نزعات فكرية وراء الطروحات السياسية/ أنطوان شلحت

ليس من العسير على من يتابع المشهد الإسرائيلي أن يلتقط بعض النزعات الفكرية التي تتحكم في تفكير النخب السياسية والثقافية في إسرائيل بشأن الأوضاع الراهنة، وبالأساس بشأن مستقبل "التسوية" مع الفلسطينيين.

والسؤال: هل ثمة قاسم رئيسي مشترك لهذه النزعات، وكيف يتبدى في السجالات الدائرة؟.

1. يشير البروفيسور باروخ كيمرلينغ، أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة العبرية- القدس، في مقالة حديثة له بعنوان "ليغرب العرب عن وجوهنا..." (حول جوهر الحلول لمعضلة الجوار القريب مع العرب، وفقما ظهر بقوة غير مسبوقة عشية الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة)، إلى أنه نشأت داخل المجتمع اليهودي منذ بداية تبلوره في هذه المنطقة فوبيا وجودية، وبقطع النظر عن ظروف نشأتها فإن هذا المجتمع ما زال مسكوناً بها حتى اليوم، وتشكل أحد الأسباب الرئيسية لكراهية العرب. ومن الناحية العملية، ففي فترة ما قبل الدولة تطور "الييشوف" داخل "قوقعة يهودية"، على الأقل من ناحية أيديولوجية، وحرص كثيراً على الحد من احتكاكه وعلاقاته مع الأغلبية العربية في معظم المجالات. وفي التقاليد الثقافية والدينية هناك أيضاً أشكال من الخوف الممزوج بالكراهية تجاه "الأغيار" وقد ورثت الصهيونية على الأقل جزءاً من تلك التقاليد.
وفي ضوء ذلك وغيره هناك، في رأي هذا الأستاذ الجامعي، موضوع واحد سيظل طاغياً على الأجندة العامة لمعظم الإسرائيليين ولا سيما في أعقاب فشل محادثات "كامب ديفيد" وإعلان ألـ"لا شريك" الذي أطلقه إيهود باراك. هذا الموضوع هو: كيف يمكن التخلص من العرب، أو على الأقل التخلص من غالبيتهم.
ولا شكّ أن هذا الموضوع الطاغي هو الذي أفضى ويفضي إلى الإجماع حول ضرورة الانفصال عن العرب الفلسطينيين دون تحميل النفس "عناء" الحل العادل، أي دون الانسحاب إلى حدود 1967 ودون القدس وطبعًا دون حق العودة.

2. لم يعد يبهظ الإسرائيليين أن الإجراءات الرامية، عيانًا بيانًا، إلى "تأبيد" يهودية إسرائيل عبر "التخلص من العرب"، من شبه الحتم أن تترافق مع إجراءات تشرعن العنصرية وتقننها في شتى الممارسات والسياسات والقوانين. ومثال على ذلك، ضمن نماذج يصعب حصرها، أنه في مقابلاتها الأخيرة أكدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية الحالية، تسيبي ليفني، عندما كانت وزيرة للعدل أن "اعتبار وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية هو اعتبار شرعي وغير عنصري بالمطلق". وأضافت: "وفقًا لرؤيتي فإن الهدف الوجودي هنا، بالنسبة لي وبالنسبة للشعب اليهودي، هو إقامة دولة تكون بيتًا قوميًا للشعب اليهودي، دولة تعيش وتُدار كدولة ديمقراطية مستندة إلى المبادئ والقيم الديمقراطية بما في ذلك مبدأ المساواة حيال كل مواطنيها". وردًا على سؤال حول موقفها من قانون العودة (العنصري) أجابت بقولها: "قانون العودة يناسب قيمي. وقانون العودة يميز بين إنسان وآخر في الدخول إلى إسرائيل. فهو يتيح لليهود إمكانية دخول إسرائيل بينما لا يتيح هذه الإمكانية لمن هو غير يهودي. حاجتي إلى وجود دولة قومية يهودية وديمقراطية تستوجب أكثرية يهودية. ولذا فإن بوابة الدخول إلى إسرائيل يمكن أن تكون تمييزية أو تفرّق بين مجموعة وأخرى وبين إنسان وآخر".

3. لا يزال قليل من الباحثين الإسرائيليين يعترفون بأن إسرائيل ارتكبت ترانسفير ضد الفلسطينيين في 1948، لكن ذلك لم يمنع بعضًا منهم، فضلا عن القائلين بارتكاب الجريمة السالفة، من القول إن نزعة الترانسفير كانت موجودة لدى القادة الصهيونيين قبل ذلك العام. وجميعنا يذكر أن بيني موريس، المؤرخ الإسرائيلي، ألّف كتابًا خاصًا حول هذا الأمر (قبل أن ينقلب على طروحاته) ردّ فيه ما حصل في 1948 إلى ما أسماه "حالة ذهنية" قبلت الترحيل حلاً مشروعاً. وما إن بدأ ذلك "الترانسفير" طوعاً- بحسب قراءته- في أواخر سنة 1947 ومطلع سنة 1948 حتى كانت القيادة الصهيونية، بتوجيه من دافيد بن غوريون، مستعدة للمضي قدماً بالعملية ومستعينة بعمليات طرد أحيانًا. فتحوّل الزحف الأولي الخفيف للاجئين إلى مدّ من الطوفان خلال الفترة نيسان- تموز /1948، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بصورة "أفسدت العلاقات العربية- الإسرائيلية"، في الأعوام التي تلت ذلك التاريخ.
أكثر من ذلك اعترف موريس بأنه أخطأ عندما لم يعر الأهمية الكافية لنزعة "الترانسفير" لدى القادة الصهاينة في تفسير ما حدث فعلاً في فلسطين سنة 1948.

4. إن مجرّد التوقف عند مختلف النزعات الفكرية، ماضيًا وحاضرًا، يُعدّ مدخلاً لملامسة المؤثرات النظرية المحتملة التي تفضي، بدورها، نحو التقاط صيغة "البنية الإسرائيلية" بالمعطى التاريخي، أكثر مما هي منجزة في صيغها السياسية الراهنة. ولا تشكل هذه النزعات الفكرية خلفية لـ"البرامج السياسية" المطروحة على بساط البحث فقط، وإنما أيضًا خلفية لاستكناه هذه البرامج وغاياتها الحقيقية وما يمكن أن تؤدي إليه وأن تسفر عنه في المدى المنظور والبعيد على حدّ سواء، حسبما شفّت عن ذلك التجربة الإسرائيلية نفسها في الماضي الذي لم ينقض بعد.

يضفي قرار المحكمة الإسرائيلية العليا، الذي رفض يوم 14 أيار 2006 بأغلبية ستة قضاة ضد خمسة، التماسات طالبت بإلغاء تعديل عنصري ضد خمس المواطنين في إسرائيل أقرّه الكنيست على "قانون المواطنة"، شرعية قضائية أخيرة على قوننة العنصرية، التي لم يكن التعديل المذكور مظهرها الوحيد في ممارسة المشرّع الإسرائيلي.

ويندرج هذا القرار في إطار المساعي الإسرائيلية الرسمية، المدجّجة بتأييد وفاعلية قوى في البرلمان والقاع، الرامية إلى تجديد تعريف إسرائيل وفقًا للرؤية الصهيونية التقليدية.

هذه الرؤية سبق أن أوجزها المربي إسحق إفشتاين عندما كتب في 1907 ضمن مقال له في مجلة "هشيلواح" يقول: "إننا نولي الاهتمام لكل شؤون البلاد (فلسطين)، ونبحث كل شيء ونتناقش على كل الأمور، ونمجد كل شيء ونفتديه، لكننا نسينا شيئا واحدا، هو أنه يوجد في البلاد شعب كامل يتمسك بها منذ مئات السنين ولم يفكر بتركها أبدا".
وقبل هذا النصّ، الذي يعتبره بعض المستأنفين على دعاوى الصهيونية رائدًا في رؤية "المشكلة العربية"، أشار المفكر اليهودي آحاد هعام في مقالته المشهورة "الحقيقة من أرض إسرائيل" (1891) إلى أنه "تعوّدنا في الخارج على (الاعتقاد) أن أرض إسرائيل تكاد تكون مقفرة، صحراء جرداء، وعلى أن كل من يرغب في شراء أرض فيها بمقدوره أن يأتي ويشتري ويحقق رغبته. لكن الحقيقة أن الأمر ليس على هذا النحو. في كل البلاد من الصعوبة بمكان العثور على حقول زراعية لم يتم حراثتها وزراعتها".

وكنّا، في عرض سابق لكتاب المؤرخ الإسرائيلي "الجديد" آفي شلايم "الجدار الحديدي- إسرائيل والعالم العربي"، قد توقفنا عند تتبع شلايم لجذور فكرتين اعتبرهما "معياريتين" في الرؤية الصهيونية:

الأولى- فكرة التجاهل أو التغييب أو الإقصاء للسكان الأصليين (العرب الفلسطينيين) في التفكير الصهيوني، وذلك منذ أن هجس ثيودور هرتسل بمشروع "دولة اليهود". وأكد هذا المؤرخ، ضمن أشياء أخرى في هذا الصدد، ما سبق أن أشار إليه غيره من الباحثين، وهو أن آباء الصهيونية، وبكل بساطة!، لم يروا السكان الأصليين بصورة عامدة وعن وعي كامل. وربما يرجع هذا إلى منطلق الإدراك (الاستشرافي؟) لما سيترتب على تنفيذ مشروع إنشاء الدولة المذكورة من جرائم مريعة بحقّ هؤلاء السكان، لعلّ أشدّها وأدهاها جريمة التطهير العرقي.
وما يثبت أن عدم الرؤية السالفة هي عن طريق العمد، أنه بعد المؤتمر الصهيوني الأول، الذي عقد في سنة 1897 في بازل في سويسرا، قرر حاخام العاصمة النمساوية فيينا أن يستقصي أفكار هرتسل المبثوثة في كتابه "دولة اليهود"، فأرسل مندوبين عنه إلى فلسطين في مهمة وصفت بأنها لـ"تقصي الحقائق". وقد وجّه هذان المندوبان برقية من فلسطين يقولان فيها: "العروس (أي فلسطين) جميلة، لكنها متزوجة من رجل آخر".
عن هذه البرقية قال شلايم إنها تضمنت "المشكلة" التي ستتعارك معها الحركة الصهيونية منذ البدء (وحتى إشعار آخر). هذه المشكلة هي، بطبيعة الحال "السكان العرب الذين يعيشون على الأرض التي أرادها اليهود" لإنشاء دولتهم.
ويضيف: كان "الرأي الناتج عن ذلك أن الحركة الصهيونية، باستثناء مجموعات صغيرة هامشية، فضلّت أن تتجاهل العرب الموجودين في فلسطين الذين شكلوا ما سُمِّي لاحقًا بِـ: المسألة العربية".
والثانية- فكرة "التحالف الإستراتيجي" مع قوة عظمى خارجية. وهي الفكرة، التي أظهرت قراءة شلايم لها أن هرتسل كان أول من أرساها وأن حاييم وايزمان (الرئيس الأول لدولة إسرائيل) اقتفى أثر هرتسل في تطبيقها العملي بالنسبة لبريطانيا، التي كانت عظمى، ما أسفر في هذه الحالة عن صدور "وعد بلفور" المشؤوم في سنة 1917.

في حقيقة الأمر قامت هذه الفكرة، طبقًا لما يؤكده المؤلف، على قاعدة "تحديد الخدمات" التي في مقدرة "الدولة اليهودية" أن تمنحها، عند قيامها، على "طبق من ذهب" لتلك القوة العظمى، بما يتسّق مع المصالح الخارجية، الاستعمارية، لهذه الأخيرة.

من جميع ما تقدّم يتوصل شلايم إلى الاستنتاج الصحيح ومفاده أن الحركة الصهيونية، منذ بداية تشكلها تحت قيادة هرتسل، اتسمت بميزتين بارزتين أصبحت لهما أهمية أساسية ومستديمة في التاريخ اللاحق.
هاتان الميزتان هما: أولاً عدم الاعتراف بكيان وطني فلسطيني، وثانيًا البحث عن تحالف مع قوة عظمى خارج منطقة الشرق الأوسط.

وقد كان الالتفاف على الفلسطينيين هو نهج السياسة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول فصاعدًا. وكان الافتراض غير المعلن لهرتسل وكل من تبعه هو أن الحركة الصهيونية سوف تحقق هدفها ليس من خلال التفاهم مع الفلسطينيين المحليين وإنما من خلال تحالف مع القوة العظمى المسيطرة في تلك الساحة (وهو نهج يعود رئيس الحكومة الحالي إيهود أولمرت إليه، اقتداء بنهج سلفه أريئيل شارون، كما أنه ميّز إيهود باراك في كامب ديفيد). وقد أدى ضعف "الييشوف" ووضع المجتمع اليهودي في فلسطين قبل "الاستقلال" وتصاعد عداء الفلسطينيين إلى جعل الاعتماد على قوة عظمى عنصرًا مركزيًا في الإستراتيجية الصهيونية.

ولقد تغيرّت القوة العظمى المسيطرة في الشرق الأوسط مرّات عدّة خلال القرن العشرين: في البداية كانت الإمبراطورية العثمانية، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبحت بريطانيا العظمى، وبعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تلك القوة العظمى. لكن ما بقي ثابتًا هو ذلك التشبث الصهيوني بالاستحواذ على دعم القوى العظمى في المعركة من أجل الحصول على دولة وتثبيتها.

وهذا "الدعم"، كما سبق أن ذكرنا، لم يكن من غير ثمن دفعته الدولة اليهودية طوال سنوات وجودها. وقد عبّر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شمير (هل تذكرونه؟) ذات مرة بقوله: ترى فينا الولايات المتحدة الأميركية حليفًا وذخرًا إستراتيجيًا!

أما قصّة أن المحكمة العليا أضفت هالة قضائية على إجراءات عنصرية فليست، البتة، قصة أخرى في هذا السياق.

ومن المثير أن نلتفت إلى ما تقوله المؤرخة الإسرائيلية د. فانيا عوز، في عمق بحث جديد أنجزته بالمشاركة حول المحكمة العليا وحرية التعبير، في هذا الخصوص بشأن إدارة رئاسة القاضي أهارون باراك لهذه المحكمة، التي تشكّل مدعاة لافتخار إسرائيليين كثيرين بمن فيهم أشخاص محسوبون على التيارات اليسارية والليبرالية، ظهرها كاملاً لقيمة "كرامة الإنسان"، التي ميّزت بكيفية ما بعض من سبقوه في هذا المنصب "الرفيع المستوى"، وتمثلها (أي رئاسة باراك) النموذج القضائي الأميركي الذي لا يضع تلك القيمة في اعتباره ويستعيض عنها بقيمة حرية التعبير، مع فارق جوهري كبير، هو امتلاك المجتمع الأميركي تقاليد وثقافة حرية التعبير بما يجعله حريزًا أمام تغلغل ظواهر العنصرية، في حين يفتقر المجتمع الإسرائيلي إلى إدراك البعد العالمي لقيمة التعددية ويتمسك بقبلية هذه القيمة، التي تنهل من ثقافة التلمود والغيتو اليهودية.

نضيف إلى ذلك أنه على رغم أن التطوّر المرتبط بسؤال حرية التعبير في إسرائيل سار ولا ينفك سائرًا في الاتجاه الذي يستدعي، من ناحية منطقية على الأقل، أن تكون الأولوية للنضال من أجل تكريس هذه الحرية، ويستدعي أن تكون لهذا النضال آثار كبيرة ليس أبسطها صعود قوى اجتماعية جديدة، فإن الحاصل هو عكس ذلك تمامًا.

وضمن البحث الدائب عن الأسباب الواقفة خلف هذا "الاستحصال المعاكس"، لا ينبغي أن نغفل مفاعيل مسألة الوضع السياسي- الأمني، التي سرعان ما تحيل إلى كون إسرائيل لا تزال محكومة بـ"وجهة النظر الحديدية" التي أرساها موشيه ديان منذ أواخر الستينيات والتي لا يمكن بمقتضاها رفع أية راية أخرى طالما كانت الراية الأمنية مرفوعة (وبكلماتنا المألوفة "لا صوت يعلو على صوت الأمن").

وعليه فسأكون متعجبًا من الذي أصابه قرار المحكمة العليا بالمفاجأة، خصوصًا وأن القرار ينطوي على عنصري الأمن والمسألة الديمغرافية، الملازمين للديمقراطية الإسرائيلية واللذين يحددان ماهيتها الحقيقية في الآن ذاته.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018