نهاية الأحادية الجانب../ د. أمنون راز- كركوتسكين

خرجت إسرائيل إلى هذه الحرب على لبنان بحماس واندفاع شديدين، منتشية بعدالتها، ثملة بوحدتها وجبروتها الرهيب. وقد أُعتبرت الحرب عملاً من باب التطهير وإعادة الاعتبار، فيما أعتبر أي تشكيك ولو بسيط بعدالتها بمنزلة خيانة.

وقد بدا الاندفاع نحو الحرب أشبه باندفاع مغتصبين جاءوا لتجسيد فعلتهم الأحادية الجانب. الجنرالات والمحللون العاملون في خدمتهم في وسائل الإعلام تنافسوا في إظهار صور الدمار والخراب. وبينما كانت دولة لبنان تتعرض للدك والدمار، كان هؤلاء يمرحون بارتياح ورضا دون أن يحاولوا إخفاء متعتهم. قالوا سننهي ونخرج، من الجو، بصورة أحادية الجانب.

لقد كان من اللافت للانتباه ذلك النهم وتلك الشهوة التي أفعمتهم وهم يراقبون الطائرات الحربية تزرع الدمار في لبنان، دون أن تثير الضحية "المُغتصبَةُ" اهتمام أحد. وفي الواقع فقد أفهمنا الخبراء لشؤون الشرق أن الضحية- لبنان- تستمتع بما يفعلونه بها، وأنها تستسلم بسرور لهجماتنا وغاراتنا، منتظرة منا أن نخلصها من أنياب الوحش.

يحتاج المجتمع الإسرائيلي مرة كل بضع سنوات لحقنة "وحدة" من هذا النوع. فهو يستطيع تحقيق وحدته بطريقة واحدة فقط: الحرب!.

مرحى! فها هي فرصة حرب "عادلة" قد سنحت لنا. للوهلة الأولى، ولبرهة قصيرة، ساعدت الحرب في طمس المشاكل، وخلقت تظاهرة مسيحانية- خلاصية يتشارك فيها الجميع. وكالمعتاد فإن الذي يقود ويغذي عروض وتظاهرات الشهوة القومية ليس اليمين (الإسرائيلي) وإنما بالذات أولئك الذين يوصفون باليسار، مظهرين سرورهم في التماثل مع الحرب العادلة. والتهديد هو دوماً تهديد وجودي.

فالحرب تدور "دفاعاً عن وجود الدولة". هذا ما حصل سنة 2000، عندما سوّغ إجماع كامل الحرب الشاملة على المتظاهرين الفلسطينيين، وهو أيضاً ما يحصل الآن. نفس النغمة، نفس المتعة غير المكتومة، ونفس الحماس إزاء الوحدة الزائفة. تضافر خطير للخراب والشهوة.

فهاجس الخراب يشكل واحداً من أسس ودعائم الوجود الإسرائيلي، كما أنه أساس السياسة الإسرائيلية. وحيث أنه لا يمكن التغاضي عن وجود هذا الهاجس، الخوف، فلا بد من الوقوف على منابعه وجذوره، وعلى الطريقة التي يعمل بها من أجل تحقيق ذاته.

إنه يولد مراراً هذا التضافر الخطير بين الخوف والشهوة الجامحة، شهوة الكرب أو المحنة، المحنة التي تتيح تجميد وتعطيل كل وازعٍ قانونيٍ أو أخلاقي، وتجاهل القضايا الأساسية، وإبقاء التنكر بعينه. باسم خطر "الخراب" يُبَرَر الخراب. باسم خطر الخراب خُرِّبت فلسطين، وخُرِّبت لبنان. لكن إسرائيل تُقرِّب في نهاية المطاف أجل خرابها هي، لأن الذي سيخرب إسرائيل سيكون إسرائيل ذاتها.

في هذه الأثناء بات من الواضح، كما كان متوقعاً سلفاً، أن عملية الاغتصاب لم تتكلل بالنجاح، وأن إسرائيل لن تستطيع الهرب من ساحة الجريمة والعودة إلى روتين الحياة الاعتيادية مثلما أمِلت. إسرائيل ستخرج من هذه الحرب تلعق جراحها. وسيتبادل الوزراء والجنرالات الاتهامات حول الأداء السيء للجيش ... ستخرج المشكلات الاجتماعية من الملاجئ بغضب شديد.

لقد حاصرت إسرائيل نفسها بالكراهية، وأشعلت داخلها ناراً عنصرية- قومية لن يكون من السهل إخمادها. لقد خرجت إسرائيل إلى الحرب كي تستعيد قدرة الردع، ففقدتها بشكل تام. استخدمت كل الوسائل الموجودة في حوزتها، ما عدا السلاح غير التقليدي، لكنها فقدت أمنها. هذه الصحوة المتأخرة لا تقود إلى تغيير ملموس. على العكس، فالفشل يغذي مسلسل الأكاذيب، لدرجة أن المحللين المدعوين إلى تبرير تصريحاتهم، باتوا يصدقون الأكاذيب التي يروجونها بأنفسهم.

إنهم يعرضون مراراً الصورة المزيفة القائلة إن إسرائيل تدافع عن نفسها، عن وجودها، بعدما هوجمت، متجاهلين حقيقة أن الهجمات المكثفة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية جاءت رداً على الغارات وعمليات القصف التي تعرض لها لبنان. يصورون الحرب على أنها جاءت للقضاء على تهديد الصواريخ، ويتجاهلون حقيقة أن الحرب هي التي فعَّلت هذا التهديد. وسيواصلون الإدعاء أن تدمير لبنان وما يرافقه وينجم عنه من تقتيل مروع ومئات آلاف النازحين، هو رد منطقي ومعقول على اختطاف الجنديين. سيجندون أكاديميين مغمورين لتصوير "حزب الله" كمنظمة نازية، وهو في اعتقادي، إدعاء يضاهي إنكار المحرقة.

من المنطقي والمرجح بالتأكيد أن يكون اليمين الإسرائيلي هو المستفيد، في المرحلة الأولى على الأقل، من قطف ثمار هذا الفشل المدوي للحرب. فمنذ بداية الحرب يكرر المتحدثون باسم اليمين إدعاءهم القائل إن ما أفضى بنا إلى هذا الوضع هو سياسة "السلام" التي تواصل إسرائيل إتباعها، ابتداء من اتفاق أوسلو، مروراً بالانسحاب من لبنان سنة 2000، وانتهاء بخطة الانفصال وإخلاء المستوطنات التي نفذت في العام المنصرم. سيحتفل ليبرمان ونتنياهو وإيتام لمناسبة أنهم "ظهروا على حق"، ولن يواجهوا صعوبة في الادعاء أنه ثبت أن سياسة الحكومة الإسرائيلية كانت خاطئة.

هذه الإدعاءات صحيحة، لكن الاستنتاجات ينبغي أن تكون معاكسة تماماً. فاليمين محق لأن الحرب الحالية هي نتاج للسياسة الأحادية الجانب المتبجحة التي اتبعتها إسرائيل في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الانسحابات التي كان هدفها الأساسي هو منع المفاوضات وقطع الطريق على أية تسوية سلمية. إنها السياسة التي تريد إسرائيل بواسطتها تحقيق أهدافها دون طرف ثانٍ، ووسط تجاهله، أو من خلال إرغامه على قبول إملاءات كما حصل في كامب ديفيد.

كذلك الحال فإن انسحاب إسرائيل من لبنان (سنة 2000) استهدف منع المفاوضات مع سوريا. أهداف الحرب متماثلة مع هدف العمليات والنشاطات التي تماهى معها "معسكر السلام" الإسرائيلي: لا للمفاوضات ولا للإعتراف بحقوق، والبحث في أحسن الأحوال، عن "شريك" يقبل بإملاءات مؤيدي الفصل، الأكثر سخاءً والأقل سخاءً.

يعود أساس الواقع الراهن إلى عهد سلطة إيهود باراك وحكومة "اليسار" التي ترأسها؛ الحكومة التي انسحبت من لبنان فقط بهدف إحباط إمكانية السلام مع سوريا، الحكومة التي حاولت فرض إملاء نهائي على الفلسطينيين ورأت في رفضه مبرراً لممارسة قمع وحشي قلب الواقع برمته رأساً على عقب؛ إنها الحكومة المسؤولة عن قتل 13 مواطناً عربياً (في أكتوبر 2000)، وهي التي شجعت أيضاً العنصرية المنفلتة ضدهم وضد زعمائهم. اليوم يقوم بذلك عمير بيرتس ويولي تمير. علينا أن نتذكر هنا أن حزب "العمل" خاض الانتخابات الأخيرة دون أي برنامج أو خطة، باستثناء شعارات اجتماعية ليس لها أي أساس، كان من الطبيعي أن تتبخر مع أول قنبلة ألقيت على لبنان. لقد انساق قادة "العمل" خلف أفكار الانفصال، والتي تعتبر المجازر التي ترتكب اليوم في غزة جزءاً لا يتجزأ منها. هناك طريق واحد يقود من باراك وحتى الآن، وهو طريق السياسة الأحادية الجانب.

إن الحرب الحالية، والحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، هي نتاج لعملية السلام، وانعكاس لمبادئها، بمعنى غياب هذه المبادئ. فإسرائيل لم تنظر إلى السلام كإطار للتعاون، وإنما كوسيلة للحفاظ على عزلتها وانفصالها.

لذلك يجب أن ينظر للحرب الحالية باعتبارها إحدى مراحل ما يسمى بـ "عملية السلام"، تعكس نفس المبادئ التي رافقت هذه العملية منذ بدايتها.

فقد كان من المفروض بهذه الحرب أن تكون من جانب واحد: إسرائيل تهاجم ولبنان يتلقى الضربات بصمت وهدوء. كان التوجه يقضي بتفادي الحرب البرية، أي حرب من جانبين.

إذا استوعبنا هذه الحقيقة، عندها فقط سيكون بالإمكان تطوير موقف وإستراتيجية مناهضين للعنف ومن أجل الاعتراف المتبادل. فمعارضة هذه الحرب لن تكون مجدية إلا إذا استندت لمعارضة "عملية السلام" القائمة في جوهرها على الأحادية الجانب، بمعنى رفض وإنكار الطرف الثاني. هذا الكلام صحيح أيضاً بالنسبة لأولئك الذين يريدون فرض فصل باتفاق.

لكن الحرب تحولت إلى حرب ثنائية، من جانبين. فليس لبنان وحده الذي يُدمَّر، إسرائيل أيضاً تتعرّض للأذى، وإن كان من غير الممكن بطبيعة الحال المقارنة بين حجم الدمار في الجانبين.

حتى إذا استطاعت إسرائيل تحقيق "إنجازات سياسية"، أي إضعاف قدرة تهديد "حزب الله"، فإن الإنجاز لن يكون إلاّ وهماً خادعاً.

لقد نجحت إسرائيل في تجسيد المخاوف وتغذية الكراهية والعداء. ولن يكون من شأن فشل العنف المنفلت سوى التشجيع على مزيد من العنف. إن اصطفاف إسرائيل الكامل إلى جانب الولايات المتحدة ضد "الإسلام" إنما يقوّض فقط الوجود الإسرائيلي. إن ضعف إسرائيل يجعلها أكثر خطورة، خاصة وأن سلاح الردع الوحيد الذي بقي في جعبتها، بعد أن استخدمت كل وسائل وأدوات التدمير المتطورة ضد منظمة تضم بضعة آلاف من المقاتلين، هو السلاح غير التقليدي، الذي يخضع لإمرة زعماء طائشين يطفحون تعصباً قومياً عنصرياً. هذا التفكير في حد ذاته جدير به أن يؤرقنا.

لعل النجاح الوحيد الذي حققته الحرب الإسرائيلية على لبنان حتى الآن، هو كونها صرفت الأنظار عن المذبحة المتواصلة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، مع أن الجرائم الإسرائيلية هناك لم تُثِرْ حتى قبل نشوب الحرب، أي اهتمام أو ردود فعل ملموسة، سواء في البلاد أو العالم. عملية صرف الأنظار هذه هي جزء لا يتجزأ من الحرب الحالية.

ولكن قد يفضي هذا الفشل إلى تغيير جوهري، إلى وعي مختلف، وإلى فهم وإدراك بأن الشرط الوحيد للوجود اليهودي في هذه البلاد هو الاعتراف والحوار. ليس مجرد مفاوضات من أجل وقف إطلاق النار، ليس مجرد محاولة مبتسرة لإملاء "تسوية دائمة" لضمان الفصل و"الأغلبية الديمغرافية"، وإنما حوار شامل يتناول كل المسائل التي يجري إنكارها وطمسها. ليس هناك شيء يخيف الإسرائيليين أكثر من الحوار، ذلك لأنه لا حوار إلاّ على أساس مبادئ أساسية، مبادئ الاعتراف المتبادل والمساواة وإحقاق الحقوق.

إسرائيل ترفض هذه المبادئ رفضاً تاماً، وتسعى طوال الوقت إلى إغراق إمكانية الحديث والحوار حولها في أنهر من الدم.

لقد بات من الواضح اليوم أن فرصة إسرائيل في البقاء منوطة فقط بفهم أن الاعتراف بهذه الحقوق هو الأساس الوحيد للمفاوضات، وصولاً إلى الاعتراف المتبادل، والمساواة القومية والمدنية بين اليهود والعرب، والاعتراف بسيادة الدول العربية والسعي إلى المصالحة...

إن فرصة حصول تحول من هذا القبيل تبدو ضئيلة جداً، وعلى ما يبدو فإنه ما زال بانتظارنا على المدى القريب مزيد من سفك الدماء والدمار.

مع ذلك، فلربما ينبثق من رحم هذا الوضع الإقرار بأن البقاء خلف وبحماية الجدران والأسوار والسلاح الذري، لن يكون مجدياً على المدى البعيد.

__________________________

(*) الكاتب مؤرخ ومحاضر في جامعة "بن غوريون" في بئر السبع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018