغماتية في التعامل مع الصراع وإدارته.

ويستدل من براغماتية هذه المقاومة أنها مستعدة لقبول مرحلية الحلول بحيث تقرر الأجيال القادمة شكل العيش المشترك في فلسطين. وليس بالضرورة أن تكون مراحل السلوك اللاحقة عنيفة ومدمرة. بل قد تكون عبر التنافس الحضاري للوصول الى أفضل صيغة للعيش المشترك.

ولكن ما حاجة هذا التفسير والمحاججة، إذ أن إسرائيل أهانت وخدعت أكثر القيادات الفلسطينية براغماتية الذين وقعوا معها اتفاق صلح، وواصلت تغيير الواقع في فلسطين. وكانت قد خاضت حروبًا عدوانية ضد التيار القومي العربي - حرب 56 وحرب 67.

ولذلك فإن النقاش الدائر في الساحة اللبنانية أو في العالم العربي، ليس له علاقة بصواب عملية حزب الله، أو عملية حماس (أسر الجنود) فإسرائيل لم تنضج بعد لقبول حل وسط. والمسألة هي أن لا الأنظمة العربية قادرة أو راغبة في إستعادة كرامتها وأخذ زمام المبادرة، ولا المجتمع الدولي قادر أو راغب على التحرر من أسر المعايير الأخلاقية المزدوجة والتخلص من بقايا مفاهيمه الإستعمارية وأطماعه في المنطقة العربية.

تأخذ بعض الأنظمة العربية على إيران دعمها للمقاومة اللبنانية وسعيها للتسلح النووي، بل وصل الدرك ببعضها الى اعتبارها أخطر من إسرائيل. لأسباب مذهبية ضيقة نابعة من عقلية جاهلية، ولأسباب إقليمية.

يمكن الإختلاف مع إيران أيديولوجياً وسياسياً وبخصوص موقفها داخل العراق، ولكن ما يزعج الأنظمة العربية هو لغة ونهج التحدي لأمريكا الذي تعتمده القيادة الإيرانية و إتقانها لإدارة المعركة مع أمريكا وتفوقها بذلك على تلك الأنظمة الخنوعة.

إذا ما كان يقلق هذه الأنظمة المرتبطة بأمريكا تزايد قوة ونفوذ إيران في حزب الله باعتبارها دولة غير سنية وذات مطامع إقليــمية، لماذا لم تنجح هذه الأنظمة في أن تكون قوة جذب لقوى المقاومة العــربية و الإسلامية؟! ولماذا هي لم تنجح ولا تسعى في التحرر من الهيمنة الأمريكية على قرارها.

تنتقد هذه الأطراف العربية الرسمية المقاومة اللبنانية والفلسطينية. ولهذه المقاومة بطبيعة الحال أخطاء ميدانية وسياسية ويجب انتقادها بهدف تصويبها. لكن العداء الإسرائيلي والأمريكي هو لنهج المقاومة. فلماذا لا تقوم هذه الأنظمة باعتماد استراتيجية المقاومة والممانعة للإحتلال الإسرائيلي والأمريكي بدون الأخطاء التي ينسبونها للمقاومة العربية!

أليسوا هم من يتحملون المسؤولية الرئيسية عن هذه "الأخطاء" باعتبار أن تبعيتهم للقرار الأمريكي وتواطؤهم معها، هو الذي يشجع العدوان وتكريس الحيف اللاحق بشعوب فلسطين ولبنان والعراق وغيرها من بلاد العرب. والذي بدوره يخلق حركات المقاومة.

بطبيعة الحال إن تركيبة وواقع هذه الأنظمة لا يسمحان بتبني موقف داعم للمقاومة. فلا يرجى منها. لن يأتي تغيير الواقع العربي من هذه الأنظمة بل من الشعوب حين تستطيع أن تتحرر من قبضة حكامها وتقيم حركاتها الوطنية التحررية والديمقراطية على أساس برنامج سياسي وإجتماعي واضح.

لا شك أن إستمرار نهج المقاومة ضد الإحتلال والإستعمار له دور هام في خلق الأرضية للتغيير، التحرر والبناء والديمقراطية. وتحقيق الأمن والإستقرار والحياة الحرة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018