من يرفض وقف اطلاق النار؟/ د. جمال زحالقة

ما أن أعلن عن موافقة الفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة على موقف مشترك يتبنى التهدئة، حتى خرجت الطائرات الإسرائيلية لشن غارة جوية على قطاع غزة. وفي نفس الوقت أبدى معظم وزراء الحكومة الإسرائيلية تحفظهم ومعارضتهم على التهدئة بادعاء أن فصائل المقاومة الفلسطينية تستغلها للتسلح وتجهيز نفسها لاستمرار العمليات العسكرية. أولمرط لم يعلن موقفه، وبراك خارج البلاد، لذا لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية موقفا رسميا، وهي تنتظر زيارة لمسؤول مصري كبير يطلعها فيها على تفاصيل اتفاق القاهرة.

إسرائيل تعرف جيدا ان هناك جهودا مصرية مكثفة لربط خيوط موافقة فلسطينية على التهدئة، وتعرف جيدا ان الفصائل الفلسطينية مستعدة للتهدئة. ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، كثفت غاراتها وعملياتها العسكرية الإجرامية في قطاع غزة.

هي مستمرة في جرائمها في غزة ولا تتعرض لأي عقاب ولا حتى عتاب على ما تقوم به من موبقات ومن جرائم حرب بحق المدنيين والأطفال والمرضى وكل أهالي القطاع. لقد وصل الأمر بوزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني، إلى القول بأن ما تقوم به إسرائيل في غزة يساعد ويدعم سير المباحثات مع المفاوض الفلسطيني، وقالت أكثر من ذلك، ان المفاوضات تسهل على إسرائيل محاربة ما أسمته "الإرهاب" في غزة.

على مدى سنوات طويلة رفضت إسرائيل اتفاقا رسميا على وقف إطلاق النار، واكتفت بمقولة سنقابل التهدئة بتهدئة. لكن، وفي كل مرة جرى فيها تفاهم حول تهدئة كانت إسرائيل تخرقها بتبريرات واهية وممجوجة وتقوم بسلسلة من الاغتيالات والعمليات العسكرية أدت إلى انهيار كل تهدئة جرى التفاهم حولها.

مصر من جهتها ولاعتباراتها الخاصة معنية جدا بالتهدئة، وحتى لو تكللت جهودها بالنجاح في إقناع إسرائيل بقبول التهدئة، فهي ستكون بالتأكيد هشة وقابلة للانهيار في كل لحظة تبعا للشروط التعجيزية التي تعلنها إسرائيل على الملأ. أول هذه الشروط أن أي تفاهم حول التهدئة لا يعني بأي حال من الأحوال التزاما إسرائيليا رسميا بوقف إطلاق النار، بمعنى أن الحديث يجري عن تفاهم وليس عن اتفاق. الشرط الثاني هو أن لا تشمل التهدئة الضفة الغربية، فإسرائيل تعلنها جهارة انها ستواصل عدوانها العسكري على الضفة الغربية ولا يهمها تهدئة مع غزة او مفاوضات مع حكومة فياض. وتضع اسرائيل شرطا ثالثا يقوض مفهوم التهدئة، حيث تصر على ان لها الحق في مهاجمة أي تحرك في القطاع تفسره اسرائيل على انه يستهدف القيام بعملية عسكرية ضدها، وهي بالطبع تفسر على هواها.

إضافة إلى هذه الشروط، ترفض إسرائيل ان تشمل التهدئة رفع الحصار عن غزة. وفوق هذا كله طلبت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اشتراط التهدئة بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي شاليط، ودعت في جلسة الحكومة الإسرائيلية إلى استغلال الرغبة الفلسطينية في التهدئة لابتزاز تنازلات في قائمة الأسرى المطلوب إطلاق سراحهم في إطار صفقة التبادل.

رغم ان إسرائيل هي الطرف الذي يرفض على الدوام وقف إطلاق النار، توجه أصابع اتهام دولية وعربية وحتى فلســـطينية الى المقاومة في قطاع غزة. لا احد يحاسـب إسرائيل او يدينها على موقفها، وهناك مؤامرة صمت مــريبة في هذه القضـية، مع ان فضح الرفض الإسرائيلي لوقف النار وحقن الدماء، يدعم ويقوي الموقـف العربي والفلسطيني.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019