منازعات فتح وحماس بشأن القيادة والسلطة/ ماجد كيالي

يكاد التنازع بين حركتي "فتح" و"حماس"، وهما الحركتان الرئيستان في الساحة الفلسطينية، يحتلّ المشهد السياسي الفلسطيني بأكمله، على حساب التصارع ضد إسرائيل وسياساتها في الأراضي المحتلة.

طبعاً ليس ثمة مشكلة في اختلاف الحركتين المذكورتين من حول القضايا السياسية، وفي تنازع القيادات السائدة فيهما على الصلاحيات، كما في تنافسهما على المكانة والشعبية، فهذه الظواهر يمكن اعتبارها من أبجديات العمل السياسي، بل وربما أنها تعتبر من أهم الدلائل على حيوية وعافية النشاط السياسي، في حال تم ضبطها وتقنينها وتوجيهها للصالح العام.

المشكلة في ما يحصل في الساحة الفلسطينية، هذه الأيام، أنه قد يتعدّى كل التوصيفات السابقة، حيث ثمة تخوّفات حقيقية من احتمال تفاقم الأوضاع، بين "فتح" و"حماس"، وانتقالها إلى درجة عالية من الخطورة، ربما تهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته، فوق كل التهديدات والتحديات المحيطة به من قبل الطرف الإسرائيلي.

ويكمن مصدر هذه التخوّفات في العوامل التالية:

أولاً، إن النزاعات والخلافات والتنافسات، بين "فتح" و"حماس"، لم تعد منحصرة في المساجلات داخل إطار المجلس التشريعي، أو في تجاذب الصلاحيات بين مؤسستي الرئاسة في الحكومة والسلطة، أو لجهة حسم مكانة المرجعية والشرعية، بين الحكومة وقيادة منظمة التحرير، إذ إن كل هذه المظاهر انتقلت إلى الشارع. والحاصل فإن هاتين الحركتين باتتا وكأنهما تتعمدان تجاوز الحوار السياسي المباشر، في القنوات المناسبة، في محاولة منهما لشحن العواطف وتجييش الشارع (شارع ضد شارع)، في نوع من استعراض "قوة" متبادل بينهما.

ثانياً، المعضلة الأكثر خطورة في المشاكل القائمة اليوم، بين "فتح" و"حماس"، أنها أدت إلى صدامات مسلحة، على الرغم من استمرار هاتين الحركتين بتحريم إراقة الدم الفلسطيني. والواقع فإن اللعب بالنار في الساحة الفلسطينية جد خطير، لاسيما في ظل فوضى السلاح الحاصلة، وبالنظر لطغيان الطابع الأمني ـ الميليشياوي، للفصائل الفلسطينية الفاعلة، على طابعها السياسي، وأيضا بحكم تدنّي مستوى العلاقات الديمقراطية، وضعف البنى المؤسسية، والافتقار إلى الوعي بالاحتكام للقانون، وتغليب المصالح الفصائلية الفئوية على المصالح الوطنية والعامة.

ويكفي أن نذكر في هذا الإطار بأن عمليات المقاومة الفلسطينية أدت في العام الماضي إلى مقتل حوالي 52 إسرائيليا، في حين قتل 176 شخصا من الفلسطينيين، في العام الماضي، بسبب فوضى السلاح وبسبب الاحتكام إليه في بعض المنازعات الداخلية! أي أكثر من نسبة 50 بالمئة من عدد الشهداء الفلسطينيين، الذين لقوا مصرعهم برصاص الجيش الإسرائيلي، في ذات العام، والذين بلغ عددهم 311 شخصاً.

ثالثاً، باتت الساحة الفلسطينية تعمل وفق معادلة من الازدواجية السياسية، في إطار من تعادل القوى، بين حركتي "فتح" و"حماس"، وهي معادلة تستمد شرعيتها من نتائج الانتخابات الفلسطينية، التي أدّت، فيما أدت إليه، إلى حصول استقطاب فلسطيني، غير مسبوق، لصالح هاتين الحركتين، بما يعنيه ذلك من تآكل حال التعددية والتنوع في البيئة الشعبية الفلسطينية، في ظل ضعف الفصائل الأخرى.

ولا شك أن هكذا واقع يهدد التوازن والاستقرار والحيوية في الساحة الفلسطينية، ويضعف من امكان تطورها السياسي الديمقراطي. كما إن هذا الوضع يجعل هذه الساحة تقبع تحت رحمة التوتّرات والعصبيّات والمزاجات الفتحوية والحماسية، ويحول دون قدرة أي من الحركتين المذكورتين على الاحتكام للفصائل الأخرى، أو الاتكاء عليها، لترشيد الأحوال والعلاقات السائدة بينهما.

رابعاً، أدت التوتّرات الفتحوية ـ الحماسية إلى تراجع جدول الأعمال الوطني، فبدلاً من التركيز على التناقض الرئيسي ضد العدو، يجري المبالغة بالخلافات الداخلية، الثانوية والآنية، المضرّة. هكذا بات الصراع بين هاتين الحركتين يبدو وكأنه أهم من الصراع ضد إسرائيل! لكأن الصراع على حدود صلاحيات الرئاسة أهم من الصراع ضد جدار الفصل العنصري. أو اعتبار التنافس الفصائلي الداخلي أهم من التوحّد لمواجهة التحديات، التي يمكن أن تنجم عن المشروع التصفوي الإسرائيلي المتمثل بالحل الأحادي ("الانطواء"). أو كأن اللجوء للتهدئة ضد العدو ينبغي أن يقابله نوع من التوتير في الساحة الداخلية!

وعلى ضوء كل ما تقدم يخشى الاستنتاج بأن الخلافات الدائرة في الساحة الفلسطينية، في هذه المرحلة، إنما هي تحصيل حاصل للإخفاقات التاريخية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، بمجمل تكويناتها. فبغضّ النظر عن الرغبات والشعارات والأمنيات، فإن هذه الحركة، في حقيقة الوضع، لم تحرز النجاحات المناسبة في مجمل الخيارات التي أخذتها على عاتقها، في المقاومة والانتفاضة، وفي التسوية والمفاوضة، كما في مهمات البناء، سواء كانت مهمات بناء الثورة أو بناء الكيان والسلطة؛ وذلك على الرغم من كل التضحيات والمعاناة والبطولات التي بذلها الشعب الفلسطيني، منذ ما يزيد على أربعة عقود مضت.

والأنكى من ذلك أنه لا يمكن إحالة هذه الإخفاقات، فقط، إلى حجم التحديات الخارجية (وأهمها الإسرائيلية بالطبع)، التي ظلّت تعترض المشروع الوطني الفلسطيني، طوال المرحلة الماضية، ذلك أن قسطا كبيرا من المسؤولية يقع على عاتق العامل الذاتي الفلسطيني، وهو ناجم عن تخلف إدارة الفلسطينيين لأوضاعهم ولصراعاتهم ضد إسرائيل، أي إلى خلافاتهم وفوضاهم.

هكذا فإن الفلسطينيين معنيون، في حوارهم المرتقب خلال الأيام القليلة القادمة، بالبحث جديا في العوامل الذاتية لحال التأزم في العلاقات الداخلية، ووضع حد نهائي لها، بتغليب وسائل الحوار وتحكيم الأطر والمؤسسات الدستورية والتشريعات القانونية، وتغليب مصلحة الوطن على مصلحة الفصيل. ولكن ذلك يتطلب أساسا عدم استعمال الشارع في الخلافات الجارية، والتوجه بدلا من ذلك إلى ترشيد العلاقة السياسية مع هذا الشارع، عبر الارتقاء بوعيه، وتوجيه طاقاته للصمود والتغلب على الاملاءات السياسية وإجراءات الحصار الإسرائيليتين.

وفي كل الأحوال لامناص أمام الفلسطينيين من ابتداع حلول مناسبه للأزمة الحاصلة في نظامهم السياسي، على ضوء الازدواجية في السلطة والقيادة، والتعادل في المكانة الشعبية بين حركتي فتح وحماس.

ومعنى ذلك أن الفلسطينيين يقفون اليوم في مواجهة واحد من خيارين، لا ثالث لهما، فإما اختيار التوافق بين فتح وحماس، عبر التوصل إلى قواسم سياسية وميدانية مشتركة، لمواجهة السياسات الإسرائيلية. وإما التحول نحو حسم واقع الازدواجية والتعادل، بالوسائل الديمقراطية والدستورية، إن بتنظيم استفتاء شعبي للحسم في مجمل القضايا السياسية المختلف عليها، بين فتح وحماس، ما يضمن الحفاظ على الواقع القائم (على الرغم من إشكالياته)، أو بالتوجّه نحو تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، في آن معا، يقرر فيها الشعب الفلسطيني قيادته ومرجعيته السياسية، وما يضمن تجاوز الواقع الإشكالي الناشئ، بشكل لائق وحضاري، وبما يضمن سلامة المسيرة الفلسطينية أيضا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018