هل تصلح "حرب غزة" ما أفسدته "حرب لبنان"؟/ أنطوان شلحت

سائق التاكسي اليهودي الذي أقلني في سفرة خاصة، مؤخرًا، لم يقتنع البتة بل وحتى أبدى قدرًا من الامتعاض جرّاء تقديري لموقف سياسي عرضته أمامه، برسم التطورات الأخيرة، مفاده أن احتمالات اشتعال حرب جديدة مساوية طردًا لاحتمالات حصول اختراق سياسي. وبقي مصرًّا على أنّ المستقبل المنظور مفتوح فقط على... احتمال لا يرّد بالاشتعال.

"إنك لا تعرف المزاج الإسرائيلي العام"، جزم السائق. "هذا المزاج منهمك الآن حتى الثمالة في كيفية تجاوز الفشل الذريع الذي مني به الجيش الإسرائيلي الجبّار في حرب لبنان الثانية، ولا شيء أبعد من ذلك. لا شيء تفكر فيه غالبيتنا الساحقة أبعد من محو آثار تلك الهزيمة". واحتمال الاشتعال يبدو قويًا جدًا، طبق قراءته، في جبهتين محددتين: "الأولى الجبهة السورية، حيث يتحرّق الجيش شوقًا لخوض حرب تقليدية تعيد له اعتباره (الذي أفقدته إياه الحرب الما بعد حداثية، بتعبير أحد المفكرين الإسرائيليين) ويثبت فيها يده الطولى. والثانية جبهة قطاع غزة، حيث يعتقد الجيش أن في مقدوره أن يحقّق ما عجز عن تحقيقه خلال الحرب في لبنان، من إخضاع لقدرة المقاومة الشعبية".

ما يقوله هذا السائق يعكس، بكيفية ما، المزاج الإسرائيلي العام المترتب على حرب لبنان، والمتأثر بصورة تدرجيّة أيضًا من توالي عمليات التحقيق في الحرب من طرف عدة هيئات، وما يتكشف في سياق ذلك من وقائع ومعطيات بشأن الحرب المذكورة، وأساسًا بشأن الأداء السياسي والعسكري لإسرائيل الذي تلقى طعنات نجلاء في صميمه. وهو مزاج يصبّ جيدًا في مصلحة الحكومة الإسرائيلية الحالية، برئاسة إيهود أولمرت، التي لم تعد لها أية أجندة سياسية باستثناء "أجندة" البقاء في كرسي الحكم، بقطع النظر عما إذا كانت أجندتها عمومًا تناسب مقاسها فقط أم تتماشى مع مطالب الأطراف الأخرى.

وقد حضرتني المحادثة مع هذا السائق، التي مضى عليها عدة أسابيع، الآن بالذات في أسبوع حافل بأنباء متواترة عن تصاعد احتمال شنّ حرب على قطاع غزة إلى درجة بات البعض يعتقد فيها بأن هذه الحرب أصبحت حتمية (كقول المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، مثلاً) وأن إعلانها هو مسألة وقت ليس أكثر.

كيف ولماذا؟.

يوم أمس الاثنين (16/10/2006) نشر "معهد ريئوت" الإسرائيلي للتخطيط السياسي تقريرًا جديدًا ألمح فيه إلى أن حربًا إسرائيلية على قطاع غزة، في حالة وقوعها، لن تكون غايتها فقط "القضاء على القدرة العسكرية المتراكمة هناك، منذ الانسحاب الأحادي الجانب ومنذ انتهاء الحرب على لبنان عبر الاستفادة من دروسها العسكرية"، وإنما أيضًا "إسقاط سلطة حماس"، ما يعني برأي المعهد "التأدية إلى تغيير سياسي إستراتيجي ينطوي على ازدياد المسؤولية الإسرائيلية حيال الفلسطينيين، من جهة كما ينطوي على تعميق وضعية الاحتلال، من جهة أخرى، موازية ومكملة". [يتمثل أحد الانتقادات التي وجهها تحقيق الجنرال احتياط يورام يائير بشأن إخفاقات الحرب في لبنان في أنّ الجيش الإسرائيلي كافة، فضلاً عن الألوية التي شاركت في الحرب وكان أحدها مسؤولاً قبل ذلك عن كل ما يحصل على جبهة المنطقة الشمالية، لم يستبطن أن الحديث يدور عن حرب حقيقية وليس عن مجرّد نشاط أمني جار في لبنان. وبحسب أقواله أيضًا فإن تلك الحرب لم تتم إدارتها كعملية عسكرية مع أهداف وغايات يتعيّن تحقيقها. وبالتالي يمكن الاستنتاج بأنه في حالة شنّ حرب على غزة فستكون هذه الملاحظة النقدية حاضرة في الخلفية، لناحية اعتبار تلك الحرب عملية عسكرية ذات أهداف وغايات يتعيّن بلوغها].

وبطبيعة الحال فإن هذا المعهد يحذّر من مغبة التسبّب في هذا التغيير بمسوّغ أن من شأنه أن "يعيد المسؤولية عن غزة والضفة إلى الملعب الإسرائيلي"، في وقت تقوم فيه السلطة الفلسطينية وأطراف دولية بـ"تقاسم أعباء هذه المسؤولية".

غير أنّ "معهد ريئوت" رأى أيضًا أن "إسقاط سلطة حماس"، سواء عن طريق الحرب العسكرية المباشرة أو عن طريق تأجيج أوار الحرب الأهلية الفلسطينية، لا يخدم إسرائيل. وذلك للسببين التاليين:

(*) أولاً- أنّ من شأن إسقاط "حماس" أن يمهّد الأرضية لتحقيق "انتصار فتح". وحركة فتح "ليست عنوانًا لعملية سياسية"، من وجهة نظر إسرائيل. فهذه الحركة "منقسمة على نفسها وموجودة في خضم أزمة عميقة. ولذا فإنها لا تشكّل بديلاً حقيقيًا عن سلطة حماس"، على حدّ تعبير تقرير "معهد ريئوت". زد على ذلك أنه لن يكون لإسرائيل "عنوان سياسي حقيقي في السلطة الفلسطينية، إذا ما صعدت فتح إلى السلطة على رؤوس الحراب الإسرائيلية".

(*) ثانيًا- من شأن إسقاط سلطة "حماس" أن يؤدي بهذه الحركة "للعودة إلى طريق الإرهاب بصورة تامة، وإلى أن تنأى بنفسها عن الانضباط الناجم عن مسؤوليتها السلطوية".

طبعًا من الصعب التقدير بأن هذا السيناريو، وكذلك غيره من السيناريوهات المتداولة المترتبة على حرب محتملة ضد القطاع، ليست ماثلة في أذهان المسؤولين الإسرائيليين على اختلافهم. وإن دلالتها الأكثر أهمية على وجه العموم هي أن أية حرب إسرائيلية على غزة لن تكون محصلتها سوى أن تزيد الأمور تعقيدًا على تعقيد.

ولذا فإن ما يبقى دافعًا رئيسًا لحرب كهذه هو ذلك المبرّر الغرائزي المدجّج بالمزاج العام الذي عبّر عنه سائق التاكسي والذي يتوهم المقدرة على أن تصلح حرب عدوانية قريبة على غزة ما أفسدته حرب لبنان، سواء إبان معاركها أو ما هو مرتبط بتبعات ما بعد انتهائها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018