منظمة التحرير لم تعد الممثل الشرعي والوحيد!!../ سليمان أبو ارشيد*

قبل أن تنتزع منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف العربي والدولي بشرعية ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، كانت قد سكنت في قلب ووجدان كل فلسطيني في هذه المواقع بصفتها تمثل حلمه في العودة والدولة على التراب الوطني، وشكلت وأعادت إلى الوجود الكينونة الفلسطينية التي حاول أعداء هذا الشعب شطبها من التاريخ والجغرافية.

وبالرغم من التجاوزات والإستحواذات الداخلية، إلا أن المنظمة وبشكل عام شكلت إطارا جامعا لفصائل العمل الوطني الفلسطيني على اختلاف مشاربها وألوانها، والتي عكست بشكل أو بآخر الحالة الجماهيرية الفلسطينية في الداخل والخارج بما فيها أيضا مناطق 48.

وغني عن البيان أن المنظمة مثلها كمثل أي حركة تحرر وطني لم تكن منتخبة بشكل ديمقراطي من الشعب، أو حتى جزء منه، مثل حال هيئات السلطة الفلسطينية، أو أي سلطة في أي دولة طبيعية، علما أن حال السلطة الفلسطينية هو استثناء، بمعنى أنها اكتسبت سلطتها الأخلاقية والمعنوية ليس بواسطة صندوق الاقتراع بل عبر قوافل الشهداء والأسرى والجرحى الذين قدمتهم فصائلها، وعلى رأسها حركة فتح، والذين عمدوا مسيرتها التحريرية بدمائهم وتضحياتهم، مسيرة التف حول أهدافها الشعب الفلسطيني كله على شعارات العودة والتحرير.

والحال كذلك فقد باءت بالفشل مساعي إسرائيل وأعوانها في المنطقة وخارجها في إيجاد بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، في مختلف مراحل الصراع الفلسطيني العربي الإسرائيلي، مما اضطرها نهاية إلى إجراء مفاوضات مع م.ت.ف ورئيسها ياسر عرفات، ابتدأت بصور وعناقات على العشب الأخضر للبيت الأبيض، وانتهت بمحاصرة عرفات في المقاطعة واغتياله، بعد أن رفض التفريط بالثوابت الفلسطينية.

طريق أوسلو، وكما هو معروف للجميع، كسرت الإجماع الذي تمتعت به منظمة التحرير الفلسطينية، وفتحت الباب أمام زيادة نفوذ فصائل فلسطينية لم تنضو سابقا تحت لواء م. ت. ف، مثل حماس والجهاد الإسلامي، بل وتجاوزت قوة هذه الفصائل قوة م.ت.ف مجتمعة كما أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونستطيع القول أن الحال سيكون كذلك في الشتات ومناطق 48 لو جرت انتخابات في هذه المناطق أيضا.

نحن ليس بصدد تحليل أسباب تراجع قوة ونفوذ فصائل م.ت.ف وعلى رأسها فتح وزيادة نفوذ حماس، بل تسليط الضوء على الواقع الجديد الذي بات فيه شعار م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، شعارا من مخلفات الماضي ويجب أن يضاف إلى غيره من الشعارات الفلسطينية، مثل التحرير والحرب الشعبية طويلة الأمد وثورة حتى النصر، وغيرها من الشعارات التي تم وضعها على الرف بادعاء نشوء واقع جديد يجب التعاطي معه بعقلية جديدة وشعارات جديدة، خاصة أن الواقع هو الذي يخلق الشعار، وليس العكس، والسياسة فن الممكن كما يقول البراغماتيون، ولن ندخل هنا في نقاش حول ما إذا كانت هذه الشعارات التي أركنت على الرف هي أعمدة م. ت. ف التي بسقوطها سقط شعار م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولا يهمنا في هذا السياق موقف إسرائيل وأمريكا والرباعية ودول محور الاعتدال العربي وغيرهم، الذين أصبحوا اليوم من أنصار م. ت. ف، وهم الذين كانوا من ألد أعدائها بالأمس، ولا التفتيش عن المسؤول عن قتل هيبة ودور م.ت.ف وإفراغها من مضامينها لحساب سلطة أوسلو.

ما يهمنا هو قراءة الواقع الفلسطيني وليس العيش على النوستالجيا. والواقع يقول إن م. ت. ف لم تعد الإطار الحاضن لجميع الفصائل الفلسطينية ،وربما فوتت فرصة ضم حماس والجهاد تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية في مراحل سابقة، ما كان سيسهل التعاطي معها اليوم في هذا الباب ويعطي لمنظمة التحرير دور الأبوية في التعامل مع حماس ومع الأزمة الراهنة.

ولأن ما تقدم لم يحصل، فإن نفخ الروح في منظمة التحرير اليوم من خلال بعث الحياة في فصائل لم تعد قائمة وشخصيات مستقلة انتقلت إلى رحمته تعالى، وفصائل أخرى فقدت دورها الفاعل، الذي كانت تلعبه في الماضي، كل ذلك لاكتساب شرعية مفقودة وتمرير خطوات انقسامية عبر استغلال اسم ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية في قلوب وعقول الفلسطينيين والفصائل التي انضوت تحت لوائها والتي ما زالت تعتقد أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإن ذلك هو استغفال للعقل واغتصاب للذكاء خاصة لأن ما هو عالق في ذهن الفلسطيني أن م. ت. ف ذيلت اسمها بتحرير فلسطين وإذا كان لا بد من أن تبقى الإطار الحاضن لفصائل الشعب الفلسطيني فيجب أن تكون حماس على رأس هذه الفصائل أو رأسا من رأسي م. ت. ف على الأقل، لا أن تجند المنظمة لحرب فتح ضد حماس أو حرب المجموعة المتنفذة في فتح ضد حماس، لان ذلك سيعني بما يعنيه توجيه الضربة القاضية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة