مونديال ألمانيا وتغير صورة كرة القدم../ عمر كوش

تعيش جماهير كرة القدم، في أيامنا هذه، أحداث مباريات كأس العالم في ألمانيا، سواء من خلال المشاهدة الحيّة أو من خلال التغطية الإعلامية، وسجلت هذه هذه الكأس سابقة غير معهودة، إذ للمرّة الأولى يحرم فيها جمهور واسع من المشاهدة التلفزيونية بسبب احتكار النقل المباشر من طرف شركات وأقنية فضائية.

ويبدو أن المتعة المجانية الوحيدة التي كانت متاحة مجاناً أمام جمهور الرياضة لم تعد كذلك، فأصحاب المليارات استكثروا على جمهور الفقراء فرجته المجانية، فلجأوا الى احتكار البث التلفزيوني، ولم يعد بالإمكان مشاهدة مباريات المونديال دون أن يدفع المشاهد ثمن مشاهدته.

ومع بدء مباريات المونديال الألماني لجأ عشاق الكرة إلى النوادي الرياضية والمقاهي والمطاعم والساحات كي يعيشوا الكرة ويتكلموا لغتها، التي أصبحت القاسم المشترك بين قسم كبير من البشر على كوكب الأرض.

وعند تحلقهم حول الشاشة تفعل الحماسة فعلها، وينفعل الجمهور بنتائج المباريات، ليستلب المشهد الرياضي في هذه المناسبة عيون وعقول مئات الملايين من البشر، وذلك بعد أن عمل النقل التلفزيوني المباشر للمباريات على زيادة شعبية المنافسات الرياضية، وكسر حلقة المشاهدة التي كانت حكراً على أولئك الذين توافرت لهم فرصة الذهاب إلى الملاعب فقط.

وباتت الكرة المستديرة، في أيامنا هذه، تدرّ ذهباً، بعد أن تحولت إلى مصدر لتراكم الثروة والمال، وباتت كذلك تتكلم سياسة، ويحكمها المال والتسويق والرعاية والإعلانات والتجارة والعلاقات العامة، حيث اكتشفت الشركات العالمية الكبرى ضخامة الأرقام والإحصائيات، إذ هناك مئات الملايين من المشاهدين، بل المليارات منهم عبر العالم الذين سيدفعون المليارات من الدولارات لشراء تذاكر الدخول إلى المباريات ولمشاهدتها، حيث قفزت حقوق البث التلفزيوني لمباريات كأس العالم من 175 مليون دولار أميركي في مونديال عام،1990 إلى أكثر من مليار دولار في المونديال الحالي 2006. وأصبح الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" شركة عملاقة، تقدر ميزانيته بمليارات الدولارات، ويُستقبل رئيسها "جوزيف بلاتر" في كل الدول التي يزورها استقبال الملوك والرؤساء، مع أن هذا الاتحاد تأسس عام ,1904 وكان يضم وقتها سبعة بلدان فقط، إلا أنه اليوم صار يضم أكثر من مئتي عضو، في حين أن عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة يبلغ 192 عضواً فقط.

ودخلت الرياضة في ميدان الاستثمار، فهناك دول استثمرت مليارات الدولارات لاستضافة البطولات الرياضية المختلفة: كأس العالم لكرة القدم، والألعاب الأولمبية، والألعاب الآسيوية، والألعاب الإفريقية، وألعاب البحر الأبيض المتوسط وغير ذلك من الألعاب. وكذلك تجري عمليات توظيف الرياضة في خدمة السياسة، بل صار للرياضة سياستها، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من سياسات الدول.

وتدل توظيفات كرة القدم على تغيّر صورتها في القرن الحادي والعشرين، إذ باتت تحمل صورة مزدوجة، فأحياناً تمثل مناسبة للتعبير عن الإخاء والتسامح الذي تخلقه لحظة اللعب، وعن التواصل الذي لا يوجد إلا بوجودها، وأحياناً أخرى تمثل، بالمقابل، مظهراً للحقد والكراهية ضد الآخر. وإذا كان رصيد كرة القدم من العواطف والانفعالات كبيراً فهذا يرجع إلى كونها أضحت مصدراً للكسب المادي بعد أن دخلت عالم البزنس والبورصة، إذ مع انتشار كرة القدم وتحولها إلى الظاهرة الأكثر عالمية في عصر العولمة، فإنه جرى تحويلها إلى سلعة في عالم رأس المال، وهي سلعة يشتريها المليارات من المستهلكين في العالم، الأمر الذي لم تحظَ به أية سلعة أخرى، حتى الكوكاكولا نفسها.

ويعود الاتساع في جمهور الكرة إلى ظاهرة عولمة الرياضة، التي بدأت عملياً بعد الحرب العالمية الثانية مع تزايد الاهتمام بالرياضة ومضاعفة المنافسات إلى ما لا نهاية، وبعد أن أخذت هذه العملية شكلاً موجهاً سياسياً إيديولوجياً مشتركاً بين مجمل القوى المالية المهيمنة على بورصة المنافسات واللاعبين.

وبات لاعب كرة القدم، المتمتع بمستوى عالٍ ورفيع، نموذجاً دعائياً يحتذى، أي مثالاً يتبعه شباب عالم اليوم في طرق تصرفه ولباسه وقصات شعره، وبات أيضاً منتجاً من منتجات العولمة المعيارية، وفق نظام يصنّع البطل / النموذج، ويركّب صورته على ماركة قميصه وحذائه، وحتى اللغة التي ينطق بها، ونمط حياته الموحد لصورة الرياضي، الذي يشرب نخب مشروب القوة ذاته، وينعم برفاهية الفنادق الفخمة والسيارات الخاصة، والعقاقير المنشطة، والتدريبات الجنونية، والحسابات المصرفية.

ويشرف على هذا النجم الرياضي أندية وفرق ومؤسسات مالية وتجارية، تعمل جميعها على التكفل بحساباته المصرفية، وتضارب به في عالم بورصة اللاعبين، وتخصص وقته للقاءات رياضية في مختلف أنحاء العالم، كي يقدم استعراضاته أمام جماهير واسعة من المحرومين والمقهورين، أولئك الذين تحولوا إلى مجرد أرقام من مشاهدي التلفزة، ضمن حشود كبيرة من جمهور المتعصبين الذي يؤدون، بامتياز، دورهم كآلات تصفيق.

ويمكن القول انه مع تعدد البطولات والمنافسات، صارت الرياضة كلّية مهيمنة ومشكّلة، حيث أخذت تحتل الحيّز الزماني والمكاني لجمهور الرياضة الكبير جداً، من خلال "أجندة" المنافسات المعولمة، والأماكن الرياضية الممتدة من الساحات والملاعب إلى شاشات التلفزة. وخلق كل ذلك تمفصلاً للمكان والزمان لحكاية طويلة من الأهداف والإنجازات والنتائج، في عالم مولّد للأوهام والأساطير والصور.

وعنى اتساع عالم الرياضة احتلاله موقعاً مميزاً في تفاصيل الحياة اليومية، مع تقلص الفضاء العام إلى شاشة من الأحلام الرياضية، ووصل إلى درجة غدت فيه السياسة نوعاً من الرياضة. وقد أصابت الحماسة والتشجيع الرياضي مختلف الأفراد إلى حدّ جعل كل منهم مشجعاً، بالقوة، وخصوصاً في كرة القدم، حيث أن هدفاً ما أو تسديدة ما تظل تشغل بال جماهير الرياضيين ساعات وأياما بعد انتهاء المباراة، وقد يصل الأمر إلى درجة تصنع فيه الرياضة الحياة اليومية للعديد من الأفراد في العالم.

وعليه، صارت الرياضة عاملاً هاماً من بين العديد من العوامل الموجهة لنظام العولمة الراهن، مع أنها تعتبر أحد المكونات الزمانية والمكانية التي اكتسبت استقلاليتها في عالم الرأسمال وعبره، لكنها استأثرت بالزمان والمكان على صورتها، بوصفها صورة نموذجية.


"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018