نظرية الفراغ السياسي في المنطقة العربية../ الياس سحّاب

إذا صحت الأخبار التي تشير إلى أن اتفاق مكة قد انقذ الوضع الفلسطيني من حتمية الصدام الوطني والحرب الاهلية، ودفعه بالاتجاه المعاكس نحو حتمية تشكيل ائتلاف وطني وحكومة وطنية بين فتح وحماس بشكل رئيسي، فمعنى ذلك أننا نشهد عملياً بداية نجاح الخطة السعودية في المرحلة الراهنة من المسألة الفلسطينية، وبداية فشل الخطة الأمريكية.

وإذا وسعنا دائرة النظر في المنطقة العربية حتى تشمل لبنان، فإننا سنجد أنفسنا أمام تشابه غريب في السيناريو، مع اختلاف واحد، هو أنه في الوقت الذي سجلت فيه السياسة السعودية في المسألة الفلسطينية هدفا مؤكدا في المرمى الأمريكي (لحساب المصالح العربية العليا العامة، وليس فقط المصلحة الفلسطينية الخاصة)، فإن الصراع ما زال على أشده في المسألة اللبنانية، بين السيناريو السعودي الذي يسعى الى لملمة الوضع المعقد والحساس على قاعدة القواسم الايجابية المشتركة، والسيناريو الأمريكي الذي ما زال مصرا على السيناريو الذي اطلق عليه اسماً غريباً “الفوضى الخلاقة”، والذي يهدف الى تأديب الدول العربية كلها أمريكياً و”إسرائيلياً”، بما في ذلك الدول التي استحقت في القاموس الأمريكي لقب “الدول المعتدلة”، لتأمين الحد الأعلى من الانصياع الأعمى، لكل دول المنطقة، لأي مخطط أمريكي، حتى لو كان بقيادة المحافظين الجدد، ولمصلحة “إسرائيل” مائة في المائة.

هذا الصراع، بقسميه الفلسطيني واللبناني، يضع نصب اعيننا نموذجا حيا ساخنا للتطبيق العملي لنظرية “الفراغ السياسي” في المنطقة العربية، التي أسس لها الرئيس الأمريكي الاسبق ايزنهاور، في أعقاب ما أسماه فيلسوف التاريخ البريطاني ارنولد توينبي “غرق الامبراطوريتين الاستعماريتين القديمتين، البريطانية والفرنسية، في مياه قناة السويس، بعد أن قام جمال عبدالناصر بتأميمها”.

كانت نظرية الفراغ الأمريكية تقوم على أساس أن انهيار النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي في المنطقة العربية، سيخلق فراغاً سياسياً، لأن أياً من دوله، حتى الكبيرة، لا تستطيع ملء الفراغ السياسي الذي سيخلفه انهيار ذلك النفوذ.

يومها كانت المفاجأة ان مصر العربية، بزعامة جمال عبدالناصر، المتألقة في ساحات كتلة عدم الانحياز الحيوية، تحركت عملياً، وبسرعة لم تتوقعها واشنطن بالذات، لملء الفراغ السياسي المقصود.

وهكذا، فعندما كانت خلاصة الموقف الأمريكي فور رحيل عبدالناصر المفاجئ: “لن نسمح بقيام ناصر آخر في المنطقة”، فقد كان ذلك يعني أشياء كثيرة مهمة، من أهمها طبعاً ان واشنطن لن تسمح لدولة عربية كبرى، أو زعامة عربية أساسية، ان تعود لملء الفراغ الذي كانت تملأه مصر الناصرية، بدلا من أمريكا ايزنهاور، أو أي زعيم أمريكي يدخل البيت الأبيض بعده.

وحتى قبل رحيل عبدالناصر، قامت واشنطن بتحريك “إسرائيل” في حرب يونيو/ حزيران ،1967 لتوجيه ضربة قاضية الى دوره ودور مصر، لعل الهزيمة تقضي على الاثنين.

وكما فشلت هذه الخطة سياسياً رغم نجاحها العسكري الساحق، كان على واشنطن الانتظار حتى رحيل عبدالناصر شخصيا، واستكمال ذلك، بانقلاب 15 مايو الساداتي الموصوف.

ومع وصول هذا السيناريو الأمريكي الى ذروته القصوى بتوجيه الضربة القاضية الى دور مصر العربي، بتوقيع اتفاقيات كامب دافيد، فقد عادت أمريكا الى مشروع ايزنهاور القديم، مشروع قيام أمريكا شخصياً (وبواسطة “إسرائيل” أحياناً) لملء الفراغ الذي كان يملأه الدور المصري العربي الحيوي في فترة زعامة جمال عبدالناصر.

طبعا، الأوضاع العربية بعمومياتها وخصوصياتها، ما زالت توحي، بل تؤكد ان هذا السيناريو الأمريكي ما زال هو المسيطر حتى اشعار آخر.

لكن بعيداً عن معايير التفاؤل او التشاؤم، وبالاستناد الى المعايير العلمية الموضوعية وحدها، يمكننا القول إن التحرك السعودي الأخير في المسألة الفلسطينية، قد سجل بالفعل هدفا في مرمى السيناريو الأمريكي الآنف الذكر، أي سيناريو تولي أمريكا و”إسرائيل” ملء الفراغ السياسي في المنطقة، ومنع أي دولة عربية، منعاً عملياً ومباشراً، من محاولة ملء هذا الفراغ، ولو جزئياً، ولو في موقع عربي واحد، أساسياً كان أم فرعياً.

غير أن الموضوعية العلمية تقضي ايضاً بالاعتراف بأن ما حصل حتى الآن في المسألة الفلسطينية، ليس أكثر من مؤشر بسيط في الاتجاه المعاكس، وانه لا يمكن المراهنة على اندفاع عربي قوي وفعال في هذا الاتجاه، إلا إذا توالت الأهداف العربية في مرمى السيناريو الأمريكي “الإسرائيلي” لملء الفراغ، وذلك في كل الاقاليم العربية، ابتداء من لبنان، مرورا بالصومال، واستمرارا في القضية الفلسطينية الى خطوات أخرى تتجاوز مجرد تشكيل حكومة وحدة وطنية، الى تحول الوضع العربي، بكلياته وجزئياته، الى قوى ضغط حقيقية، ذات وزن سياسي واقتصادي ومعنوي حقيقي في السياسة الدولية، لدرجة امتلاك القدرة على تحريك المجتمع الدولي برمته للضغط، إلى جانب القوة العربية، على الولايات المتحدة و”إسرائيل”، لتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بقضية فلسطين بحذافيرها، وليس بعد تفريغها من جوهرها، كما يقضي بذلك حتى الآن السيناريو الأمريكي “الإسرائيلي”، الذي ما زال حتى الآن، ورغم الاشارات المعاكسة التي تحدثنا عنها، هو القوة الاساسية التي تملأ الفراغ السياسي في المنطقة العربية.

أما الإنجاز السعودي الأخير على الساحة الفلسطينية، فليس على أهميته، سوى خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح، بانتظار خطوات كثيرة أخرى من السعودية، ومن سواها.


"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018