هدية أمريكية../ د.محمد السعيد ادريس

يبدو أن الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى العالمية الأحادية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي والنظام العالمي ثنائي القطبية، كانت قد قررت أن تصبح “قوة أخلاقية” تقدم الهدايا الى شعوب العالم، لكن يبدو أن “هدايا أمريكا” شديدة التعبير عن هوية الدور الأمريكي العالمي وأخلاقيات هذا الدور على نحو ما كشف زلماي خليل زاد سفير الولايات المتحدة في بغداد وبالتحديد في “المنطقة الخضراء” من العاصمة العراقية.

فالولايات المتحدة كانت عازمة على تقديم “حزمة هدايا” إلى الشعب العراقي، لكنها، ولسوء الحظ حسب وجهة نظره، لم تستطع ان تقدم له غير هدية واحدة هي اسقاط نظام حكم صدام حسين. ففي معرض نعيه للمشروع الأمريكي في العراق بكل أهدافه وشعاراته ودوافعه وعلى رأسها “الحلم الديمقراطي” قال زلماي زاد “هدية أمريكا للعراقيين هي قلب نظام الحكم، وغير ذلك لا يمكن للأمريكيين فرض أشياء جديدة على العراقيين”.

هو هنا يريد بالتحديد أن يعفي التزام الولايات المتحدة من وعودها الخاصة بإقامة الديمقراطية في العراق كمبرر لغزو واحتلال العراق، وهو الهدف الذي ظلت تروج له كمبرر للغزو والاحتلال بعد أن فشلت في اثبات امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل على نحو ما كانت تزعم وعلى نحو ما كنت تروج من أسباب للغزو، فالرئيس الأمريكي جورج بوش واركان إدارته لم يتوقفوا عن الترويج للمشروع الأمريكي بإقامة الديمقراطية في العراق وعن التباهي ب “الديمقراطية الجديدة في العراق”.

لقد أرادت الإدارة الأمريكية إسقاط نظام حكم صدام حسين بزعم إقامة الديمقراطية باعتبار أن هذه الديمقراطية واحدة من أهم المهام الأمريكية في العالم بعد أحداث 11 سبتمبر/ايلول 2001 حيث قررت اسقاط “الدول الفاشلة” ونظم الحكم الاستبدادية واقامة نظم حكم ديمقراطية بديلة، باعتبار أن ما تعتبره من دول، فاشلة واستبدادية هي المسؤول الرئيسي عن تلك الأحداث، ولكنها الآن تعلن تخليها عن هذا الالتزام حسب تصريح سفيرها في بغداد، ومن ثم تكون اسقطت نظام حكم صدام حسين ودمرت مؤسسات دولة وفرضت “الفوضى” و”الحرب الأهلية” بديلاً عنها، وهي رغم ذلك تعتبر أن هذا “هدية” أمريكية للشعب العراقي ولأن هذه الهدية أمريكية، فهي باهظة الثمن لدرجة يمكن القول معها، إنها هدية تعجز الولايات المتحدة عن دفع ثمنها، فالثمن هائل كشفه أولاً جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ( في عهد جورج بوش “الاب”)، من خلال التقرير الذي أعدته لجنة العمل التي يرأسها بتكليف من الكونجرس الأمريكي وكشفته ثانياً نتائج دراسة علمية أمريكية حديثة أعدها فريق أكاديمي من “جامعة جونز هوبكنز بلومبرج”، فقد توصل تقرير لجنة بيكر التي يشارك في رئاستها من الجانب الديمقراطي “لي هاملتون” الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب”، إلى أن البديل للخيارين السلبيين المطروحين لحل الأزمة الأمريكية في العراق هو خيار الانسحاب الأمريكي من العراق، وخيار إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وهو “تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم ذات استقلالية عالية، حيث يتولى كل أقليم فيها مسؤولية حفظ الأمن داخل نطاقه، على أن تناط بالحكومة المركزية في بغداد مسؤولية السياسة الخارجية وحراسة الحدود وتوزيع الثروة النفطية، أي أن “التقسيم هو الحل”.

كما توصلت نتائج دراسة فريق جامعة “جونز هوبكنز” إلى أن اكثر من 655 ألف عراقي، أي ما يعادل 2،5% من شعب العراق لقوا حتفهم نتيجة للاحتلال الأمريكي منذ عام ،2003 وأن اكثر من 600 ألف من هذه الوفيات نجم عن “أعمال عنف”.

تقسيم العراق وتدميره وقتل شعبه مقابل ماذا؟ ومن الذي اعطى الأمريكيين هذا الحق؟

الكاتب الأمريكي “بوب وودوارد” قرر أن يصف “بؤس السياسة الأمريكية” في العراق وتخبط قرارات كبار المسؤولين بأنهما “حالة انكار” لكن الواقع أشد بؤساً ومرارة فهو “حالة جريمة” وجريمة بشعة بكل المقاييس، ورغم ذلك يصفونها بأنها هدية، لكن أهم ما فيها هو أنها “هدية أمريكية” فأمريكيا لا ينتظر منها غير هذا النوع من الهدايا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018