موسم نفوذ "اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة (1)/محمد أحمد*

هذا الصيف، ربما ستكون أمامنا فرصة جيدة لكي نتابع "بيانا عمليا" لكيفية ممارسة وتأثير "اللوبي الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأميركية.

فمن الآن، وحتى تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، موعد انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس، ستكون الساحة السياسية الاميركية مرتعاً لنجوم "اللوبي" يتصرفون بها كيفما شاؤوا، وسيكون من المألوف أن نشاهد كبار السياسيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي وهم يلهثون بالمعنى الحرفي للعبارة وراء الشخصيات المهمة في اللوبي سعياً وراء تأثيرهم القوي الذي يضمن الحصول على التمويل والأصوات في الحملات الانتخابية.

سيكون هذا من المشاهد المألوفة التي لا تنكرها الساحة السياسية الاميركية.. ولا تستنكرها. فقد أصبحت ممالأة النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة ومحاولة استمالته، خصوصاً في مواسم الانتخابات، من الحقائق والمسلمات في الحياة السياسية الاميركية. أما من يفكر مجرد تفكير في انتقاد هذا الواقع أو التصدي له، فستكون في انتظاره "التهمة" الجاهزة الكفيلة بإسكاته وإيقافه عند حده.. وهي أنه معاد لليهود، ومعاد للسامية!

لا تزال الأوساط السياسية والأكاديمية في الولايات المتحدة تتحدث عن الدراسة الممتازة عن "اللوبي الإسرائيلي"، التي وضعها اثنان من الأساتذة ذوي المكانة في الأوساط الأكاديمية الاميركية، ونشرت في شهر آذار (مارس) الماضي. ورغم الهجوم الفوري والمكثف الذي تعرضت له تلك الدراسة، ورغم التعتيم الذي فرض عليها، فإنها لا تزال تثيرجدلا واسعا تتردد أصداؤه في الساحة السياسية ووسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة وخارجها.

والمؤلفان اللذان وضعا الدراسة هما "جون ميرشيمر John Mearsheimer"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، و"ستيفن والت Stephen Walt"، أستاذ الشؤون الدولية وعميد كلية كنيدي بجامعة هارفرد. وقد ظهرت الدراسة، أولا، على الموقع الخاص بجامعة هارفرد على شبكة "الإنترنت"، وما لبثت أن فجرت ضجة هائلة بسبب اعتمادها قدراً من الموضوعية غير معتاد في الولايات المتحدة عند تناول أو مناقشة القضايا المتعلقة بإسرائيل.

وقد تجنبت وسائل الإعلام، في البداية، الإشارة إلى الدراسة، ولكن مجلة بريطانية متخصصة هي "لندن ريفيو أوف بوكس" أقدمت على نشر تلخيص واف لها، وكان ذلك كافياً في حد ذاته ليطلق سلسلة من ردود الفعل التي جاءت سريعة وعنيفة:

فقد سارعت جامعة هارفرد إلى حذف شعار الجامعة (اللوغو) من على الصفحة التي احتلتها الدراسة على موقعها الألكتروني، وبعد وقت قصير تم الإعلان عن أن البروفيسور ستيفن والت، أحد المؤلفين، سيترك منصبه!

ومع ذلك، فإن الدراسة لفتت الأنظار على نطاق واسع، إن لم يكن في وسائل الإعلام ففي الأوساط الأكاديمية والسياسية في أميركا وأوروبا، فضلا عن إسرائيل، بسبب ما حفلت به من انتقادات صريحة ومباشرة للوبي الإسرائيلي الذي اتهمته بأنه يبعد السياسة الخارجية الاميركية عن تحقيق المصالح الاميركية ويحولها لكي تكون في خدمة المصالح الإسرائيلية.
ولكن، لندع الضجة التي أثارتها الدراسة وردود الفعل عليها جانباً الآن، لنعرض أولا للخطوط العريضة التي تضمنتها الدراسة نفسها، وأهم ما جاء بها من طروحات وأفكار أدت إلى إثارة هذه الموجة العارمة من ردود الفعل.

-أولا :العلاقة الاميركية الإسرائيلية:

على مدى العقود الماضية، وخصوصا منذ حرب الأيام الستة في عام ,1967 ظلت العلاقة مع إسرائيل تشكل جوهر السياسة الاميركية إزاء الشرق الأوسط. وفي الآونة الأخيرة، فإن هذه السياسة الاميركية، التي اعتمدت على ثنائية تجمع بين التأييد الاميركي الذي لا يتزعزع لإسرائيل والجهود الرامية إلى نشر الديموقراطية في المنطقة، قد أثارت الرأي العام العربي والإسلامي وأهاجت مشاعره على نحو ألحق ضرراً بالغاً، ليس فقط بأمن الولايات المتحدة وإنما بأوضاع الأمن في سائر أنحاء العالم.

إن هذا وضع لا سابق ولا مثيل له في كل تاريخ الولايات المتحدة السياسي. فلماذا رغبت الولايات المتحدة في أن تنحي جانباً متطلبات أمنها الذاتي وأمن حلفائها وتضحي بهما من أجل مصالح دولة أخرى؟ فالحقيقة هي أن النهج الذي تتبعه السياسة الاميركية في المنطقة إنما ينبع بشكل كامل تقريباً من اعتبارات وعوامل داخلية، أهمها وأشدها قوة هي تلك التي تشكلها، وتفرضها، أنشطة اللوبي الإسرائيلي في الساحة الاميركية. فإذا كانت جماعات مصالح خاصة أخرى قد استطاعت أن تحقق نجاحات في التأثير على السياسة الاميركية، فإن أياً منها لم يتمكن من بلوغ ما بلغه اللوبي الإسرائيلي من تحويل السياسة بعيداً عما تتطلبه المصالح الاميركية مع إقناع الرأي العام، في الوقت نفسه، بأن المصالح الاميركية تتطابق تماماً مع مصالح دولة أخرى هي إسرائيل.

لقد أمدت الولايات المتحدة إسرائيل، منذ حرب أكتوبر ,1973 بدعم لا يدانيه أي دعم قدمته لأية دولة أخرى في العالم. فإسرائيل تتلقى، منذ عام ,1976 أضخم مساعدة عسكرية واقتصادية أميركية مباشرة، مما جعلها تحصل على أكبر حجم من المساعدات لأي دولة في العالم بما يصل مجموعه إلى 140 مليار دولار. ولا تزال إسرائيل تتلقى سنويا ثلاثة مليارات دولار في صورة مساعدات مباشرة تمثل خُمس ميزانية المساعدات الاميركية لكل دول العالم، وهي تكفي، إذا جرى توزيعها، لمنح خمسمئة دولار لكل فرد إسرائيلي.. وهو أمر غريب نظراً لأن إسرائيل قد وصلت الآن إلى مستوى الدول الصناعية الغنية حيث بلغ دخل الفرد فيها ما بلغه مثيله في كوريا الجنوبية أو إسبانيا.

وفوق هذا كله، فإن الولايات المتحدة تغمض أعينها عن حقيقة امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية. أما عن الدعم الدبلوماسي، فحدث ولا حرج. فمنذ عام 1982 وحتى الآن، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو)، لمنع مجلس الأمن من إدانة إسرائيل، 32 مرة.. وهو رقم يفوق مجموع الحالات التي استخدم فيها هذا الحق أعضاء مجلس الأمن الآخرون مجتمعين خلال الفترة ذاتها. وفضلا عن ذلك، فإن الولايات المتحدة تسد الطريق على كل المحاولات التي تقوم بها الدول العربية لإخضاع ترسانة إسرائيل النووية، كغيرها، لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أما في ما يتعلق بالقيمة الاستراتيجية لإسرائيل، بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هناك شكوكاً كثيرة تحيط بها، خاصة أن إسرائيل لا تتصرف، في أحيان كثيرة، كحليف مخلص. فالمسؤولون الإسرائيليون كثيرا ما يتجاهلون المطالب الاميركية، ويحنثون بوعودهم (على نحو ما حدث بالنسبة لتعهدهم بوقف بناء المستوطنات والامتناع عن القتل المستهدف للقادة الفلسطينيين)، ناهيك عن إقدام إسرائيل على بيع التكنولوجيا الحربية الحساسة للصين من وراء ظهر واشنطن. والأعجب من ذلك، أن إسرائيل لا تتورع عن القيام بعمليات تجسس على الولايات المتحدة بصورة لم يجرؤ عليها أي "حليف" آخر.

وهناك العديد من قضايا التجسس التي ضبطت وأعلن عنها، كان أشهرها قضية الجاسوس جوناثان بولارد الذي زوّد إسرائيل بكميات هائلة من الوثائق السرية، في ثمانينيات القرن الماضي، ويعتقد أن إسرائيل نقلت هذه الوثائق إلى الاتحاد السوفياتي مقابل فتح الباب أمام هجرة اليهود. ورغم الفضيحة التي أحدثتها قضية بولارد، فإن إسرائيل لم توقف أعمال التجسس على الدولة صاحبة الفضل عليها. وربما كان آخر القضايا التي ضبطت هي تلك التي أعلن عنها في عام ,2004 عندما تم ضبط مسؤول في وزارة الدفاع (البنتاغون) اسمه لاري فرانكلين متلبساً بنقل معلومات سرية إلى دبلوماسي في سفارة إسرائيل. ولا تكاد تكون هناك دولة أخرى في العالم، باستثناء إسرائيل، تقوم بأعمال تجسس من هذا النوع على الدولة التي تعتبر "الراعي الأول" لها. ولكن المهم هنا، هو أن هذا النزوع إلى التجسس على هذا النحو يلقي مزيداً من الشكوك حول "القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة.


* صحافي مصري
"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018