نحو " توطين" حق العودة فى الذاكرة الفلسطينية والقومية../ د.السيد عوض عثمان*

يشكل حق العودة و"حتميته"، وإن لم يحن بعد، محور الذاكرة الفلسطينية، حيث لسان حال الشعب الفلسطيني ترديد شعار "لا تفريط ولا تنازل ولا مساومة ولا توطين" في مختلف أماكن التواجد الفلسطيني: في الوطن والشتات ومخيمات اللاجئين.

وفي السياق ذاته، تجتهد الديبلوماسية الأمريكية والصهيونية لتجاوز القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 فبراير 1948 بشأن حق العودة، وتقنين سابقة عدم الإلتزام بالنصوص الحرفية للقرارات الدولية التي تدين إسرائيل من أدبيات ووثائق الأمم المتحدة، على غرار ما حدث للقرار 3379، الصادر في 10 ديسمبر 1975، عن الجمعية العامة، بإعتبار الصهيونية وجهاً من أوجه العنصرية.

من الأهمية بيان أن الفقرة الـ 11 من القرار 194، والتي نالت دعم 35 دولة منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضد 15 دولة وإمتناع ثماني دول عن التصويت، تنص على الآتي: "تقرر الأمم المتحدة وجوب السماح في أقرب وقت ممكن للاجئين الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم والعيش مع جيرانهم ويجب أن يسمح لهم بذلك في أول فرصة عملية، ويجب دفع التعويض لأملاك هؤلاء الذين يختارون عدم العودة ودفع الخسائر والأضرار للممتلكات، حسب مبادئ القانون الدولي والعدالة من قبل الحكومات والسلطات المسئولة".

وقرار العودة يعود إلى اللاجئين الذين يرغبون في هذه العودة وليس لأي جهة أخرى أن تقرر عودتهم من عدمها وأي محاولة لمنعهم من ذلك غير قانونية ومخالفة لقرارت الأمم المتحدة.

وتعبير "يجب أن يتم ذلك في أول فرصة عملية" يعيد التذكير بأن هذه الفرصة كانت ممكنة بعد توقيع إتفاقيات الهدنة مباشرة بين الدول العربية و"إسرائيل" وآخرها مع سوريا في منتصف عام 1949. بيد أن تأخير العودة عن هذا التاريخ لا ينقص من قيمة هذا الحق بشيء، بل يحمل "إسرائيل" عبء هذا التأخير وعرقلة ما أعقب هذا القرار من تشكيل لجنة للتوفيق من ثلاث دول هي: "فرنسا وتركيا والولايات المتحدة" بهدف تسهيل إعادة اللاجئين وتحسين أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية.

كذلك عدم إعفاء إسرائيل من مسئولية التعويض عن إستغلال الممتلكات غير المنقولة طيلة هذه المدة، وسرقة الممتلكات المنقولة، عدا العذاب النفسي والمعاناة الإنسانية التي تعرض لها الفلسطينيون طوال السنوات التالية لنكبة 1948.

ومن قراءة نصوص القرار أيضاً، يتضح التوكيد على مسئولية إسرائيل المباشرة عن هذه المعاناة وعن تداعيات اللجوء والتهجير القسري. وأن الإشارة حسب النص "التعويض يجب أن تدفعه الحكومات والجهات المسئولة المترتب على مسئولية طرد السكان والإستيلاء على ممتلكاتهم، في إشارة إلى الحكومة المؤقتة لـ "إسرائيل" التى أعلنت في مايو 1948 وإلى عصابات شترين والأراغون المدعومة من قوات الإحتلال البريطاني وما قامت به من مذابح وإبادة للسكان، وكذلك إلى أعمال النهب للأراضى التي قام بها الصندوق القومي اليهودي.

ويلاحظ أن الجمعية العامة للأمم المتحدة وبصيغ مشابهة قد تبنت نحو 49 قراراً يمكن تصنيفها ضمن "سلالة" القرار 194. كما أن إفتقار لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والتي أنشئت بموجب القرار 194 إلى سلطة التنفيذ لم يقوض إمكانيات توفير حل المشكلة فحسب، بل صعدت التوترات بين العرب و"إسرائيل" وأدى لاحقاً إلى وقوع حروب رئيسية فى 1956 و1967 و1973، ومن لاجئي 1948 إلى نازحي 1967، مما إضطر الأمم المتحدة إلى إصدار عدة قرارات دولية، منها قرار مجلس الأمن رقم 237 وفي 14/6/1967 والذي تنص إحدى فقراته الرئيسية على أن مجلس الأمن يدعو حكومة إسرائيل إلى تأمين سلامة وخير وأمن سكان المناطق التي جرت فيها عمليات عسكرية وتسهيل عودة أولئك الذين فروا من هذه المناطق منذ نشوب القتال عام 1967 واتبع بقرار الجمعية العامة في 4/7/1967 ويحمل الرقم 2252 الذي ينص بشكل صريح على الحق غير القابل للتصرف بعودة هؤلاء النازحين.

وضمن إطار أبعاد مشكلة اللاجئين يلاحظ أن التعويض حق قائم بذاته على مرجعية أن كل ضرر يقابل الإلتزام بإصلاحه وعلى مبدأ إرجاع الشييء إلى أصله، ووفق مبادئ القانون الدولي لتعويض اللاجئين المنعقد بالقاهرة عام 1992، فإنه إذا طردت دولة مواطنيها مباشرة أو غير ذلك، فإن لهم حق العودة والتعويض كليهما.

ويقدر الخبراء قيمة الخسائر والأضرار التي لحقت بالممتلكات الفلسطينية بنحو 562 مليار دولار، في الوقت الذي يقدر فيه مسئولون إسرائيليون قيمة هذه التعويضات بما يتراوح ما بين 3-6 مليارات دولار. ومن الناحية القانونية والحقوقية، فالحق في التعويض ليس بديلاً عن حق العودة، لأن حق العودة هو حق فردي من حقوق الإنسان وهو حق جماعي في إطار تقرير المصير للشعوب، وبالتداعي المنطقي، فإن إختيار حق العودة لا يخل بالحق في الحصول على التعويضات المتولدة عن فترات الشتات واللجوء القسري.. كما أن المطالبة بإسترداد الممتلكات تمتد إلى الورثة القانونيين، وإن تعذر ذلك لأسباب متعددة، يتوجب على إسرائيل منح اللاجئين أراضي وممتلكات أخرى مساوية تعويضاً عنها.

ضمن ما تمخضت عنه زيارة رئيس الوزراء الصهيوني، أرييل شارون، لواشنطن، فى 14 أبريل 2004، وعلى صعيد تحقيق المشروع الصهيونى بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وتكريس زيف مقولة "أرض بلا شعب .. لشعب بلا أرض"، وضمن رسالة الضمانات التي قدمها الرئيس بوش، في تطور نوعي للموقف الأمريكي، مطالبة الإدارة الأمريكية، صراحة، الفلسطينيين بإسقاط حق العودة برفض السماح لهم بالعودة إلى داخل "الخط الأخضر"، وإنما يقتصر حق عودتهم إلى "الدولة الفلسطينية". يأتى ذلك إستمرارية لتصريح بوش، في قمة العقبة، عام 2003، من تأكيد أن الولايات المتحدة ملتزمة أمن الكيان الصهيوني "كدولة يهودية".

ويمثل ذلك تجاوزاً صارخاً لقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية وحتى للأسس الأمريكية السابقة، وتناقضاً مع الضمانات الأمريكية المودعة لدى القيادة الفلسطينية، وإجحافاً بقضايا الوضع النهائي في المفاوضات مع إسرائيل، وفرض سياسة الإملاءات، جملة وتفصيلاً، والإنتقاض من سقف الحقوق الوطنية وجوهر القضية الفلسطينية.

من اللافت للإنتباه أن الرئيس الأمريكي بوش قد إستخدم تفاهمات جينيف، بين ياسر عبد ربه ويوسى بيلين، ووظف تنازلاتها لمصلحة شارون. وقد قبلت وثيقة جينيف الرواية الصهيونية كمرجعية للصراع، ولفرض الطعم المسموم تحت عنوان إختيار "مكان الإقامة الدائم"، الذي يبدو أنه الإسم الجديد للتوطين، وتحت عبارات مضللة وخادعة، حددت خمسة إختيارات مطلوب من اللاجئين أن يتخذوا قرار "إختيارهم" بناء عليها، تتركز حسب الأولوية: في دولة فلسطين، وفي المناطق التي سيتم نقلها إلى فلسطين إذا ما توافرت إمكانية لتبادل الأراضي، وفي دولة ثالثة، وفي دولة "إسرائيل" وأخيراً، في الدول المضيفة.

وإعتبرت الوثيقة أن الخيار الأول والثاني حق لكل اللاجئين، بينما تترك الخيارات الأخرى للقرار السيادي للدولة ذاتها، ومن ثم الحرمان من حق العودة الفلسطيني – بتقرير الموافقة والتقدير الصهيوني للدخول admission وليس العودة، وفي أكثر التفاؤلات، عودة "رمزية" دون التعويض. كما أن العودة إلى "الدولة" الفلسطينية ستكون محدودة ضمن الإمكانيات الجغرافية والإقتصادية والموارد الطبيعية، وبالتالي لن تزيد قدرتها الإستيعابية عن أكثر من نصف مليون لاجئ من جملة خمسة ملايين. كما أن فكرة "تبادلية" الأراضي، في حال تحققها، والتي ستنقل "للدولة" الفلسطينية والتي سيتم مبادلتها مع الأراضي المقامة عليها تجمعات المستوطنات التي ستنقل السيادة عليها لإسرائيل، فإن تلك الأراضي – بوضعيتها الحالية، والصحراوية القاحلة تصعب من ظروف العودة.

وبصفة عامة تعطي وثيقة جينيف تفسيراً واحداً للقرار 194 سيطبق على عموم اللاجئين وهو التعويض، وعدم النظر إلى العودة والتعويض كحقين متلازمين، ولا يعتد بهذا الشأن بالمنطق القائل بإستحالة العودة الفعلية للأراضي التي طردوا منها عام 1948، على إعتبار أن هذا الأمر يشكل إنتحاراً جماعياً "لدولة" إسرائيل، وأن حق العودة لملايين من اللاجئين هو أمر صعب بل مستحيل التحقيق، وبالتأكيد سيفشل ويعطل أي تسوية سياسية مع الجانب الصهيوني، في الوقت الذي تستوعب فيه المهاجرين اليهود من كل بقاع العالم!!.

وتتعمد الوثيقة إرهاب الفلسطينيين الذين يرفضون الخيارات المطروحة بفقدان "حقهم" بعد مرور عامين إذا لم يقدموا طلباتهم إلى اللجنة الدولية المكلفة بمتابعة هذا الملف. وتؤكد الوثيقة على "الحل" المتدرج لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين لإعفاء المجتمع الدولي من إلتزاماته تجاه الشعب الفلسطيني في الشتات.

ليس صحيحاً زيف إدعاءات رحيل الفلسطينيين طوعاً إلى المنافي، حيث تتحمل إسرائيل وزر جزء كبير للغاية من المسئولية عن المعاناة الإنسانية المروعة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني من مجازر دامية بلغت نحو 30 مذبحة، من بينها كفر قاسم وقبية ودير ياسين والطنطورة والحولا، وأن ما يقرب من 423 قرية فلسطينية سويت تماماً بالأرض لإجبار سكانها على النزوح هرباً من إعتداءات يشنها رجال العصابات الإرهابية الصهيونية على بلدانهم وقراهم، وفي حالات عديدة بناء على أوامر رسمية إسرائيلية لإنجاز عملية تطهير عرقي غير مسبوقة، وليس إستجابة لنداء من القيادات العربية أو طوعاً.

كما أن قرابة 850 ألف فلسطيني طردوا من ديارهم وجردوا من ممتلكاتهم، أي مسئولية إسرائيل المباشرة والشاملة عن نشوء مشكلة اللاجئين، وعليه فإن حق العودة من الحقوق الإنسانية التي تجسد التعبير القوي عن إرادة المجتمع الدولي، كما أنه يتأسس على قواعد ثابتة مثل حق تقرير المصير وميثاق الأمم المتحدة وشرعية حقوق الإنسان. فالمادة "13" من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تدعو إلى أن "لكل إنسان الحق في أن يغادر وأن يعود إلى أي بلد بما في ذلك بلده الأصلي"، كما يتعارض التوطين القسري ونص الفقرة الرابعة من المادة "12" من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والذي وقعت عليه إسرائيل عام 1991 – والذي يشير إلى أنه لا يجوز تحكماً حرمان أي إنسان من بلده والإستقرار فيه، بما يؤكد حق الإنسان في وطنه.. مهما غاب عنه، وبغض النظر عن الظروف التي دعته إلى ذلك.

كما أن الفقرة الأولى من المادة "15" من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تؤكد على حق كل فرد في التمتع بجنسية ما ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها. وعليه وطبقاً لمنظومة حقوقية دولية يمكن التأكيد على أن اللاجئين الفلسطينيين يستحقون حقوق الحياة، أي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو حق مقدس ومشروع، ولا ينقضي زمنه بتغير الواقع ولا يسقط بالتقادم، كما أنه قانوني وممكن وينطبق على كل شخص هجر من وطنه ولا علاقة لهذا بسيادة الدولة أو أى إتفاق سياسي، وحق العودة كما فهمته الأجيال الفلسطينية وضحت من أجله، حق العودة إلى مسقط الرأس إلى الوطن الأم: فلسطين، وإلى بيوتهم المحتلة والمسكونة بعائلات يهودية مهاجرة، وهو من الأمور التى تبدو صعوبة بالغة في إستئصالها من عقل الشتات الفلسطيني حيث إن اللاجئين والنازحين يشكل لهم حق العودة للوطن قضية كرامة وإعتزاز وطني وسبيلاً لإسترداد حقوق آدمية مهدرة.

وقد إستمدت إسرائيل "شرعيتها" الدولية من إعتراف الأمم المتحدة بها بموجب القرار 273 لعام 1949 والذي جاء مشروطاً بموافقة إسرائيل على القرارين 181 الخاص بتقسيم فلسطين، و194 بخصوص حق العودة. بيد أنها تواصلت في رفض تنفيذ القرار 194، ضمن مسعاها إلى تغييب مسئوليتها السياسية والأخلاقية عن التجليات المأساوية الكبرى لأوضاع اللاجئين جراء قيام إسرائيل. بل تتمادى إسرائيل في التعتيم على هذا الحق وإقتراح حلول له تبعد عنها تبعة المسئولية، في سياق تخطيط صهيوني يتركز على فكرة التخلص كلياً من الفلسطينيين وليس إعادتهم، كما يتبدى جلياً سعي إسرائيل إلى نزع الطابع السياسي عن قضية اللاجئين وتحولها إلى قضية إنسانية إجتماعية، بحتة وإيجاد حلول لها على هذا الأساس ودمجها في إطار مشروعات التنمية الإقتصادية في المنطقة برمتها.

وفي سياق عملية الخداع التاريخي للتهرب والتنصل من هذه المسئولية، تعتبر "إسرائيل" أن مطالبة الفلسطينيين بحق العودة يشكل آلية لتدميرها وتهديد "الهوية الوطنية" ونهاية "الدولة اليهودية" ونزع الطابع اليهودي عنها، وتنشأ عملياً دولة "ثنائية القومية" يتكفل النمو السكاني بتحويلها إلى دولة أكثرية عربية. عطفاً عن أن إسرائيل تكثر من ترديد دعوى عدم واقعية حق العودة وإمكانية تحقيقه عملياً. بيد أن أهل الإختصاص بهذا الشأن يفندون ذلك، خاصة مع رصد أن إسرائيل تتواصل في دعوة الآلاف من اليهود إلى العودة إلى إسرائيل ضمن خطة ترمي إليها لإستقدام خمسة ملايين يهودي مستقبلاً.

والثابت أن إسرائيل تحاول القفز فوق حقيقة جريمة إقتلاع شعب من أرضه وتشريده. وفي التحليل الأخير، فإن حق العودة هو في أساسه حق فردي نابع من حقوق الإنسان ومن حق الملكية الفردية الذي لا يسقط بالتقادم أو الإحتلال أو السيادة، وبذلك فإنه حق لا تجوز الإنابة فيه أو التمثيل عنه. عطفاً على أنه حق تاريخي لا يقبل بأنصاف الحلول وهو من أكثر الحقوق إثارة لأحلام وعواطف الفلسطينيين. وبالتالي، فإن أية تسوية سياسية "هي تسوية فاشلة إذا لم تتضمن حق العودة ووسائل تنفيذه على مرجعية القرار 194، وليس مكرمة إسرائيلية أو أمريكية، أن التوطين والقبول به كبديل عن حق العودة – تحت مختلف الذرائع – يمثل في الحقيقة محاولة نهائية لإضفاء شرعية تاريخية على الرواية الإسرائيلية لإغتصاب فلسطين.

ولن نمل من إستخدام مطرقة التاريخ فوق رأس إسرائيل بحسبان مسئوليتها عن تداعيات المشروع الصهيوني بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بإعتباره مشروعاً إستعمارياً إستيطانياً إحلالياً إقتلع شعباً من أرضه بالعنف والإرهاب. ويمثل اللاجئون ومخيماتهم ووكالة غوثهم الشواهد الحية لتلك المأساة الإنسانية والأخلاقية والسياسية. كما لن نمل أيضاً من التذكير بذلك في سياق تنشيط الذاكرة التاريخية القومية للأجيال الراهنة ومن سيحملون مسئولية هذه الأمة ومستقبلها.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية